مقالات

المشاركة في الأنظمة الشمولية: بين المبدئية والضرورة السياسية

المشاركة في الأنظمة الشمولية: بين المبدئية والضرورة السياسية

✍ عبد الجليل الباشا

«التجارب تُكتب لنتعلم منها، لا لنستخرج منها أعذارًا لأخطاء جديدة.»

إن قضية المشاركة في الأنظمة الشمولية تُعد من أكثر القضايا إثارةً للجدل في الحياة السياسية، لأنها ترتبط بسؤال بالغ التعقيد: هل تقتضي المبدئية مقاطعة الأنظمة غير الديمقراطية بصورة مطلقة، أم أن الضرورات السياسية قد تفرض المشاركة في ظروف محددة؟

وفي تقديري الشخصي، لا توجد إجابة واحدة تصلح لكل زمان ومكان، فالتجارب تختلف باختلاف الظروف والدوافع والنتائج. والسياسة كثيرًا ما تضع الفاعلين أمام خيارات معقدة، تدفع بعض القوى أو الشخصيات إلى المشاركة انطلاقًا من تقدير يرى أن ذلك يحقق مصلحة وطنية، كالحفاظ على الدولة من الانهيار، أو تقليل حجم الأضرار، أو الدفاع عن قضايا الجماهير من داخل مؤسسات الحكم، أو استثمار مساحة متاحة للإصلاح. وقد تثبت الأيام نجاح هذا الخيار أو إخفاقه، وفي جميع الأحوال يظل اجتهادًا سياسيًا يقبل التقييم والنقد.

غير أن الفارق الجوهري يكمن بين مشاركة تراجع نفسها متى اتضح خطؤها، ومشاركة تتحول إلى غطاء دائم للاستبداد. فالعمل السياسي المسؤول يقوم على مراجعة الذات، والاعتراف بالأخطاء، وتصحيح المسار، والانحياز إلى المبادئ كلما تعارضت مع المصالح الحزبية أو المكاسب الشخصية.

وفي هذا السياق، يلفت الانتباه أن بعض الأحباب، كلما قدمنا لهم النصح بالابتعاد عن مواقف ورؤى حكومة الأمر الواقع في بورتسودان، انطلاقًا من تعارضها مع قيم الحزب ومبادئه، ومع المصلحة الوطنية العليا، جاءت ردود أفعالهم مؤكدة أنهم لا يتقبلون النصح، ولا يتوقفون عن موالاة أعداء السلام والديمقراطية.

ومن المؤسف أن يتحول الحوار معهم من مساحة لتبادل الحجج والأفكار إلى ميدان للإساءة الشخصية وتشويه السمعة. فكلما ضاقت أمامهم مساحات الرد الموضوعي، اتجهوا إلى الاغتيال المعنوي، ظنًا منهم أن النيل من الأشخاص يحجب ضعف حجتهم، أو يخفي تناقض مواقفهم، أو يصرف الأنظار عن عجزهم في مواجهة الحقائق. وهذه الأساليب لا تضر إلا أصحابها، لأنها تكشف إفلاسًا في الحجة، وتناقضًا مع قيم الحوار، وأخلاقيات العمل السياسي.

والمفارقة أن معظم من يمارسون هذا النهج تقلدوا مواقع سياسية في عهد الإنقاذ، ويقف إلى جوارهم رهط من المساندين الذين يتبعونهم من غير تبصر أو تدبر، وما زالوا يسعون إلى إعادة إنتاج التجربة نفسها تحت أسماء وشعارات جديدة، رغم ما قادت إليه من أزمات عميقة دفعت البلاد أثمانًا باهظة بسببها.

ومن ثم، فإن محاولات تشويه الآخرين لا تمحو صفحات الماضي، ولا تعفي أصحابها من مسؤولية مراجعة تجاربهم، كما أنها لا تثني أصحاب المواقف المبدئية عن قول الحق، والدفاع عن مبادئ الحزب وقيمه وإرثه النضالي في مواجهة الشمولية، والعمل من أجل إيقاف الحرب، وإنهائها، وتحقيق التحول المدني الديمقراطي.

ومن هنا، فإن الحكم على التجارب السياسية ينبغي أن يكون شاملًا، وألا يتوقف عند محطة واحدة في تاريخ الأشخاص. فمن شارك في مرحلة معينة، ثم غادر موقعه، وعارض النظام، ودفع ثمن موقفه اعتقالًا، وسجنًا، ومحاكمات، وتضييقًا في الكسب والرزق، لا يستوي مع من واصل الدفاع عن النظام حتى نهايته، أو مع من يسعى اليوم إلى إعادة إنتاج التجربة ذاتها دون مراجعة أو نقد. فالعبرة بمن صدق مع مبادئه، واستقام على موقفه، لا بمن سبق غيره إلى موقع أو منصب.

ونحن اليوم ندافع عن موقف الحزب المجاز عبر مؤسساته، في وقت يعمل فيه آخرون على شل الحزب من داخله، وتوجيهه لخدمة أجندات شمولية. ويتزامن ذلك مع تجولهم في بورتسودان والخرطوم تحت حماية الأجهزة الأمنية، بينما ما تزال البلاغات مفتوحة ضد عدد من قيادات الحزب، وما تزال كوادره تواجه الاعتقال والقتل والذبح، وتعيش جماهيره تحت رحمة المسيّرات والاستهداف الجماعي، ويكابد من بقي على قيد الحياة مأساة إنسانية غير مسبوقة، في الوقت الذي يواصل فيه البعض التحشيد، ودعم الأجندة الحربية، والتحريض العلني ضد قيادات الحزب وكوادره، عبر خطابات من شاكلة: “نحن معكم، والآخرون مع خصمكم.”

وحتى أركز على الجانب الموضوعي، سأتجاوز الإساءة والتجريح، وأمر عليهما مرور الكرام، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾.

ويصدق في هذا المقام قول الشاعر:

إذا السفيه أساء قولًا أو هجا
فإياك أن تكون له مجيبًا
نزه لسانك عن إجابة مثله
فأربأ بنفسك أن تكون مجيبًا
إن الجهالة والوقاحة طبعه
وأخو السفاهة لا يكون أديبًا
فإذا أساء فقل: سلامًا، تلقه
في غيظه متحسرًا وكئيبًا.

ومع ذلك، تظل هناك قضايا موضوعية تستوجب بيان الحقائق، وفي مقدمتها: المشاركة مع الكيزان في عهد الإنقاذ، والانشقاقات داخل حزب الأمة، ثم العودة إلى حزب الأمة القومي، حتى لا تتحول هذه القضايا إلى عبارات تتردد على نحو ببغائي في سياق المنافسة والمكايدة، بعيدًا عن المعرفة الدقيقة بحيثياتها.

أولًا: المشاركة مع الكيزان في عهد الإنقاذ

إن المبدئية لا تعني ادعاء العصمة، وإنما تعني القدرة على مراجعة الذات، والاعتراف بالخطأ، وتصحيح المسار. أما تحويل أخطاء الماضي إلى مبرر لخيارات الحاضر، فلا يقود إلى مستقبل أفضل، وإنما يعيد إنتاج الأزمة في صورة جديدة.

فالمشاركة في الأنظمة الشمولية قد تفرضها أحيانًا ضرورات وتقديرات سياسية مرتبطة بظروف مرحلتها. ولا يختلف اثنان حول أن نظام مايو كان من أكثر الأنظمة التي بطشت بحزب الأمة وكيان الأنصار في ود نوباوي والجزيرة أبا، ومع ذلك شارك الحزب فيه لأسباب معلومة لدى الجميع، ثم صحح موقفه فور اتضاح أن جعفر نميري لم يكن جادًا في تنفيذ بنود المصالحة الوطنية لعام 1977.

ويضاف إلى ذلك أن معظم القوى السياسية التي كانت منضوية تحت لواء التجمع الوطني الديمقراطي شاركت في نظام الإنقاذ عبر اتفاقيتي أسمرا والقاهرة عام 2006، ثم غادرت مواقعها، وأصبحت جزءًا من قوى الإجماع الوطني، التي مثلت أكبر تحالف معارض آنذاك.

أما مشاركتنا في حكومة المؤتمر الوطني، فقد جاءت استنادًا إلى تقديرات سياسية عبر عنها اتفاق هدفه تحقيق السلام، والتحول الديمقراطي. وعندما اتضح لنا أن المؤتمر الوطني لا يمتلك الإرادة الكافية لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، تقدمنا باستقالاتنا من الوزارة، وانتقلنا إلى صفوف المعارضة بكل جدية وصدق، ودفعنا ثمن ذلك اعتقالًا، وسجونًا، ومحاكمات، وتضييقًا في الكسب والرزق.

وتحضرني في هذا السياق كل المحاولات التي بذلها المؤتمر الوطني لإقناعي بالاستمرار في الوزارة، وعندما تعذر ذلك، حاول البحث عن أي نقطة ضعف يمكن استخدامها للضغط عليّ، فلم يجد سوى خطاب إشادة بالأداء صادر عن مجلس الوزراء، وخطاب شكر من المراجع العام يشيد بعفة اليد في إدارة المال العام.

ومن هنا يبرز السؤال المشروع: إذا كان من يهاجمون مشاركتنا السابقة مع المؤتمر الوطني يستندون فعلًا إلى موقف مبدئي، فلماذا يسعون اليوم إلى إعادة إنتاج التجربة نفسها، ومع الجماعة ذاتها؟

ثانياً: الانشقاقات في حزب الأمة

ثمة فارق جوهري بين من يخوض تجربة سياسية، ثم يراجعها في ضوء نتائجها، ويعلن موقفه بوضوح، ويدفع ثمن ذلك، وبين من يعيد إنتاج التجربة ذاتها، ويدافع عنها، ويسعى إلى إكسابها شرعية جديدة. الأول يضيف إلى الخبرة الوطنية رصيدًا من التعلم، أما الثاني فيضيف إلى الأزمة دورة جديدة من التكرار. فالمراجعة قيمة سياسية وأخلاقية، بينما الإصرار على الخطأ يمثل عجزًا عن قراءة التاريخ، وعجزًا أكبر عن استشراف المستقبل.

إن الانشقاقات والانشطارات في السودان تمثل ظاهرة اجتماعية وسياسية لم يسلم منها كيان، سواء كان سياسيًا، أو اجتماعيًا، أو دينيًا، وذلك لأسباب متجذرة في بنية المجتمع السوداني. وحزب الأمة ليس استثناءً من هذه القاعدة، فقد واجه أزمة تاريخية متجددة، تجلت في انقسام الستينيات، ثم الانقسام الذي وقع عام 2002، ولم تتوقف تداعياتها عند خروج مجموعة الإصلاح والتجديد، إذ ظهرت لاحقًا مجموعات أخرى، من بينها التيار العام، ثم مجموعة الإصلاح المؤسسي والديمقراطية، فضلًا عن مجموعات غادرت الحزب، وأخرى آثرت الوقوف في موقع المتفرج، إلى أن وصل الحزب إلى الحالة التي يعيشها اليوم، وهي، في تقديري، لا تقل خطورة عن الانقسام نفسه.

ومن هذا المنطلق، فإن معالجة الأزمة لا تبدأ بتبادل اللوم حول ما جرى، وإنما بالاتجاه إلى جذور المشكلة، والعمل على معالجتها معالجة جادة ومسؤولة. وفي تقديري، فإن البداية الحقيقية تتمثل في جمع شمل الحزب، وتوحيد صفوفه، وبناء معادلة متوازنة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين التقليدية والحداثة، وبين القومية وحسن إدارة التنوع، عبر إنتاج رؤى وأفكار جديدة تستوعب إفرازات الحرب، وتستجيب لتطلعات الأجيال القادمة، ويمكن بلوغ ذلك من خلال مشروع التأسيس الرابع، أو أي آلية أخرى تحظى بتوافق واسع بين أبناء الحزب.

ثالثاً: العودة إلى حزب الأمة القومي

أود أن أنطلق في الحديث عن هذه النقطة من حقيقة أرى أن توثيقها واجب تجاه الأجيال الجديدة، وهي أن حزب الأمة القومي هو الذي بادر بطلب عودتي إلى صفوفه. ولا أورد هذه الحقيقة من باب المفاضلة أو المباهاة، وإنما لأن كثيرًا من الشباب لا يعرفون تفاصيل تلك المرحلة، ومن حقهم الاطلاع على الوقائع كما جرت.

وأذكر جيدًا أنه، بعد تقديم استقالتي من حزب الأمة الإصلاح والتجديد، بقيت في منزلي قرابة عام كامل، وخلال تلك الفترة تواصلت معي عدة لجان، بعضها برئاسة رؤساء مؤسسات، وبعضها ضم قيادات وكوادر من الحزب، جميعهم يطلبون مني العودة إلى حزب الأمة القومي. وكنت أرد عليهم بأن الأمر يحتاج إلى التشاور مع الكوادر التي خرجت معي، وأنني سأبلغهم بالنتيجة بعد اكتمال المشاورات.

واستمر الأمر على هذا النحو إلى أن اتصل بي الإمام الصادق المهدي، عليه الرحمة والرضوان، وقال لي: “مكانك شاغر في البيت الكبير.” وجاء هذا الطلب منسجمًا مع قناعتي الشخصية، فوافقت على الفور، وعدت إلى الحزب، ومعي نحو مائتي كادر، جرى استيعابهم في ولاياتهم المختلفة بواسطة الأستاذة سارة نقد الله، الأمين العام للحزب آنذاك.

وللأمانة والتاريخ، فإن صلتي بالإمام الصادق المهدي لم تنقطع طوال فترة وجودي في حزب الأمة الإصلاح والتجديد، فقد ظلت العلاقة قائمة على الاحترام المتبادل، وكان يذكرني بخير في حضوري وغيابي، كما ضمن خطاب تعييني كلمات أعتز بها، وأعدها وسامًا أتشرف به، وقد كان لذلك أثر بالغ في وفائي بالعهد الذي قطعته معه في حياته، واستمر بعد رحيله، نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته ومغفرته.

أما المسألة الثانية، فكثير من الناس يعتقدون أنني عدت إلى حزب الأمة القومي، ثم غادرته، ثم عدت إليه مرة أخرى، وهذه رواية تحتاج إلى تصحيح.

ففي الواقع، عندما تولى الدكتور إبراهيم الأمين منصب الأمين العام، دعا إلى اجتماع مع قيادات حزب الأمة الإصلاح والتجديد بمنزل الدكتور يونس عبد الله مختار في المنشية بالخرطوم، وقال للحضور إنه يريد تشكيل أمانة عامة تعبر عن مختلف مكونات الحزب، وطلب منهم اختيار شخصية تمثلهم داخل هذه الأمانة.

وبناءً على ذلك، وقع الاختيار عليَّ في ذلك الاجتماع لأمثل حزب الأمة الإصلاح والتجديد، لأنني كنت، في تلك المرحلة، من أكثر الداعمين لوحدة الحزب. وللأسف، لم يشرح الدكتور إبراهيم الأمين هذه الخلفية لقيادات الحزب أو لمؤسساته، وربما رأى أن عدم إثارة هذا الأمر أجدى في تلك الظروف، تفاديًا للشبهات أو الشائعات التي كانت متداولة آنذاك.

وعندما تقدمت باستقالتي من الأمانة العامة، لأسباب أوضحتها في وقتها، رأيت أن مقتضيات الأمانة والأخلاق السياسية تفرض عليَّ إعادة الأمانة إلى أصحابها، إذ كنت عضوًا ملتزمًا في حزب آخر، ولذلك فإن الحقيقة، التي أرى ضرورة تثبيتها، هي أن عودتي إلى حزب الأمة القومي جاءت بعد تقديم استقالتي من حزب الأمة الإصلاح والتجديد، وليس قبلها كما يعتقد البعض.

ختامًا

ما تزال أمامنا مساحة واسعة إذا توافرت الإرادة الصادقة، والرغبة الحقيقية في جمع شمل الحزب، وتوحيد مواقفه، ومواجهة أزماته السياسية والتنظيمية والدستورية بروح الفريق الواحد، حتى يستعيد حزب الأمة القومي دوره الريادي والطليعي في الحياة الوطنية، ويسهم بفاعلية في إيقاف الحرب، وإنهائها، وبناء دولة المواطنة المتساوية، في ظل بيئة سياسية تسترشد بمبادئ الحكم الراشد.

إن مستقبل حزب الأمة القومي، بل ومستقبل الحياة السياسية السودانية، يتوقف على القدرة على الانتقال من ثقافة تبادل الاتهامات إلى ثقافة إنتاج الحلول، ومن استدعاء الماضي لإدارة الخصومات إلى استلهامه لبناء المستقبل. فالحرب أعادت تشكيل السودان سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، وأصبح من الضروري أن تتقدم إلى الواجهة رؤى جديدة تستوعب هذه التحولات، وتؤسس لحزب أكثر قدرة على التجديد، وأكثر التصاقًا بقضايا المجتمع، وأكثر استعدادًا لقيادة مشروع وطني يقوم على السلام، والديمقراطية، والعدالة، والمواطنة المتساوية. والتاريخ يحتفظ بمكانته لمن يصنع المستقبل، أكثر مما يحتفظ بها لمن يظل أسير معارك الأمس.

والعفو لكل من تأذى من هذا المقال، فما قصدنا إلا الإصلاح والتوفيق. ورأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى