استراحة الجمعة : إبراهيم حسين صوت كسلا الذي صنع مجده بالإرادة وأعاد رسم ملامح الأغنية السودانية

استراحة الجمعة
إبراهيم حسين صوت كسلا الذي صنع مجده بالإرادة وأعاد رسم ملامح الأغنية السودانية
مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م.عبدالله موسى احمد
في تاريخ الأغنية السودانية أسماء كثيرة صنعت المجد، لكن قلة منها شقت طريقها من الصفر، كما فعل الفنان إبراهيم حسين. لم يكن ابن مدارس نظامية ولم ينحدر من أسرة موسيقية كبيرة ولم يعتمد على واسطة أو نفوذ وإنما بنى مشروعه الفني بالصبر والاجتهاد والثقيف الذاتي والإيمان بموهبته. خرج من مدينة كسلا المدينة الوريفا التي تمتزج فيها الطبيعة بالجمال والوجدان، حاملاً صوتاً مختلفاً وأسلوباً خاصاً في التلحين والغناء، حتى أصبح أحد أبرز أعمدة الأغنية السودانية الحديثة وصاحب مدرسة غنائية جمعت بين الطرب الأصيل وروح التجديد فاستحق أن يحتل مكانة رفيعة بين كبار الفنانين السودانيين.
من غرب القاش بداية الحكاية، ولد إبراهيم حسين في الأول من يناير عام 1941 بحي غرب القاش بمدينة كسلا وسط بيئة ريفية بسيطة يعتمد أهلها على الزراعة المطرية. كانت تلك البيئة غنية بالقيم الاجتماعية والتكافل، وأسهمت في تشكيل شخصيته الإنسانية والفنية.
لم يدخل مدرسة نظامية، بل تلقى تعليمه في الخلوة، حيث حفظ القرآن الكريم وتعلم القراءة والكتابة على الألواح الخشبية. ومنذ صغره أدرك قيمة العمل، وتأثر بالمقولة الشعبية “صنعة في اليد أمان من الفقر”، فاختار تعلم مهنة الخياطة ليعمل سنوات طويلة حائكاً قبل أن يعرفه الناس مطرباً وملحناً.
من ماكينة الخياطة إلى أوتار العود، لم تكن الخياطة سوى محطة مؤقتة في حياته، إذ بدأت موهبته الفنية تظهر مبكراً. انجذب إلى الغناء وشعر أن مستقبله الحقيقي يكمن في الموسيقى. سافر إلى الخرطوم باحثاً عن فرصة ثم عاد إلى كسلا حيث تعلم العزف على آلة العود على يد محمد علي شيبة أحد أبرز عازفي المدينة آنذاك. كان تعلقه بآلة العود كبيراً حتى إنه كان يخشى أن يكتشف والده، المعروف بانتمائه للطريقة التجانية ممارسته للغناء، خوفاً من رفض الأسرة لهذا الطريق الفني. لكن والدته لعبت دوراً حاسماً إذ وقفت إلى جانبه وأوصته بوصية ظلت ترافقه طوال حياته وأن يبتعد عن الخمر ويحافظ على أخلاق الفنان.
الثقافة هى المدرسة التي صنعها بنفسه، ربما لم يدخل إبراهيم حسين الجامعة في شبابه لكنه صنع جامعته الخاصة. انضم إلى معهد الدراسات الإضافية بجامعة الخرطوم ودرس اللغة الإنجليزية بين عامي 1967 و1970، لكنه قبل ذلك وبعده كان يقرأ بنهم. قرأ لطه حسين والعقاد وسلامة موسى واطلع على الأدب والفلسفة والصحف والمجلات وكانت جلساته مع المثقفين في دكانه مدرسة فكرية حقيقية صقلت شخصيته وفسرت فصاحته وقدرته على التعبير. لقد أثبت أن الثقافة لا ترتبط بالشهادات وإنما بالرغبة في التعلم المستمر.
كسلا تكتشف نجمها الأول، مع مرور الوقت أصبح إبراهيم حسين أشهر أصوات كسلا. شارك في التصفيات المؤهلة للمهرجان الغنائي الذي نظمته الدولة واستطاع التفوق على مجموعة كبيرة من الفنانين المعروفين آنذاك ليصبح ممثل شرق السودان في الخرطوم. دخل المنافسة بأغنيتي يا قلبي توب وحكاية ولفت الأنظار بصوته المختلف وأدائه الهادئ الواثق لتبدأ رحلة الشهرة الحقيقية.
الإذاعة هى نقطة التحول الكبرى، لم يكن الوصول إلى الإذاعة السودانية أمراً سهلاً.
مثل أمام لجنة ضمت كبار الموسيقيين وفي مقدمتهم برعي دفع الله والعاقب محمد حسن وبشير عباس. وبعد الاختبار جاء القرار المنتظر الا هو إجازة صوته. وصفت اللجنة صوته بأنه جديد، يمتلك ذبذبات قوية وصالح للغناء الإذاعي بينما نصحه بشير عباس قائلاً إن النجاح الحقيقي يبدأ بعد الإجازة لأن المنافسة في الساحة الفنية أصعب من الوصول إليها. كانت تلك الشهادة بداية مرحلة جديدة، أصبح فيها إبراهيم حسين واحداً من أبرز نجوم الإذاعة السودانية.
ملحن لا يكرر نفسه، لم يكن إبراهيم حسين مجرد مطرب يؤدي ألحان الآخرين بل كان مشروعاً موسيقياً متكاملاً. امتلك حساً تلحينياً متقدماً وحرص على تطوير الأغنية السودانية خصوصاً في منتصف سبعينيات القرن الماضي. في أغنية “ما باين” خرج من الإطار التقليدي للمقام الخماسي وأدخل الصوت السادس في بناء اللحن، وهي خطوة اعتبرها الموسيقيون آنذاك مغامرة جريئة. كما واصل تجاربه في أعمال أخرى مثل الياسمين مؤكداً أن الأغنية السودانية قادرة على التطور دون أن تفقد هويتها.
سر التطريب في صوت إبراهيم حسين
يمتلك واحداً من أكثر الأصوات دفئاً في تاريخ الغناء السوداني. لا يعتمد على القوة أو الاستعراض وإنما على الإحساس العميق ونقاء الأداء والقدرة على توصيل المعنى.
حين يغني يشعر المستمع أن الكلمات تخرج من القلب قبل الحنجرة ولذلك بقيت أغانيه حاضرة في الوجدان عبر الأجيال. ومن أشهر أعماله ساعة الغروب، ما باين، نجمة نجمة وإلى هاجرة وعشناك ويا حبيبي لا عليك وخلاص يا قلبي ورحلتو بعيد ولما الريد يفوت حدو وهذه الأغنيات لم تحقق نجاحاً جماهيرياً فحسب، بل أصبحت جزءاً من ذاكرة الغناء السوداني.
عثمان حسين ووردي أثيروا علية دون التقليد واعترف إبراهيم حسين بأن أكثر من أثر فيه كان الفنانان عثمان حسين ومحمد وردي. أعجب بعثمان حسين في حسن اختياره للنصوص الشعرية ورقي ألحانه كما تأثر بتطور محمد وردي المستمر وجرأته في التجديد. غير أن هذا التأثر لم يتحول إلى تقليد، إذ نجح إبراهيم حسين في بناء شخصيته الفنية المستقلة حتى أصبح صوته معروفاً منذ الجملة الأولى لأي أغنية.
الإنسان قبل الفنان، من أجمل صفحات حياته اهتمامه بأسرته. ورغم أنه لم ينل تعليماً جامعياً، فإنه حرص على تعليم أبنائه جميعاً حتى تخرجوا في الجامعات، مؤمناً بأن العلم هو أفضل استثمار يمكن أن يقدمه الأب لأبنائه. كما ظل طوال حياته وفياً لوالدته، يرسل لها جزءاً من دخله باستمرار وهو موقف يكشف عمق قيمه الإنسانية.
علاقاته بالمبدعين، عرف إبراهيم حسين بعلاقاته الطيبة مع زملائه. ربطته صداقة قوية بصالح الضي والطيب عبد الله وعبد الرحمن عبد الله، وخليل إسماعيل كما نال احترام كبار الموسيقيين مثل برعي دفع الله، وبشير عباس وعبد الله عربي وعلي ميرغني. وقد أجمع كثير من الفنانين والنقاد على أنه صاحب شخصية متواضعة، بعيدة عن الصراعات وقريبة من الناس.
الفن والسياسة، اختار إبراهيم حسين أن يبقى بعيداً عن العمل السياسي المباشر.
كان يرى أن رسالة الفنان هي صناعة الجمال، لا الدخول في الاستقطاب الحزبي، ولذلك لم يعرف عنه الانحياز السياسي وابتعد حتى عن تلحين النصوص التي تحمل مضامين سياسية واضحة. هذا الموقف ساعده في الحفاظ على جماهيريته الواسعة لدى مختلف فئات المجتمع السوداني.
قراءة موسيقية في تجربته، من الناحية الفنية، يمكن اعتبار إبراهيم حسين أحد أبرز المجددين في الأغنية السودانية.
تميزت ألحانه بعدة خصائص منها
المحافظة على روح السلم الخماسي السوداني مع توسيع آفاقه المقامية.
بناء مقدمات موسيقية طويلة ومتقنة.
الاعتماد على الحوار بين الغناء والفرقة الموسيقية. الاهتمام باللازمات الموسيقية التي أصبحت جزءاً من هوية الأغنية.
العناية الفائقة بالنصوص الشعرية. المزج بين البساطة والعمق في البناء اللحني.
ولهذا بقيت أعماله قابلة للاستماع بعد مرور عقود دون أن تفقد بريقها.
إرث لا يغيب، يمثل إبراهيم حسين حلقة مهمة في تطور الأغنية السودانية الحديثة.
فقد حافظ على أصالة المدرسة الكلاسيكية وفي الوقت نفسه فتح الباب أمام التجريب والتطوير وأسهم في ترسيخ مكانة مدينة كسلا باعتبارها إحدى أهم الحواضن الفنية في السودان. ولا تزال أعماله تُردد في الإذاعات والحفلات والمناسبات الاجتماعيةة شاهدة على قيمة فنان استطاع أن يحول الموهبة إلى مشروع فني خالد.
إن سيرة إبراهيم حسين ليست مجرد قصة نجاح فنان كبير بل هي قصة إنسان آمن بأن الموهبة وحدها لا تكفي وأن الثقافة والاجتهاد والانضباط هي الطريق الحقيقي إلى المجد. خرج من حي بسيط في غرب القاش وعمل خياطاً ثم أصبح واحداً من أهم الأصوات التي عرفتها الأغنية السودانية، بفضل صوته الشجي وألحانه المبتكرة وذائقته الشعرية الرفيعة.
وسيظل إبراهيم حسين أحد أعمدة الفن السوداني وصوتاً لا يشيخ ومدرسةً موسيقيةً ألهمت أجيالاً من المطربين والملحنين، مؤكداً أن الإبداع الصادق هو وحده القادر على عبور الزمن والبقاء في ذاكرة الشعوب.




