مقالات

البحر الأحمر.. إعادة رسم خرائط النفوذ في ظل حرب السودان

البحر الأحمر.. إعادة رسم خرائط النفوذ في ظل حرب السودان
كتب.. حسين سعد

أعلنت 14 دولة الخميس ٣٠ يوليو ٢٠٢٦م دعمها مبادرة إنشاء تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات بقيادة السعودية، وذلك في بيان مشترك صدر نشرته الجزيرة عقب اجتماع استضافته الرياض لمناقشة الترتيبات التأسيسية.

وشارك في الاجتماع ممثلو 43 دولة، إلى جانب مندوبية الاتحاد الأوروبي لدى المملكة، من أصل 51 دولة ومنظمة وُجهت إليها الدعوة، فيما توزعت المشاركة بين الحضور المباشر والافتراضي.

وقالت وزارة الدفاع السعودية في بيان على منصة إكس إن الاجتماع ناقش التهديدات المتزايدة التي تستهدف الأمن البحري، بما في ذلك الهجمات على السفن التجارية وناقلات الطاقة والبنية التحتية البحرية، وما تفرضه من مخاطر على سلامة الملاحة الدولية.
بحسب البيان، تضم قائمة الدول المؤسسة للتحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات كلا من:

السعودية، قطر، الكويت، البحرين، باكستان، تركيا، مصر، الأردن، اليمن، بنغلاديش، نيجيريا، السودان، جيبوتي، الصومال.
وأكدت هذه الدول، وفق البيان المشترك، أنها ستستكمل الإجراءات الداخلية اللازمة للانضمام الرسمي إلى ميثاق التحالف.
وشددت على أن المشاركة في أنشطة التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات وعملياته تبقى قرارا سياديا لكل دولة وفقا لقوانينها وإجراءاتها الوطنية.
كما دعت الدول المؤسسة بقية الدول التي تشترك في أهداف التحالف ومبادئه إلى الانضمام إليه، في إطار توسيع التعاون في مجال الأمن البحري.
اتفقت الدول المؤسسة، وفق البيان المشترك، على أن تكون السعودية الدولة المؤسسة والقائدة للتحالف، وأن تستضيف مقره الرئيس.
وتستضيف المملكة القيادة المشتركة، ومركز القيادة والسيطرة، ومركز العمليات البحرية المشتركة، إضافة إلى الأمانة العامة، لتكون الأجهزة التنفيذية الرئيسة للتحالف.
بحسب ما نشرته وزارة الدفاع السعودية على منصة إكس، يهدف التحالف إلى بناء إطار دفاعي مؤسسي للتعامل مع التهديدات البحرية المتزايدة، وذلك عبر:
تعزيز الأمن البحري.
حماية حرية الملاحة.
تأمين خطوط التجارة الدولية.
حماية طرق إمدادات الطاقة.
حماية المصالح البحرية المشتركة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن.
تعزيز تبادل المعلومات والاستخبارات.
تطوير التخطيط العملياتي.
تنفيذ تدريبات وتمارين بحرية مشتركة.
بناء القدرات العسكرية.
تنفيذ عمليات بحرية مشتركة.
وأكد البيان المشترك أن جميع أنشطة التحالف ستتم وفقا للقانون الدولي واتفاقيات الأمم المتحدة والأعراف الدولية.
سيتركز نشاط التحالف، بحسب البيان المشترك، في ثلاثة من أهم الممرات البحرية في العالم، وهي:
مضيق باب المندب.
البحر الأحمر.
خليج عدن.
وتُعد هذه المنطقة ممرا رئيسيا للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة، إذ تعبرها آلاف السفن التجارية وناقلات النفط سنويا، ما يجعل أي اضطراب أمني فيها ذا انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي.
تقول الدول المؤسسة إن التحالف “ذو طبيعة دفاعية خالصة”، ولا يستهدف أي دولة أو تحالف أو منظمة دولية.

وأكد البيان المشترك أن مهامه تقتصر على حماية الأمن البحري، وصون حرية الملاحة، وتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، مع الالتزام الكامل بالقانون الدولي واحترام سيادة الدول.
جاء الإعلان في وقت تصاعدت فيه الهجمات على السفن التجارية وناقلات الطاقة والبنية التحتية البحرية في مضيق هرمز ومضيق باب المندب، في ظل التوتر المتصاعد جراء الحرب الأمريكية الإيرانية وما رافقها من هجمات متبادلة طالت عددا من دول الخليج، فضلا عن عودة التوتر بين السعودية وجماعة الحوثي في اليمن.
وقال مسؤولان في المنطقة إن جماعة الحوثي، المتحالفة مع إيران، شنت هذا الأسبوع هجمات على السعودية انطلاقا من الأراضي العراقية وبالتنسيق مع فصائل عراقية مسلحة.
وشملت الهجمات استهداف منشآت نفطية في المنطقة الشرقية، التي تُعد المركز الرئيس لإنتاج النفط الخام في السعودية.
وفي المقابل، شنت السعودية، بمشاركة الولايات المتحدة، غارات جوية على مواقع في العراق قالت إنها مرتبطة بتلك الهجمات، وحمّلت فصائل عراقية متحالفة مع إيران المسؤولية عنها، فيما أعلن الحوثيون تبنيهم الهجمات، بينما أكدت الحكومة العراقية أنها فتحت تحقيقا في تلك الوقائع.

إعادة تشكيل النظام الأمني..

لم يعد التحالف البحري الذي تقوده المملكة العربية السعودية مجرد استجابة أمنية لتهديدات الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، بل يمثل إحدى أبرز حلقات إعادة تشكيل النظام الأمني في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي. فالتطورات الأخيرة تشير إلى أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة تتداخل فيها اعتبارات الأمن العسكري مع مصالح الطاقة والتجارة الدولية والتنافس الجيوسياسي، في وقت تتراجع فيه قدرة القوى الدولية على إدارة الأزمات منفردة، وتتجه الدول الإقليمية إلى بناء ترتيبات أمنية أكثر استقلالًا.
وتكتسب هذه المبادرة أهمية استثنائية لأنها تأتي في لحظة تتزامن مع استمرار الحرب في السودان، وتصاعد التوتر في اليمن، واتساع المنافسة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا على النفوذ في الممرات البحرية. وبذلك يصبح البحر الأحمر أحد أهم مسارح إعادة تشكيل موازين القوى العالمية.

السودان.. موقع فريد..

يحتل السودان موقعًا فريدًا في هذه المعادلة؛ إذ يمتلك أكثر من 700 كيلومتر من السواحل على البحر الأحمر، ويشرف على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. غير أن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 أضعفت مؤسسات الدولة، وفتحت الباب أمام مخاوف متزايدة من تحول الساحل السوداني إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي.
فانهيار مؤسسات الدولة لا يهدد الداخل السوداني فحسب، بل يهدد كذلك أمن الملاحة الدولية، ويزيد من احتمالات تهريب الأسلحة والبشر والجريمة المنظمة، وهي ملفات ترتبط مباشرة بالأمن البحري الذي يسعى التحالف الجديد إلى حمايته.
ولذلك فإن انضمام السودان إلى المبادرة لا يمكن فصله عن محاولات إعادة دمجه في المنظومة الأمنية الإقليمية، رغم استمرار الحرب الداخلية.
البحر الأحمر.. من ممر تجاري إلى ساحة صراع عالمي
يمر عبر البحر الأحمر وباب المندب جزء كبير من تجارة العالم، إضافة إلى نسبة مهمة من صادرات النفط والغاز المتجهة من الخليج إلى أوروبا. وأي اضطراب في هذا الممر يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، ويؤثر في الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد.
لهذا لم يعد البحر الأحمر مجرد مساحة بحرية، بل أصبح محورًا للتنافس بين القوى الكبرى.
فالولايات المتحدة تنظر إليه باعتباره جزءًا من منظومة حماية التجارة العالمية وحلفائها، بينما تسعى الصين إلى تأمين خطوط مبادرة “الحزام والطريق” وحماية استثماراتها في أفريقيا والشرق الأوسط. أما روسيا فترى في البحر الأحمر منفذًا استراتيجيًا لتعزيز حضورها البحري، وهو ما يفسر اهتمامها المستمر بإنشاء قاعدة بحرية على الساحل السوداني خلال السنوات الماضية.

السعودية.. صناعة النظام الإقليمي.

تكشف المبادرة عن تحول مهم في السياسة السعودية؛ إذ لم تعد الرياض تكتفي بردود الفعل تجاه الأزمات، بل تسعى إلى قيادة منظومة أمنية إقليمية جديدة.
فالتحالف البحري يعكس رغبة المملكة في أن تصبح القوة المنظمة للأمن في البحر الأحمر، مستفيدة من ثقلها السياسي والاقتصادي وعلاقاتها مع الدول العربية والأفريقية والإسلامية.
وهذا التحول يتماشى مع رؤية أوسع تهدف إلى حماية الاستثمارات الضخمة في مشاريع البحر الأحمر، وتأمين صادرات الطاقة، وترسيخ مكانة السعودية كفاعل رئيسي في هندسة الأمن الإقليمي.

ساحة تنافس.

يتقاطع هذا التحالف مع صراع النفوذ في القرن الأفريقي، حيث تتنافس قوى إقليمية ودولية على الموانئ والقواعد العسكرية وخطوط التجارة.
فجيبوتي تستضيف قواعد عسكرية لعدة دول، بينما تواصل تركيا تعزيز حضورها في الصومال، وتراقب إثيوبيا تطورات البحر الأحمر باعتبارها دولة حبيسة تسعى إلى منفذ بحري، في حين تمثل إريتريا لاعبًا مهمًا بحكم موقعها الاستراتيجي.
أما السودان، فيظل الدولة الأكثر تأثيرًا بحكم امتداد ساحله وموقعه بين شمال أفريقيا والقرن الأفريقي والخليج.

يصعب تصور استقرار طويل الأمد للبحر الأحمر في ظل استمرار الحرب في السودان.
فكلما طال أمد الصراع، زادت احتمالات تمدد الجماعات المسلحة، وتصاعد أنشطة التهريب، وازداد التدخل الخارجي، بما يحول الساحل السوداني إلى نقطة ضعف في المنظومة الأمنية الجديدة.
ومن هنا، فإن أي مشروع لإعادة بناء أمن البحر الأحمر سيظل ناقصًا ما لم يقترن بجهد سياسي جاد لإنهاء الحرب السودانية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، واستعادة السيطرة الكاملة على الساحل والموانئ.

رسائل سياسية مهمة.

يحمل التحالف رسائل سياسية واضحة، أبرزها أن دول المنطقة تسعى إلى امتلاك زمام المبادرة في إدارة أمنها، وتقليل الاعتماد على التدخلات العسكرية الخارجية. كما يبعث برسالة إلى الفاعلين من غير الدول بأن استهداف الملاحة الدولية سيواجه برد جماعي ومنظم.
وفي الوقت ذاته، يشير إلى أن البحر الأحمر أصبح جزءًا من معادلة الأمن القومي العربي والأفريقي، وليس مجرد ممر للتجارة الدولية.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
إذا نجح التحالف في الانتقال من مرحلة الإعلان السياسي إلى بناء آليات عملياتية مشتركة، فقد يشكل نواة لمنظومة أمن إقليمي جديدة قادرة على الحد من التهديدات البحرية.
لكن نجاحه سيظل مرهونًا بعدة عوامل، أهمها استمرار التنسيق بين الدول الأعضاء، واحتواء التوترات الإقليمية، والتوصل إلى تسوية للحرب في السودان، وتجنب تحول البحر الأحمر إلى ساحة مواجهة مباشرة بين القوى الكبرى.
وفي المقابل، إذا استمرت النزاعات في السودان واليمن، وتصاعد التنافس الدولي على الموانئ والقواعد العسكرية، فقد يتحول البحر الأحمر إلى أحد أكثر الأقاليم توترًا في العالم، بما يهدد أمن الطاقة والتجارة العالمية.

تحول استراتيجي.

لا يمثل التحالف البحري الجديد مجرد ترتيبات لحماية السفن، بل يعكس تحولًا استراتيجيًا في هندسة الأمن الإقليمي والدولي. وفي قلب هذه المعادلة يقف السودان بوصفه الدولة الأكثر تأثيرًا في مستقبل البحر الأحمر؛ فاستقراره سيعزز فرص نجاح النظام الأمني الجديد، بينما سيظل استمرار الحرب مصدرًا دائمًا للهشاشة وعدم اليقين. ومن ثم، فإن مستقبل البحر الأحمر لن يُحسم فقط في المياه الإقليمية أو عبر التحالفات العسكرية، بل سيتحدد أيضًا بقدرة دول المنطقة على معالجة جذور الأزمات السياسية وبناء نظام إقليمي قائم على الاستقرار والتعاون، لا على إدارة الصراعات وحدها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى