مقالات

عبدالله موسي يكتب … هنا إذاعة الجيش الشعبي لتحرير السودان عندما أدركت البندقية أن المعركة تبدأ من الوعي

مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م.عبد الله موسى أحمد – باحث

هنا إذاعة الجيش الشعبي لتحرير السودان… صوت نضال الشعب السوداني المسلح،،،

لم تكن هذه الكلمات مجرد افتتاحية لإذاعة تبث من خلف خطوط الحرب، بل كانت صوتاً انتظره سودانيون كثيرون في زمن كانت فيه المعلومة نادرة والاتصال بالعالم الخارجي محدوداً والحرب تحجب كثيراً من الحقائق.
كان المستمع يحمل جهاز الراديو ويتنقل به من مكان إلى آخر بحثاً عن إشارة أوضح، منتظراً أخبار المعارك ومواقف الحركة الشعبية وأصوات قياداتها. وبالنسبة لجيل كامل، أصبح صوت الإذاعة جزءاً من ذاكرة الحرب ونافذة على ما كان يجري بعيداً عن المدن ومراكز السلطة.
لكن أهمية هذه التجربة لا تكمن في الحنين إليها فقط وإنما في السؤال الذي نطرحه اليوم كيف أدركت حركة مسلحة في وقت مبكر أن البندقية وحدها لا تكفي وأن الحرب تحتاج إلى إعلام ورواية وجمهور؟

بعد تأسيس الحركة الشعبية لتحرير السودان والجيش الشعبي عام 16 مايو 1983، لم يستغرق الأمر طويلاً حتى أدركت القيادة أهمية إنشاء وسيلة إعلام قادرة على تجاوز حدود الميدان العسكري.
فجاءت إذاعة الجيش الشعبي عام 1984 لتفتح جبهة أخرى للصراع وهى جبهة الكلمة والوعي والرأي العام.
كانت الحركة تخوض حرباً عسكرية، لكنها كانت في الوقت نفسه بحاجة إلى شرح أهدافها وتقديم رؤيتها والتواصل مع أنصارها وكسب تعاطف قطاعات أخرى من المجتمع.
وهنا ظهر الدور السياسي للإذاعة. فهي لم تكن مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبحت أداة للتعبئة ونشر البيانات وتقديم خطاب السودان الجديد وإيصال أصوات القيادات السياسية والعسكرية إلى جمهور واسع.
لقد أدركت الحركة أن السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة السيطرة على الرواية.

قد تنتصر في معركة عسكرية، لكنك تخسرها في الإعلام. وقد تخسر موقعاً في الميدان، لكنك تكسب الرأي العام إذا استطعت تفسير ما حدث وإقناع الناس بروايتك. وهكذا أصبحت الإذاعة جزءاً من المعركة السياسية، لا مجرد ملحق بالمواجهة العسكرية.

لماذا وجد صوتها طريقه إلى الناس؟
نجحت الإذاعة لأنها جاءت في لحظة كان الجمهور فيها عطشاً إلى المعلومة.
كانت الأخبار القادمة من مناطق العمليات محدودة، وكانت الروايات المتداولة عن الحرب متباينة، بينما ظل المواطن يبحث عن مصدر يستطيع من خلاله فهم ما يجري. في تلك البيئة، تحولت الإذاعة إلى مصدر بديل للأخبار بالنسبة إلى مؤيدي الحركة والمتعاطفين معها وإلى وسيلة لمعرفة مواقفها العسكرية والسياسية.
وكان لصوت القيادات حضور خاص في هذا المشهد، إذ جعلت الإذاعة أسماء مثل ياسر عرمان وباقان أموم وغيرهما مألوفة لدى المستمع السوداني وحولت القيادات البعيدة جغرافياً إلى أصوات حاضرة في المجال العام.
وهنا ظهرت إحدى أهم وظائف الإعلام السياسي هى أن يحول القيادة من صورة بعيدة إلى حضور يومي في وعي الجمهور.

اليوم أصبح الحديث عن القوة الناعمة والإعلام الاستراتيجي وصناعة الصورة وإدارة الرواية أمراً مألوفاً في السياسة الدولية. لكن تجربة إذاعة الجيش الشعبي قدمت في سياق سوداني، نموذجاً مبكراً لبعض هذه المفاهيم.
فالإذاعة ساهمت في نشر المعلومات والبيانات. وبناء الرواية السياسية للحركة.
ورفع معنويات الأنصار. وكسب التعاطف.
وتقديم القيادات للجمهور. ونشر أفكار السودان الجديد. والتأثير في الرأي العام.
والحفاظ على التواصل بين الحركة وجمهورها. وهذه كلها أدوات تتجاوز الوظيفة التقليدية للإعلام.
لقد كانت الإذاعة، في جانب مهم من عملها قوة ناعمة تخدم مشروعاً سياسياً وعسكرياً في آن واحد.

من إعلام الحرب إلى سؤال ما بعد السلام
لكن هنا تبدأ المفارقة. إذا كانت الحركة الشعبية قد أدركت أثناء الحرب قيمة الإعلام، فلماذا لم يتحول هذا الرصيد بعد اتفاقية السلام الشامل إلى مشروع إعلامي أكثر قوة واستدامة؟
كان يمكن أن تتحول خبرة الإذاعة إلى مؤسسة إعلامية حديثة. وكان يمكن تطوير كوادرها وحفظ أرشيفها وإنشاء مراكز للتدريب والدراسات الإعلامية وتوسيع أدواتها لتشمل التلفزيون والصحافة والمنصات الرقمية. وكان يمكن، بصورة أكبر، توظيف هذه الخبرة لخدمة السلام وتعزيز فكرة الوحدة الجاذبة قبل أن تصل البلاد إلى الانفصال.

لكن هذا التحول لم يحدث بالصورة التي كان يمكن أن تحدث.
وهنا يجب أن تتحول المسألة من مجرد ذكرى إلى سؤال نقدي مفتوح أمام القيادات السياسية والإعلامية في الحركة آنذاك.
ماذا حدث لهذه الخبرة؟ أين ذهبت الكوادر؟ ماذا حدث للأرشيف؟
هل كانت هناك استراتيجية إعلامية واضحة لمرحلة ما بعد الحرب؟
هل انتقلت الحركة من عقلية إعلام المقاومة إلى عقلية إعلام الدولة والمجتمع؟ وهل طغت الحسابات السياسية والتنظيمية على الاستثمار في بناء مؤسسة إعلامية مستدامة؟
هذه أسئلة تستحق الإجابة، لا بهدف محاكمة الماضي وإنما لفهم أسباب ضياع فرصة كان يمكن أن تكون ذات أثر كبير.

إعلام الحرب ليس إعلام السلام، أحد أهم الدروس المستخلصة من التجربة أن إعلام الحرب لا يصلح بالضرورة لإدارة السلام.
في زمن الحرب، يحتاج الإعلام إلى التعبئة ورفع المعنويات والدفاع عن الموقف السياسي والعسكري. أما في زمن السلام، فالمهمة تصبح أكثر تعقيداً. يصبح المطلوب بناء الثقة وفتح الحوار واحترام الاختلاف ومواجهة خطاب الكراهية وشرح السياسات والاستماع إلى المواطن.

إعلام الحرب يقول للجمهور نحن في مواجهة مع الآخر. أما إعلام السلام فيجب أن يقول نحن نبني وطناً يتسع للجميع.
وهذا التحول يحتاج إلى عقلية جديدة ومؤسسات جديدة وكوادر قادرة على التعامل مع مجتمع خرج من حرب طويلة.

لماذا يعتبر هذا الدرس مهم السودان اليوم؟
لأن السودان لا يواجه بعد الحرب أزمة عسكرية فقط. هناك أزمة ثقة وأزمة رواية وأزمة صورة وأزمة علاقة بين المواطن والدولة.

ولهذا فإن بناء السلام لا يمكن أن يتوقف عند توقيع الاتفاقات أو تشكيل الحكومات.
فالسلام يحتاج إلى أن يتحول إلى فكرة يؤمن بها الناس وإلى واقع يلمسونه في حياتهم اليومية. وهنا يصبح الإعلام جزءاً من عملية بناء الدولة.

الحكومة التي تريد إقناع المواطن بأن المستقبل مختلف عن الماضي تحتاج إلى خطاب واضح، صادق، وبسيط. وتحتاج إلى أن تشرح للناس ماذا ستفعل وكيف ستعيد بناء المؤسسات وكيف ستتعامل مع العدالة وكيف ستوفر الخدمات وكيف ستضمن عدم العودة إلى الحرب.
فإذا لم تقدم الدولة روايتها بوضوح، فسوف تقدمها أطراف أخرى وقد تكون رواياتها أكثر تأثيراً.

القوة الناعمة لا تعني دعاية حكومية، وهنا ينبغي التفريق بين القوة الناعمة والدعاية. القوة الناعمة لا تعني أن تتحول وسائل الإعلام إلى أبواق للسلطة. بل تقوم على المصداقية والثقة والقدرة على الإقناع.
الإعلام الذي يخدم السلام يجب أن يسمح بالنقد ويستمع إلى المواطن ويستضيف المختلف ويناقش الأخطاء ويشرح السياسات. فالحكومة التي تريد إعلاماً يمدحها طوال الوقت قد تكسب مساحة في الإعلام، لكنها تخسر مساحة أكبر في المجتمع. أما الإعلام المهني، فهو الذي يجعل الدولة أكثر قدرة على الحوار مع مواطنيها.

ومن الراديو إلى العصر الرقمي، كان الراديو في ثمانينيات القرن الماضي هو الأداة الأساسية للوصول إلى الجمهور.
أما اليوم فقد تغيرت الوسائل. الهاتف المحمول والمنصات الرقمية والبودكاست والفيديو القصير والمنصات الإخبارية وشبكات التواصل الاجتماعي أصبحت ساحات جديدة للصراع على الوعي.
لكن القاعدة لم تتغير ومن يريد التأثير في الناس عليه أن يصل إليهم حيث يوجدون وباللغة التي يفهمونها وبالمحتوى الذي يلامس حياتهم.
وهذا يعني أن السودان يحتاج إلى استراتيجية إعلامية جديدة لا تكتفي بالبيانات الرسمية وإنما تنتج المعرفة وتشرح السياسات وتقدم الثقافة السودانية وتخاطب الشباب وتربط الداخل بالخارج.

السودان يمتلك قوة ناعمة هائلة، السودان ليس فقيراً في أدوات القوة الناعمة. لدينا ثقافة متنوعة وشعر وموسيقى وفنون وتراث ضخم ورياضيون ومبدعون وكتاب وأكاديميون وشباب في الداخل والمهجر. لكن هذه الموارد لا تتحول تلقائياً إلى قوة تأثير. القوة الناعمة تحتاج إلى رؤية ومؤسسات واستثمار. وتحتاج إلى أن تعرف الدولة كيف تقدم صورتها للعالم وكيف تستخدم الثقافة والتعليم والفن والإعلام والرياضة لبناء علاقة مختلفة مع المجتمع الدولي. وهنا يمكن للسودان أن ينتقل من دولة تُعرَف بالحرب والأزمات إلى دولة تُعرَف بثقافتها وشعبها وتنوعها وقدرتها على النهوض.

الدرس الذي يجب ألا يضيع هو إذا كانت تجربة إذاعة الجيش الشعبي قد أثبتت أن ميكروفوناً صغيراً يستطيع أن يصنع تأثيراً سياسياً كبيراً، فإن الدرس الأهم هو أن النجاح الإعلامي لا ينبغي أن ينتهي بانتهاء الظرف الذي صنعه. كان يمكن تحويل تجربة الإذاعة إلى مؤسسة. وكان يمكن تحويل خبرة كوادرها إلى مدرسة. وكان يمكن تحويل أرشيفها إلى ذاكرة وطنية. وكان يمكن تحويل خطاب الحرب إلى خطاب للسلام. لكن الفرصة لم تستثمر كما ينبغي.
وهذا يطرح درساً أوسع للسودان كله لماذا
نحن كثيراً ما ننجح في صناعة المبادرات، لكننا نفشل في تحويلها إلى مؤسسات مستدامة.
فتح الأرشيف هو بداية التصحيح، ربما آن الأوان لفتح ملف إذاعة الجيش الشعبي أمام الباحثين والإعلاميين. ليس بهدف تمجيدها أو إدانتها وإنما لتوثيقها. نحتاج إلى معرفة كيف تأسست ومن أدارها وأين كانت مراكز بثها وكيف كانت تُعد برامجها ومن هم مذيعوها وفنيوها وكيف كانت تتعامل مع الأخبار العسكرية والسياسية. ونحتاج كذلك إلى معرفة مصير تسجيلاتها وأرشيفها وكوادرها بعد السلام.
فالتاريخ لا يُكتب من الذاكرة وحدها.
والتجارب التي لا توثق تضيع والدروس التي لا تراجع تتكرر أخطاؤها.
الميكروفون الذي سبق الدولة، لم تكن إذاعة الجيش الشعبي مجرد صوت يأتي من أدغال بعيدة. كانت تعبيراً عن إدراك سياسي مبكر بأن البندقية تحتاج إلى رواية وأن الرواية تحتاج إلى إعلام وأن الإعلام يستطيع أن يصنع حضوراً يتجاوز حدود الميدان.
لكن التاريخ يضع أمامنا مفارقة واضحة الا وهو هل نجحت الحركة الشعبية في استخدام الإعلام لتوسيع نفوذها أثناء الحرب، لكنها لم تستثمر هذا الإرث بالقدر الكافي لبناء قوة ناعمة مستدامة بعد السلام. وهنا يكمن الدرس الذي ينبغي أن يستفيد منه السودان اليوم.
فالدولة لا تُبنى بالسلاح وحده ولا بالاتفاقات وحدها ولا بالبيانات الرسمية.
الدولة تُبنى عندما يلتقي الأمن بالعدالة والسياسة بالتنمية والإعلام بالمصداقية والسلطة بثقة المواطن.
لقد كان صوت الإذاعة يقول هنا إذاعة الجيش الشعبي لتحرير السودان.. صوت نضال الشعب السوداني المسلح.
أما السودان الذي يبحث اليوم عن طريق للخروج من الحرب فهو بحاجة إلى صوت جديد مثل هنا صوت السودان.. صوت السلام والحرية والمواطنة والعدالة وبناء الدولة.
ففي زمن الحرب قد تكون البندقية ضرورة لكن في زمن السلام تصبح الكلمة أكثر أهمية.
والذين يريدون بناء دولة جديدة عليهم أن يفهموا أن السيطرة على الأرض قد تنهي معركة، أما كسب وعي الإنسان وثقته فهو الذي يصنع وطناً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى