أزمة الهوية السودانية بين البحث عن اعتراف الآخر وبناء دولة المواطنة،،،

السودان لا يحتاج إلى إثبات عروبته ولا أفريقيته،،،
أزمة الهوية السودانية بين البحث عن اعتراف الآخر وبناء دولة المواطنة،،،
مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م. عبد الله موسى أحمد – باحث
هناك أسئلة تبدو بسيطة لكنها تصبح شديدة التعقيد عندما تتصل بالهوية بمن نحن؟ وهل نحن عرب أم أفارقة؟ وهل السوداني الذي يتحدث العربية هو عربي بالضرورة؟ وهل الانتماء إلى أفريقيا يتعارض مع العروبة؟ وهل لون البشرة يمكن أن يكون معياراً للهوية؟
هذه الأسئلة أعاد إلى الواجهة من خلال نص لكاتب خليجي بعنوان عروبة الزول، حاول فيه تفسير بعض سلوكيات السودانيين في المجتمعات العربية باعتبارها نوعاً من السلوك التعويضي الناتج عن عدم التصالح مع اللون الأسود والمكوّن الأفريقي.
النص يلتقط بعض الظواهر الاجتماعية التي تستحق النقاش لكنه يخطئ حين يحول ملاحظات جزئية إلى حكم شامل على شخصية ملايين السودانيين ويقدم تفسيراً نفسياً واحداً لظاهرة معقدة لها جذور تاريخية واجتماعية وسياسية.
ومع ذلك، فإن النص يطرح سؤالاً مهماً الا هو لماذا يشعر بعض السودانيين بالحاجة إلى شرح أنفسهم وإثبات أصولهم وانتماءاتهم للآخر؟ ولماذا أصبح سؤال هل أنت عربي أم أفريقي؟ أكثر حضوراً من السؤال الأهم من أنت بوصفك سودانياً؟
أكبر خطأ في تناول الهوية السودانية هو النظر إلى العرب والأفارقة باعتبارهما مجموعتين عرقيتين صافيتين لا تداخل بينهما.
السودان بلد أفريقي جغرافياً وتاريخياً والعربية جزء أساسي من لغته وثقافته لكنه في الوقت نفسه يضم شعوباً ولغات وثقافات متعددة من النوبة والبجا إلى دارفور وكردفان والشرق والوسط والنيل الأزرق.
هذه العناصر لم تتشكل منفصلة بل تفاعلت عبر قرون من الهجرة والتجارة والزواج والتصوف والحركة البشرية بين وادي النيل والبحر الأحمر والساحل والقرن الأفريقي. لذلك فالسؤال الصحيح ليس هو هل السودان عربي أم أفريقي؟
لكن اصح هو كيف تشكلت الهوية السودانية من هذا التفاعل وكيف يمكن تحويل هذا التنوع إلى مصدر قوة للدولة بدلاً من أن يكون سبباً للصراع؟
فالهوية ليست لوناً أو نسباً أو لغة أو ديناً أو قبيلة منفردة وإنما حصيلة تاريخ طويل من التجارب والانتماءات.
فرانسيس دينق وصراع رؤى السودان،
قدم الدكتور فرانسيس دينق إسهاماً مهماً في فهم هذه الأزمة، خصوصاً في كتابه War of Visions: Conflict of Identities in the Sudan، حيث تناول الهوية السودانية بوصفها صراعاً بين رؤى مختلفة لمعنى السودان، تشكلت من تفاعل العرق والثقافة والدين واللغة والسياسة.
المشكلة ليست في وجود التعدد وإنما في الطريقة التي جرى بها التعامل معه.
فعندما تصبح هوية معينة معياراً للانتماء الكامل للدولة تتحول الهويات الأخرى إلى درجات أدنى. وهنا تنتقل الهوية من كونها انتماءً ثقافياً إلى أداة للسلطة والإقصاء.
ومن ثم فإن المشكلة ليست أن يكون السوداني عربياً أو أفريقياً وإنما أن تتحول العروبة أو الأفريقية إلى معيار للتفوق أو الانتقاص.
العروبة ليست امتيازاً سياسياً، والأفريقية ليست تهمة، وكلاهما لا ينبغي أن يكون معياراً للمواطنة.
في مشروع الدكتور جون قرنق دي مابيور، وخصوصاً مفهوم السودان الجديد نجد محاولة للخروج من هذه الثنائية. لم يكن السودان الجديد مشروعاً لاستبدال العروبة بالأفريقية، بل محاولة لبناء دولة تقوم على المواطنة والمساواة والاعتراف بالتنوع.
فإذا كان السوداني يحتاج إلى إثبات عروبته حتى يحصل على قبول الآخر، فإنه يصبح أسيراً لنظرة الآخر إليه. وإذا احتاج إلى إثبات أفريقيته لرفض العروبة فإنه يبقى داخل الثنائية نفسها.
أما أن يقول أنا سوداني وفي هويتي عناصر عربية وأفريقية ونوبية وإسلامية ومسيحية ومحلية ولا أحتاج إلى إلغاء جزء من نفسي حتى أكون مقبولاً، فهذه هي بداية الوطنية الحديثة.
السودان الجديد بهذا المعنى ليس سوداناً بلا عرب ولا بلا أفارقة وإنما سودان لا تكون فيه الهوية سبباً للامتياز أو الإقصاء.
ينقلنا الدكتور الباقر العفيف إلى سؤال أكثر عمقاً هو ماذا يحدث عندما تجعل الدولة هوية معينة معياراً للمواطنة والسلطة والموارد؟
فالاختلاف ليس المشكلة، المشكلة تبدأ عندما يصبح الاختلاف أساساً للتمييز.
عندما يقال لمواطن إن ثقافته أقل قيمة أو لغته أقل شأناً أو منطقته أقل أهمية أو بشرته أقل قبولاً، تتحول الهوية إلى وسيلة لإنتاج المركز والهامش. ومن هنا لا يمكن فصل أزمة الهوية عن أزمة الدولة السودانية. من يحدد الثقافة الرسمية؟ من يوزع السلطة والثروة؟ من يحتكر المركز؟ ومن يُدفع إلى الهامش؟ عندما ترتبط الإجابة عن هذه الأسئلة بانتماءات إثنية أو ثقافية، يصبح الصراع على الهوية في حقيقته صراعاً على الدولة.
وتشير إسهامات الدكتور أحمد الطيب زين العابدين في قضايا الدولة والمجتمع إلى أهمية النظر إلى أزمة الهوية في سياق بناء الدولة السودانية ومؤسساتها.
فالهوية لا تعيش في فراغ. وحين تضعف الدولة وتغيب العدالة تبحث الجماعات عن حماية وانتماء في القبيلة أو المنطقة أو الإثنية. لذلك فإن الهوية الوطنية الجامعة لا تُبنى بالشعارات وإنما بدولة عادلة ومؤسسات محايدة وتنمية متوازنة وتعليم يعترف بالتنوع ونظام سياسي يجعل المواطنة أساس الحقوق والواجبات.
اللون ليس معياراً للقيمة ،اللون الأسود ليس عيباً ولا وصمة ولا يحتاج الإنسان الأسود إلى شهادة قبول من الآخرين.
لكن لا يمكن أيضاً تجاهل أن التاريخ العالمي حمل اللون الأسود معاني عنصرية قاسية وأن المجتمع السوداني نفسه عرف صوراً من التمييز اللوني وتفضيل البشرة الفاتحة.
لذلك فإن حساسية بعض السودانيين تجاه اللون لا ينبغي اختزالها في عقدة نفسية جماعية. فقد تكون وراءها تجارب اجتماعية حقيقية من التنمر والتمييز والمقارنة.
فالعلاج ليس السخرية من هذه الحساسية وإنما بناء مجتمع يرى اختلاف الألوان جزءاً طبيعياً من التنوع الإنساني. كما أن اللون لا يمكن أن يكون معياراً للهوية. الأفريقية ليست لوناً، كما أن العروبة ليست لوناً.
العروبة السودانية ليست وهماً في المقابل، يجب ألا يتحول نقد التعصب للعروبة إلى إنكار العروبة السودانية. فالعروبة في السودان قد تكون لغة وثقافة وتاريخاً ونسباً وانتماءً حضارياً وقد تجتمع هذه العناصر في شخص واحد.
المطلوب هو التمييز بين العروبة باعتبارها انتماءً ثقافياً وتاريخياً وبين استخدامها معياراً للتفوق السياسي أو العرقي.
أن يعتز السوداني بعروبته ليس مشكلة؛ المشكلة أن يجعلها معياراً لتقييم الآخرين.
وكذلك فإن افتخار السوداني بلهجته أو لغته أمر طبيعي، لكنه لا يحتاج إلى تحويل المفردات السودانية أو قربها من الفصحى إلى شهادة لإثبات الأصالة.
فاللغة جزء من الهوية وليست الهوية كلها ومن يتحدث النوبية أو البجاوية أو إحدى لغات السودان لا يصبح أقل سودانية.
الإسلام ليس عِرقاً، الإسلام جزء عميق من تاريخ السودان وثقافته، لكنه ليس عرقاً عربياً. المسلم يمكن أن يكون عربياً أو أفريقياً أو آسيوياً أو أوروبياً، كما أن العرب ليسوا جميعاً مسلمين. لذلك فإن تدين السوداني لا يحتاج إلى تفسير باعتباره محاولة للذوبان في المجتمع العربي.
المشكلة ليست في الدين وإنما في استخدام الدين أو النسب أو اللون أو العروبة للحصول على مكانة أعلى من الآخرين.
الفخر بالوطن ليس دليلاً على عقدة نقص
قد يتحدث السوداني عن تاريخ بلاده أو عن أم كلثوم وزيارتها للخرطوم أو عن مؤتمر القمة العربي عام 1967 أو عن الشعراء والجامعات السودانية.
ليس في ذلك بالضرورة شعور بالدونية؛ فقد يكون مجرد اعتزاز بالوطن.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الفخر إلى طلب للاعتراف.
هناك فرق بين أن تقول بلدي له تاريخ وإنجازات وبين أن تقول بلدي له تاريخ وإنجازات ولذلك لا يجوز أن تعتبرونا أقل منكم.
في الحالة الثانية يصبح الآخر هو صاحب المعيار. من أنا عربي وأنا أفريقي إلى أنا سوداني وآن الأوان للانتقال من سؤال الهوية إلى سؤال الدولة.
يمكن للسوداني أن يكون عربياً وأفريقياً في الوقت نفسه ومسلماً أو مسيحياً ونوبياً أو بجاوياً أو فورياً أو زغاوياً أو مساليتياً أو من أي مكوّن آخر. لكن الدولة يجب أن تكون سودانية. القانون يجب أن يحمي الجميع والسلطة حق للمواطن لا غنيمة لجماعة والوظيفة العامة ينبغي أن تقوم على الكفاءة والمواطنة والتنمية يجب أن تشمل المركز والهامش. عندها يصبح التنوع مصدر قوة لا وقوداً للصراع.
أزمة الهوية في جوهرها أزمة دولة، إذا أردنا فهم أزمة الهوية السودانية بجدية، فلا ينبغي أن نتوقف عند سلوك سوداني في مطار أو مجلس عربي.
علينا أن ننظر إلى تاريخ الدولة نفسها.
فمنذ الاستقلال لم تنجح البلاد في بناء عقد اجتماعي مستقر يضمن توزيع السلطة والثروة والفرص والاعتراف الثقافي بصورة عادلة.
ولهذا ارتبطت الهوية بالسلطة وأصبح السؤال عن من هو السوداني الحقيقي؟ مرتبطاً أحياناً بمن يملك المركز ومن يحدد الثقافة الرسمية ومن يحصل على الموارد.
ومن هنا فإن بناء السودان بعد الحرب يحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يقوم على أربعة أسس وهى المواطنة المتساوية والاعتراف بالتنوع والعدالة ودولة المؤسسات.
السودان لا يحتاج إلى شهادة من أحد
النص الخليجي أخطأ حين حاول اختزال السوداني في شخصية نفسية واحدة، لكنه أثار قضية تستحق النقاش فى حاجة بعض السودانيين إلى انتزاع الاعتراف من الآخر.
غير أن علاج ذلك ليس السخرية من لون السوداني أو نسبه أو عروبته، وإنما بناء إنسان واثق من ذاته ووطنه.
لست مطالباً بإثبات إنسانيتك من خلال لونك ولا سودانيتك من خلال نسبك ولا قيمتك من خلال قربك من العرب ولا أفريقيتك من خلال رفض العروبة.
كن سودانياً أولاً، لا بمعنى إلغاء انتماءاتك الأخرى وإنما بمعنى أن السودان هو الإطار الذي تتساوى داخله هذه الانتماءات.
لقد كشف فرانسيس دينق تعقيد الهوية السودانية بوصفها صراع رؤى وقدم جون قرنق تصور السودان الجديد باعتباره مشروعاً للمواطنة والمساواة ونبّه الباقر العفيف إلى علاقة الهوية بالسلطة والإقصاء بينما تربط إسهامات أحمد الطيب زين العابدين أزمة الهوية بقضية بناء الدولة والمجتمع والمؤسسات.
وتلتقي هذه الرؤية مع جوهر الفكر الأفريقي الحديث الذي يؤكد أن استعادة الإنسان لكرامته تبدأ من امتلاك روايته عن نفسه، لا من الصورة التي يصنعها الآخر عنه.
لذلك لا يحتاج السودان إلى سودانيين أكثر عروبة أو أكثر أفريقية، بل إلى سودانيين أكثر ثقة بأنفسهم وأكثر تصالحاً مع تعددهم وأكثر إيماناً بأن المواطنة أكبر من القبيلة والإنسان أكبر من اللون والوطن أكبر من النسب والدولة العادلة أهم من كل شعارات الهوية.
السودان ليس مشروعاً لإثبات العروبة أمام العرب ولا لإثبات الأفريقية أمام الأفارقة، السودان مشروع وطن.
وعندما يعرف السوداني قيمة نفسه ووطنه، لن يحتاج إلى فتح شجرة نسبه عند بوابة أي مطار ولن يحتاج إلى أن يثبت لأحد أنه ليس أقل من غيره.
فمن يعرف من هو لا يحتاج إلى إذن من أحد كي يكون نفسه.



