مقالات

كيف أصبحت العشائرية والمناطقية والجهوية أخطر معارك السودان بعد حرب 15 أبريل؟

السودان، ضيق الأوطان واتساع القبيلة
كيف أصبحت العشائرية والمناطقية والجهوية أخطر معارك السودان بعد حرب 15 أبريل؟

مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م. عبد الله موسى أحمد – باحث

ليست الحروب مجرد مواجهات عسكرية تنتهي بتوقف إطلاق النار وإنما هي زلازل اجتماعية تعيد تشكيل الوعي الجمعي وتغيّر منظومة القيم وتعيد رسم خرائط الانتماء والولاء. وما شهده السودان منذ اندلاع حرب 15 أبريل لم يقتصر على الدمار الذي طال المدن والبنية التحتية والاقتصاد ولا على مآسي النزوح واللجوء، بل أطلق كذلك موجة غير مسبوقة من الخطابات القائمة على العشائرية والمناطقية والجهوية، حتى أصبحت هذه الظواهر تمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه مستقبل الدولة السودانية.
إن أخطر ما تخلّفه الحروب ليس ما تهدمه من مبانٍ وجسور وإنما ما تتركه من شروخ في النفوس والعقول. فعندما تضعف فكرة الوطن، تتقدم الهويات الصغيرة إلى الواجهة ويصبح الانتماء إلى القبيلة أو المنطقة أو الجهة بديلاً عن الانتماء للدولة، فتبدأ مؤسساتها في التآكل من الداخل حتى وإن توقفت المعارك على الأرض.
ما المقصود بالعشائرية والمناطقية والجهوية؟
العشائرية هي حالة يصبح فيها الانتماء إلى القبيلة أو العشيرة هو المعيار الأساسي في تحديد الولاء والحقوق والمواقف متقدماً على المواطنة وسيادة حكم القانون والمؤسسات. وعندها تتحول الروابط القبلية إلى أدوات للنفوذ السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
أما المناطقية، فهي انحياز الإنسان إلى منطقته الجغرافية والنظر إليها باعتبارها الأحق بالسلطة أو الموارد أو الامتيازات مع التقليل من شأن بقية المناطق بما يغذي مشاعر المظلومية أو التفوق.
في حين تمثل الجهوية مفهوماً أوسع، يقوم على تقسيم الوطن إلى أقاليم متنافسة سياسياً واقتصادياً وثقافياً بحيث تصبح الجهة إطاراً للولاء السياسي وتتقدم مصالحها على المصلحة الوطنية.
ورغم أن هذه الظواهر ليست جديدة في السودان، فإن الحرب منحتها زخماً غير مسبوق بسبب انهيار مؤسسات الدولة واتساع رقعة النزوح وانتشار السلاح وتصاعد خطاب الكراهية عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
لماذا تنمو هذه الظواهر أثناء الحروب؟
تؤكد دراسات علم الاجتماع السياسي أن الإنسان عندما يفقد الإحساس بالأمن يبحث تلقائياً عن أقرب دائرة تمنحه الحماية. فتكون القبيلة أو العشيرة أو المنطقة هي الملاذ الأول.
وعندما تضعف الدولة، تملأ الهويات الفرعية الفراغ الذي تتركه المؤسسات. فتتحول القبيلة إلى مظلة للحماية والعشيرة إلى مرجعية للفصل في النزاعات والجهة إلى سلطة سياسية والمنطقة إلى هوية بديلة عن الوطن.
ولهذا تصبح الحروب البيئة المثالية لازدهار العصبيا فالخوف يولد الانغلاق والانغلاق يزرع الشك والشك يغذي الكراهية.
العشائرية من منظور فلسفي، تناول ابن خلدون مفهوم “العصبية” ورأى أنها قد تكون قوة لبناء الدول في مراحل نشأتها، لكنها تتحول إلى سبب في سقوطها عندما تصبح أداة للإقصاء والاستئثار بالسلطة.
أما الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز فقد رأى أن غياب الدولة يقود إلى “حرب الجميع ضد الجميع”، حيث تصبح القوة بديلاً للقانون.
وفي المقابل، يؤكد فلاسفة العقد الاجتماعي وفي مقدمتهم جان جاك روسو، أن الدولة الحديثة لا تقوم إلا على مبدأ المواطنة المتساوية لا على الانتماءات الأولية.
ومن هذا المنطلق، فإن العشائرية ليست مجرد ظاهرة اجتماعية لكنها تمثل تراجعاً عن فكرة الدولة الحديثة وعودة إلى أنماط ما قبل الدولة.
كيف تؤجج العشائرية خطاب الكراهية؟
الكراهية تبدأ بالكلمات قبل أن تتحول إلى أفعال.
فعندما تُوصم جماعة بأنها أقل وطنية أو تُتهم منطقة كاملة بالخيانة أو تُحمّل قبيلة بأكملها مسؤولية أفعال أفراد منها فإن ذلك يؤدي إلى شيطنة الآخر وإلغاء إنسانيته وتهيئة المناخ النفسي لتبرير العنف ضده.
وقد أسهمت منصات التواصل الاجتماعي بصورة كبيرة في تضخيم هذا الخطاب حيث تنتشر الشائعات والمقاطع المجتزأة وخطابات التحريض بسرعة هائلة فتنتقل الكراهية من العالم الافتراضي إلى الواقع.


التأثير السياسي،تُضعف العشائرية مفهوم الدولة الوطنية وتحول التنافس السياسي من منافسة بين البرامج والرؤى إلى صراع بين القبائل والجهات.
ويصبح السؤال عند اختيار المسؤول من أي قبيلة هو؟ بدلاً من ما كفاءته؟
كما تؤدي هذه الظواهر إلى إضعاف الأحزاب الوطنية وتحويلها إلى تحالفات جهوية وتعرقل بناء مؤسسات مهنية مستقلة وتفتح الباب أمام التدخلات الخارجية التي تستغل الانقسامات الداخلية لتحقيق مصالحها.


التأثير الاجتماعي، تؤدي العشائرية والمناطقية إلى تآكل الثقة بين المواطنين وتراجع قيم التعايش واتساع دوائر الثأر والانتقام وازدياد النزاعات المحلية.
بل إن المصاهرة والعمل والتجارة والتعليم وحتى السكن قد تصبح خاضعة لمعيار الانتماء لا لمعيار الكفاءة أو المواطنة.
والأخطر من ذلك أن الأطفال ينشأون في بيئات مشبعة بخطابات التخوين والتمييز مما يهدد بإنتاج أجيال تحمل إرث الكراهية بدلاً من ثقافة السلام.


التأثير الثقافي، عرف السودان عبر تاريخه الطويل بتنوعه الثقافي واللغوي والاجتماعي وكان هذا التنوع أحد أهم مصادر قوته وثرائه الحضاري.
غير أن تصاعد الجهوية يحول هذا التنوع إلى مصدر للاستقطاب، فتستخدم اللهجات والعادات والأزياء والموسيقى والرموز الثقافية كوسائل للتمييز والسخرية بدلاً من أن تكون جسوراً للتعارف والتقارب.
وعندما تتحول الثقافة إلى أداة للصراع يفقد المجتمع أحد أهم عناصر وحدته.
التأثير الاقتصادي، تؤدي المناطقية إلى اختلال توزيع الاستثمارات والخدمات وتعطيل حركة التجارة وهروب رؤوس الأموال وارتفاع تكلفة الإنتاج.


كما تتراجع الثقة في الأسواق عندما تصبح العلاقات الاقتصادية محكومة بالولاءات الضيقة لا بقواعد العدالة وتكافؤ الفرص. ولا يمكن لأي دولة أن تحقق تنمية مستدامة إذا كانت مواردها توزع وفق الانتماءات لا وفق الاحتياجات والخطط العلمية.
السودان في حاجة إلى مشروع وطني جديد
إن معالجة آثار الحرب لا تبدأ بإعادة إعمار الطرق والجسور والمباني فقط وإنما تبدأ بإعادة بناء الإنسان السوداني واستعادة ثقته في وطنه.


وهذا يتطلب مشروعاً وطنياً شاملاً يقوم على ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية وإصلاح التعليم وتجريم خطاب الكراهية وتعزيز الإعلام المسؤول وإحياء دور الثقافة والفنون والرياضة في بناء الجسور بين المجتمعات إلى جانب بناء مؤسسات دولة قوية وعادلة لا تميز بين مواطنيها على أساس القبيلة أو الجهة أو المنطقة.


كما يحتاج السودان إلى حوار وطني جاد يعترف بالمظالم التاريخية ويبحث عن حلول عادلة بعيداً عن الانتقام والإقصاء لأن السلام الحقيقي لا يصنعه السلاح وإنما تصنعه العدالة والثقة والمصالحة.

لقد كشفت الحرب أن أخطر ما يهدد السودان ليس تنوع قبائله ولا تعدد أقاليمه وإنما تحويل هذا التنوع إلى مشروع للصراع والانقسام.
فالعشائرية والمناطقية والجهوية ليست قدراً محتوماً لكن هي نتيجة لضعف الدولة وغياب العدالة وتراجع المشروع الوطني الجامع.


إن السودان، الذي صنعته قرون من التفاعل بين الثقافات والأعراق والأقاليم لن ينهض إلا إذا استعاد فكرة الوطن بوصفه المظلة الكبرى التي تتسع للجميع دون تمييز أو إقصاء.
فالأوطان لا تُبنى بالولاءات الضيقة وإنما تُبنى بالمواطنة وسيادة حكم القانون والعدالة واحترام التنوع. وما لم يتحول هذا الإدراك إلى ثقافة عامة وسياسات عملية فإن آثار الحرب ستظل حاضرة حتى وإن صمتت البنادق وسيبقى التحدي الأكبر هو الانتصار على الانقسام داخل النفوس قبل الانتصار في ميادين القتال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى