هل يقود مشروع “فيفا فوروورد إنتربرايز” كرة القدم نحو مستقبل أكثر ازدهاراً… أم نحو أكبر أزمة في تاريخ اللعبة؟

عاصفة في وجه فيفا (1-1)
هل يقود مشروع “فيفا فوروورد إنتربرايز” كرة القدم نحو مستقبل أكثر ازدهاراً… أم نحو أكبر أزمة في تاريخ اللعبة؟
مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م. عبد الله موسى أحمد – باحث
لطالما كانت كرة القدم أكثر من مجرد لعبة. فهي صناعة عالمية تُدر مليارات الدولارات وتستقطب مليارات المشجعين وتمتد تأثيراتها إلى الاقتصاد والسياسة والثقافة في مختلف أنحاء العالم. ومع اتساع حجم الاستثمارات تتزايد التساؤلات حول من يملك اللعبة ومن يحدد مسار مستقبلها.
وقد عاد هذا الجدل إلى الواجهة بقوة عقب إعلان الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) عن مشروع إنشاء شركة “فيفا فوروورد إنتربرايز” وهي خطوة يرى مؤيدوها أنها ستفتح آفاقاً جديدة لتمويل تطوير كرة القدم وبينما يعتبرها معارضوها بداية لتحويل اللعبة الأكثر شعبية في العالم إلى مشروع استثماري تحكمه اعتبارات رأس المال.
مشروع يثير الجدل، يقوم المشروع على تأسيس شركة تتولى إدارة واستثمار الحقوق التجارية لبطولات فيفا وفي مقدمتها كأس العالم مع إتاحة المجال لدخول مستثمرين عالميين كشركاء في هذه الكيان.
وتؤكد فيفا أن الهدف الأساسي يتمثل في تعزيز الإيرادات المالية، بما يتيح مضاعفة الموارد المخصصة لتطوير كرة القدم في الدول النامية وتمويل مشاريع البنية التحتية ودعم الاتحادات الوطنية بصورة تفوق عن ما هو متاح حالياً. غير أن هذه الرؤية لم تحظَ بقبول واسع داخل منظومة كرة القدم العالمية.
أوروبا تقود جبهة الاعتراض، كان الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA) في طليعة الجهات التي أبدت تحفظات واضحة على المشروع، مؤكداً أن القرارات المتعلقة بمستقبل اللعبة ينبغي أن تتم عبر مشاورات موسعة تشمل الاتحادات القارية والأندية واللاعبين وليس من خلال قرارات منفردة. وتخشى المؤسسات الأوروبية من أن يؤدي المشروع إلى تركيز النفوذ التجاري بيد فيفا، بما يمنحها تأثيراً غير مسبوق على مستقبل البطولات العالمية.
كما أعربت رابطة الدوريات الأوروبية وعدد من ممثلي الأندية المحترفة عن مخاوفهم من أن تتحول الاعتبارات الاستثمارية إلى المحرك الأساسي لقرارات كرة القدم في المستقبل.
تحفظات آسيوية ومواقف متباينة، ورغم أن الاتحاد الآسيوي لكرة القدم (AFC) لم يتبنَّ موقفاً موحداً بالحدة ذاتها التي أظهرها الاتحاد الأوروبي فإن تقارير متعددة أشارت إلى وجود تحفظات لدى عدد من الاتحادات الوطنية الآسيوية التي طالبت بالحصول على مزيد من التفاصيل قبل اتخاذ أي قرار نهائي.ةوتتركز أبرز المخاوف حول طبيعة العلاقة بين المستثمرين والشركة الجديدة ومدى تأثير ذلك على استقلالية القرار الرياضي.
ماذا تخشى الأندية؟
تنظر الأندية الأوروبية الكبرى إلى المشروع من زاوية مختلفة. فهي تخشى أن يؤدي نجاح الشركة الجديدة إلى منح فيفا قدرة أكبر على إطلاق بطولات إضافية، ما قد يترتب عليه زيادة عدد المباريات وارتفاع الضغط البدني على اللاعبين وتراجع القيمة النسبية للبطولات المحلية والقارية.
وقد شهدت السنوات الأخيرة خلافات متكررة بين فيفا والأندية الأوروبية بشأن توسع البطولات الدولية وكان أبرزها النسخة الموسعة من كأس العالم للأندية.
بين التطوير والخصخصة، يرى مؤيدو المشروع أن كرة القدم تحتاج إلى موارد مالية أكبر لمواكبة النمو المتسارع في اللعبة وأن استقطاب الاستثمارات لم يعد خياراً بل أصبح واقعاً في معظم الصناعات الرياضية العالمية.
في المقابل، يرى المعارضون أن هناك فرقاً جوهرياً بين الاستثمار في الأندية، والاستثمار في الجهة المنظمة للعبة نفسها.
ففي حال ارتباط الحقوق التجارية لكأس العالم بمصالح المستثمرين، قد تتغير أولويات اتخاذ القرار، ليصبح تحقيق العوائد المالية متقدماً على مبادئ العدالة الرياضية.
صراع على قيادة كرة القدم، في جوهر هذه الأزمة، لا يقتصر الخلاف على إنشاء شركة جديدة بل يمتد إلى مسألة من يقود كرة القدم العالمية خلال العقود المقبلة.
ففيفا تسعى إلى تعزيز نفوذها المالي والإداري مستفيدة من الشعبية المتزايدة لكأس العالم بينما تتمسك الاتحادات القارية وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي بالحفاظ على التوازن التاريخي داخل منظومة اللعبة. ويعكس هذا الخلاف صراعاً أوسع بين نموذجين للإدارة أحدهما يمنح فيفا دوراً محورياً في إدارة الاقتصاد الرياضي العالمي والآخر يدعو إلى توزيع السلطة بين مختلف مكونات كرة القدم.
ماذا بعد؟، من المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة مفاوضات مكثفة بين فيفا والاتحادات القارية بهدف التوصل إلى صيغة تضمن استمرار برامج التطوير دون المساس بمبادئ الحوكمة والشفافية.
وقد تضطر فيفا إلى إدخال تعديلات على المشروع أو تقديم ضمانات قانونية واضحة تؤكد عدم منح المستثمرين أي تأثير على القرارات الرياضية أو التنظيمية.
تؤكد هذه الأزمة مجدداً أن كرة القدم لم تعد مجرد منافسة داخل المستطيل الأخضر بل أصبحت ساحة تتقاطع فيها الرياضة مع الاقتصاد والسياسة والاستثمار.
ويبقى السؤال الأهم هو هل تنجح فيفا في إقناع العالم بأن مشروع “فيفا فوروورد إنتربرايز” يمثل أداة لتطوير اللعبة وخدمة الاتحادات الوطنية أم أن مخاوف الاتحادات القارية والأندية ستقود إلى إعادة تشكيل خريطة السلطة داخل كرة القدم العالمية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل شركة جديدة فحسب بل قد ترسم ملامح إدارة اللعبة الأكثر شعبية في العالم خلال العقود القادمة.




