عبدالله موسي يكتب : أبكيك والضيف من كأس المريسة إلى درس السودان في الكرامة والثأر

أبكيك والضيف من كأس المريسة إلى درس السودان في الكرامة والثأر
مركز الاستدامة للتنمية والاستنارو
م. عبدالله موسى أحمد – باحث
يحكى ان مجموعة من رجال القرية يعملون فى نفير لبناء قطية من القش وعند الانتهاء من عمل البناء جرت العادة في ذلك الزمان الموغل في القدم – حيث نجد الآن الكثير جدآ من العادات و التقاليد و الأعراف قد تغيرت تمامآ – جرت العادة على تقديم المريسة و يشربونها في شكل مجموعة .
و في تلك اللحظة تصادف قدوم مجموعة مسافرة كانوا جوعى فمالوا للانضمام للمجموعة التى كانت متحكرة حول المريسة لينالوا بنصيبهم منها.
و كان يقدم الشراب شاب يلقبونه ب
( أبكيك ) [ تنطق بسكون الباء و فتح الكاف و فتح الياء و تشديدها ]كان يقوم بتوزيع ادوار الكاس مملوء بالمريسة،
فلما بدأ التوزيع أخذ يحرضها كحال أهل البلد و يشكرها بقولهوا : ( أبكيك ، عينك في الضيف و تدي أخيك ) فكان كلما جاء الدور على أحد الضيوف يقوم عمدآ بتفويته كاسه و ذلك أمر في غاية المنكر و الإهانة عند الشاربين المريسة . ويفعل كذلك كل ياتى الدور على واحد من الضيوف الثلاثة حتى انتهت المريسة كلها لم ينال اي ضيف ولا كاس واحدة المريسة. ومضوا فى سبيلهم.
ولكن هنا رجل واحد من الضيوف ما فعلة ابكيك ترك فى قلوبه الضيف حسرة شديدة. فلما ساروا من المكان وابتعدوا قليلآ أصر أحدهم و هو أكثرهم حنقآ على أبكيك بان يرجع لكى يضرب أبكيك انتقامآ منه فعاد رغم المعارضة من صاحبيه .
فلما وصل المكان و كان قد عرف سلفآ موقع منزل أبكيك فصاح منادية على مقرب البابه قائلآ له لقد جاءوا إلينا بمريسة أخرى فتعال لتواصل توزيعها علينا
فلما أخرج رأسه من الباب ضربه بالعصا ضربة جعلته يسقط أرضآ و فر هاربآ قبل أن يصل إليه أحد .
وصل صاحبيه، ثم بعد لحظات أصر مرة ثانية على العودة لضربه مرة أخرى . فلما وصل قرب الباب صاح به ثانيا موضحا له انهم قد قبضوا على الرجل الذي ضربك فتعال لتأخذ ثأرك .فلما أطل برأسه ضربه ضربة أخرى موجعة و فر هاربآ دون أن يلحق به أحد . و هكذه اصر فى العود لى ضربة فى المرة الثالث ولحق باصاحبة
في ذاكرة القرى السودانية حكايات شعبية كثيرة لم تُكتب، لكنها بقيت حية تتناقلها الألسن جيلاً بعد جيل. بعضها طريف، لكنه يخفي دلالات عميقة عن المجتمع والكرامة والعلاقات الإنسانية.
ومنها حكاية «أبكيك والضيف»، التي تبدو بسيطة، لكنها تطرح أسئلة عن الضيافة والإقصاء وكيف تتحول إساءة صغيرة إلى غضب وثأر.
تعود الحكاية إلى زمن النفير، حين كان أهل القرية يتعاونون في بناء القطاطي من القش، ثم يجتمعون بعد العمل ويتناولون المريسة في مجلس جماعي.
في أحد الأيام وصل ثلاثة مسافرين جوعى، فجلسوا على أمل أن يُكرموا كضيوف. وكان في المجلس شاب يُلقب بـ«أبكيك» يتولى توزيع الكأس.
لكن أبكيك تعمد تجاهل الضيوف في كل مرة، حتى انتهت المريسة دون أن ينالوا شيئاً. لم يكن الأمر خطأً عابراً، بل رسالة إقصاء واضحة.
الإهانة التي لم تنتهِ، غادر الضيوف، لكن أحدهم عاد غاضباً. استدرج أبكيك خارج بيته بحيلة، وضربه ثم فر. تكرر الأمر ثلاث مرات، في كل مرة يعود الرجل ليضربه بدافع الثأر.
ليست حكاية عن المريسة، الحكاية ليست عن الشراب، بل عن الكرامة. فالضيف في الثقافة السودانية رمز لواجب أخلاقي، وأبكيك حوّل هذا الواجب إلى إهانة.
حين تتحول السلطة الصغيرة إلى ظلم،
أبكيك لم يكن صاحب سلطة كبيرة، لكنه امتلك قرار المنح والمنع. وهنا تكمن الفكرة: الظلم قد يبدأ من سلطة صغيرة تُستخدم بلا وعي.
السودان في مرآة الحكاية، الحكاية تعكس واقعاً أوسع: شعور بعض الناس بأنهم خارج دائرة العدالة والفرص، حيث تدور الحقوق في حلقة مغلقة لا تشمل الجميع.
من التهميش إلى الغضب، الغضب في الحكاية لم يكن بسبب الطعام، بل بسبب الإهانة. وهكذا يتحول الإقصاء المتكرر إلى غضب يصعب احتواؤه.
دورة الثأر، الضربات الثلاث تعكس منطق الثأر: كل رد يولد رداً جديداً، بينما العدالة وحدها تنهي الحلقة.
الصمت شريك في الظلم أهل المجلس صمتوا رغم معرفتهم بالخطأ، والصمت هنا ساهم في تفاقم الإهانة وتحولها إلى عنف.
النفير الذي بدأ به كل شيء، المفارقة أن المجتمع الذي تعاون في البناء فشل في أبسط اختبار أخلاقي: إكرام الضيف. بناء الإنسان أصعب من بناء القش.
الضيف ليس غريباً دائماً، في الدولة الحديثة، لا ينبغي أن يشعر أي مواطن أنه «ضيف» في وطنه، بل صاحب حق متساوٍ.
الحكاية لا تنتهي بانتصار أحد، بل تكشف أن الثأر لا يبني مجتمعاً وأن العدالة وحدها قادرة على إيقاف الدائرة.
السودان اليوم بحاجة إلى نفير جديد يعيد بناء الثقة قبل الحجر، ويمنع أن يتحول الوطن إلى مجلس يُقصى فيه البعض ويُنتظر فيه الآخرون بلا دور.




