مقالات

السودان والاعلام القوة الناعمة التي لم يتعلم كيف يستخدمها

السودان والاعلام القوة الناعمة التي لم يتعلم كيف يستخدمها

مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م.عبد الله موسى أحمد – باحث

من صناعة الصورة إلى صناعة النفوذ.
لماذا نجح السودانيون عالميًا وعجز داخل السودان عن بناء صوته؟

عندما تصبح الصورة جزءًا من قوة الدولة
لم تعد الدول تخوض معاركها بالأسلحة وحدها. ففي عالم تتقدم فيه الصورة على الحدث والرواية على الحقيقة، أصبحت وسائل الإعلام والمنصات الرقمية جزءًا من معادلة القوة والنفوذ.
الدولة التي تستطيع أن تشرح نفسها للعالم وتقدم قصتها بصورة مقنعة وتحظى بثقة الآخرين، تمتلك نوعًا من القوة لا يظهر في موازين الجيوش والاقتصادات لكنه قد يؤثر في السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية.

إنها القوة الناعمة. وقد ارتبط المفهوم في صورته الحديثة بعالم السياسة الأمريكي جوزيف ناي، الذي رأى أن الدولة تستطيع تحقيق مصالحها من خلال الجذب والإقناع لا الإكراه وحده.
وفي هذه المعادلة يحتل الإعلام موقعًا مركزيًا، لأنه لا ينقل الأحداث فحسب، بل يشارك في تفسيرها وصناعة صورتها وتحديد الطريقة التي يراها بها الجمهور.
وهنا تظهر المفارقة السودانية.
السودان يملك عناصر قوة ناعمة كبيرة، لكنه لم يحسن تحويلها إلى قوة منظمة ومؤثرة.
السودان الذي يصنع الإعلام للآخرين، ربما لا توجد مفارقة أكثر وضوحًا من نجاح السودانيين في مؤسسات إعلامية كبرى، مقابل ضعف المؤسسات الإعلامية السودانية في الوصول إلى العالم.
من الأدب إلى الصحافة والإذاعة والتلفزيون، أثبت السودانيون أنهم يمتلكون قدرة استثنائية على الحضور عندما تتوفر لهم البيئة المهنية.
كان الطيب صالح نموذجًا مبكرًا لقدرة الصوت السوداني على تجاوز الحدود. فقد جعل من المكان السوداني والإنسان السوداني موضوعًا يصل إلى قارئ عالمي، وتحول أدبه إلى نافذة يرى من خلالها الآخرون جوانب من السودان ومجتمعه وثقافته.
وفي الإعلام الدولي ظهرت أسماء سودانية بارزة، من بينها أيوب صديق وزينب بدوي ولغمان واسماعيل طه وغيرهما من الإعلاميين الذين أثبتوا حضورًا مهنيًا في مؤسسات عالمية.
لكن هذه النجاحات تطرح سؤالًا لا يمكن تجاهله لماذا يستطيع السوداني أن ينجح داخل مؤسسة إعلامية عالمية، بينما يعجز السودان عن بناء مؤسسة إعلامية عالمية؟
المشكلة إذن ليست في المواهب.
فالمشكلة في المنظومة. حين يتحول الإعلام من مؤسسة إلى أداة.
عانى الإعلام السوداني طويلًا من التدخل السياسي والاستقطاب.
وفي مراحل مختلفة، تعاملت السلطة مع وسائل الإعلام باعتبارها أدوات لتوجيه الرأي العام، لا مؤسسات مستقلة لبناء الوعي وخدمة المجتمع. وهذا يضر بالدولة نفسها.
فالإعلام الذي يفقد ثقة جمهوره يفقد قدرته على التأثير، والإعلام الذي ينظر إليه العالم باعتباره لسانًا سياسيًا لن يستطيع أن يتحول إلى مصدر موثوق للمعلومات.
القوة الناعمة لا تُبنى بالتوجيهات الرسمية.
ولا يمكن صناعة الثقة بالأوامر. إن الإعلام الوطني الذي يحتاجه السودان ليس إعلامًا حكوميًا وإنما إعلام مهني مستقل يضع الحقيقة والمصلحة العامة وحق المواطن في المعرفة فوق الاستقطاب السياسي.

الحرب كشفت أزمة الرواية، أظهرت الحرب السودانية بوضوح أن المعركة لا تدور على الأرض وحدها، وإنما في الفضاء الإعلامي أيضًا. كل طرف يسعى إلى تقديم روايته وكل صورة يمكن أن تصبح أداة للتأثير وكل مقطع فيديو قد ينتشر في دقائق خارج الحدود. لكن امتلاك الصور لا يعني امتلاك الرواية. الرواية تحتاج إلى مؤسسات قادرة على التحقق والتحليل والتفسير والترجمة والإنتاج السريع.
وهنا واجه السودان مشكلة كبيرة هو غياب منصة وطنية مهنية ومستقلة تستطيع تقديم المعلومات الموثوقة إلى العالم بلغات متعددة.
فأصبح الآخرون يفسرون السودان ويختارون الصور التي يرونها ويحددون القضايا التي يتحدث عنها العالم. وهذه ليست مجرد مشكلة إعلامية.إنها مشكلة سيادة على الرواية.
فالدولة التي لا تستطيع أن تقدم قصتها للعالم تترك الآخرين يكتبون قصتها نيابة عنها.

السودان لا يحتاج إلى دعاية، القوة الناعمة ليست دعاية. الدعاية تقول نحن الأفضل.
أما القوة الناعمة الحقيقية فتجعل الآخرين يرون بأنفسهم ما يستحق الإعجاب والثقة.
والسودان لديه ما يكفي لبناء هذه القوة.
لديه حضاراته القديمة والنيل والتنوع الثقافي والموسيقى والشعر والفنون والفروسية والرياضة والمطبخ والأزياء والتقاليد الاجتماعية والجامعات والعلماء والمبدعون والقصص الإنسانية.
لكن هذه الثروة الثقافية ما زالت موزعة بين مبادرات فردية ومواهب متناثرة ولم تتحول إلى صناعة متكاملة. وهنا تكمن الخسارة.
في الماضي، كان الوصول إلى الجمهور العالمي يحتاج إلى مؤسسة نشر أو قناة دولية أو شبكة إعلامية كبرى. أما اليوم، فقد أصبح الهاتف المحمول منصة عالمية.
لم تعد المشكلة في القدرة على الوصول إلى العالم. المشكلة في المحتوى الذي نقدمه له. وهذا يضع السودان أمام فرصة تاريخية. يمكن لشاب سوداني يمتلك هاتفًا واتصالًا بالإنترنت أن يقدم قصة سودانية إلى ملايين الناس في أنحاء العالم. لكن الوصول وحده لا يكفي. فالعالم الرقمي شديد التنافس، والخوارزميات تحدد بدرجة كبيرة ما يصل إلى الجمهور والمحتوى الأكثر انتشارًا ليس بالضرورة الأكثر صدقًا.
لذلك يحتاج السودان إلى إعلام رقمي محترف يجمع بين القصة الجذابة والمعلومة الدقيقة واللغة الحديثة.


يمنح الذكاء الاصطناعي السودان فرصة كبيرة لبناء إعلام يصل إلى العالم بتكاليف أقل. يمكن استخدامه في الترجمة وإنتاج المحتوى وتحليل الجمهور ورصد الاتجاهات وفحص المعلومات وتطوير المواد الوثائقية والبصرية. لكن التكنولوجيا نفسها يمكن أن تستخدم في الاتجاه المعاكس، من خلال التزييف العميق والمعلومات المضللة والصور المصطنعة والحسابات الوهمية.
ولهذا فإن السودان يحتاج إلى الاستثمار في التحقق الرقمي ومحو الأمية الإعلامية والذكاء الاصطناعي بقدر حاجته إلى إنتاج المحتوى.
الكفاءات السودانية في الخارج هىقوة تنتظر التنظيم، في مختلف دول العالم توجد كفاءات سودانية تعمل في الإعلام والصحافة والإنتاج والاتصال والعلاقات العامة. هذه الخبرات تمثل ثروة وطنية حقيقية. لكن السودان لم ينجح حتى الآن في تحويل هذا الانتشار إلى شبكة مؤثرة.


لماذا لا تكون هناك شبكة عالمية للإعلاميين السودانيين؟
لماذا لا يتم إنشاء منصة تربط الخبرات السودانية في الخارج بالمؤسسات والجامعات والمبادرات الإعلامية في الداخل؟
ولماذا لا تستخدم هذه الخبرات في تدريب جيل جديد من الإعلاميين؟
القضية ليست إعادة الجميع إلى السودان وإنما ربطهم بمشروع سوداني مشترك.
القوة الناعمة تبدأ من الداخل، لن يستطيع السودان بناء صورة إيجابية في الخارج إذا كان خطابه الداخلي مليئًا بالكراهية والجهوية والعنصرية والتحريض. القوة الناعمة تبدأ من طريقة تعامل المجتمع مع نفسه. كلما احترم السودانيون تنوعهم وأداروا خلافاتهم بصورة أكثر عقلانية ورفضوا خطاب الكراهية، أصبح السودان أكثر قدرة على تقديم صورة جذابة للعالم.
فالصورة الخارجية لأي دولة تبدأ من واقعها الداخلي.

ما الذي ينبغي فعله؟، يحتاج السودان إلى الانتقال من إعلام رد الفعل إلى إعلام المبادرة. وهذا يتطلب مشروعًا وطنيًا للقوة الناعمة، يقوم على عدة ركائز:
أولًا بناء مؤسسات إعلامية مهنية ومستقلة قادرة على مخاطبة الداخل والخارج.
ثانيًا إنشاء منصة إعلامية سودانية متعددة اللغات تجمع الأخبار والتحليل والوثائقيات والمحتوى الثقافي والاقتصادي.
ثالثًا إنشاء مراكز متخصصة في التحقق من المعلومات ومواجهة التضليل الرقمي.
رابعًا ربط الإعلام بالجامعات ومراكز البحث لإنتاج معرفة موثوقة عن السودان.


خامسًا الاستثمار في السينما والوثائقيات والموسيقى والفنون والرياضة باعتبارها أدوات للقوة الناعمة.
سادسًا بناء شبكة عالمية للكفاءات السودانية في الإعلام والثقافة والبحث العلمي.
سابعًا استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية للوصول إلى الجمهور العالمي بلغاته المختلفة.
والأهم من ذلك كله هو ضمان استقلال هذه المنظومة عن الاستقطاب الحزبي والعسكري.

بعد الحرب السودان بحاجة إلى إعادة تقديم نفسه، عندما تتوقف الحرب لن تكون إعادة الإعمار مادية فقط. ستكون هناك حاجة إلى إعادة بناء صورة السودان في الوعي العالمي.
فالسودان الذي ظهر للعالم خلال سنوات الحرب باعتباره بلدًا للدمار والنزوح والعنف يحتاج إلى أن يقدم نفسه من جديد باعتباره بلد الحضارة والثقافة والموارد والإنسان والمستقبل.
وهذه المهمة لا تبدأ بعد انتهاء الحرب.


بل تبدأ الآن. فكل صورة تنتج اليوم وكل فيلم وثائقي وكل قصة إنسانية وكل مادة صحفية موثوقة يمكن أن تكون جزءًا من الصورة التي سيحملها العالم عن السودان غدًا.
امتلاك الصوت قبل امتلاك المنصة، لا يحتاج السودان إلى اختراع قوة ناعمة من الصفر. إنها موجودة بالفعل. موجودة في الإنسان السوداني وفي الثقافة والفنون والأدب والموسيقى والتاريخ والرياضة والجامعات وفي ملايين السودانيين المنتشرين حول العالم.
المشكلة أن هذه القوة تعمل بصورة فردية ومبعثرة، بينما تحتاج الدولة الحديثة إلى تحويل العناصر المتفرقة إلى منظومة متكاملة.


لقد أثبت الطيب صالح أن قلمًا سودانيًا يستطيع أن يجعل قصة محلية تصل إلى العالم وأثبت إعلاميون سودانيون أن الكفاءة السودانية تستطيع الوصول إلى أكبر المؤسسات الدولية.
فالسؤال لم يعد هل يملك السودان المواهب؟ لقد أثبت الواقع أنه يملكها.
السؤال الحقيقي هو هل يستطيع السودان أن يحول هذه المواهب إلى مؤسسة والثقافة إلى صناعة والإعلام إلى استراتيجية والرواية إلى نفوذ؟
في عالم لا تكفي فيه الحقيقة إذا لم تصل ولا يكفي الحق إذا لم يجد من يرويه فإن امتلاك الصوت أصبح جزءًا من امتلاك القوة.


والسودان لا يحتاج إلى أن يتحدث العالم عنه أكثر. إنه يحتاج إلى أن يتحدث هو عن نفسه بصورة أفضل.
فالقوة ليست دائمًا في السلاح الذي يحمي الحدود، قد تكون في الكلمة التي تحمي الصورة والفكرة التي تصنع المستقبل والقصة التي تكسب التعاطف والمنصة التي تجعل العالم يسمعك.


السودان يملك القصة ويملك الإنسان ويملك الأدوات. ما ينقصه هو أن يعرف كيف يجمعها في قوة ناعمة تصنع النفوذ وتحمي الرواية وتعيد تقديم السودان للعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى