الفيضانات والإهمال الإداري يهددان بزوال جزيرة ابا

تحقيق : النور عبدالله محمدين – سيف الدين أحمد جامع
تواجه جزيرة أبا بولاية النيل الأبيض، خطراً وجودياً يهدد بطمسها تدريجياً من الخارطة الجغرافية والديموغرافية. فمع تصاعد مناسيب المياه خلال مواسم الفيضانات السنوية، وتراجع الاستجابة الرسمية واهمال الانظمة تتكشف ملامح أزمة مركبة تتداخل فيها العوامل البيئية مع الإهمال الإداري، لتضع أكثر من ستين ألف نسمة أمام مصير غامض.
وتم اكتشاف جزيرة أبا بتاريخ 1870م حين اتخذ الامام محمد احمد بن عبدالله المهدي منها مقراً له وبنى بها مسجداً وخلوة وبدأ منها دعوته، وهي محاطة بالمياه من كل الإتجاهات إذ يحدها من الغرب المجري الرئيسي للنيل ومن الشرق الجاسر وهو المدخل الوحيد والذي قام الأهالي بردمه بايديهم ليصبح جسراً ترابياً.
لإنجاز هذا التحقيق، قام فريق العمل بـ 17 زيارة ميدانية تمّكن من خلالها من جمع 16 شهادات من المتضررين من بينهم فلاحين بالمنطقة إضافة إلى باحثين وخبراء ومسؤولين، كما تحّصل على “15” من الوثائق.
ويرصد هذا التحقيق كيف حولت الفيضانات المتكررة سنوياً منذ انشاء خزان جبل أولياء (1933 – 1937) إلى كارثة إنسانية، بسبب الإهمال المؤسسي من الجهات المختصة وعلى رأسها وزارة الري والموارد المائية وإدارة خزان جبل أولياء. كما يتتبع التحقيق حجم الخسائر الزراعية والسكنية، و نزوح قسري لـ”3,107″ أسرة إلي معسكري أبا الجديدة والطويلة وإزدياد معدل الإصابات بمرض الكوليرا بنسبة 5.4٪ نتيجة لتلوث المياه وانهيار البنى التحتية.

صفاء ليست سوى واحدة من 17,679 شخصاً نزحوا من جزيرة أبا في عام 2024 بسبب الفيضانات المتكررة. وبعد عام واحد فقط في 2025م، انضم نحو 27 ألف شخص آخر إلى قائمة المتضررين، في مؤشر على تفاقم الأزمة عاماً بعد آخر. وسط تحذيرات من خبير الصحة العامة وصحة البيئة، والعضو بجمعية الملكية لتعزيز الصحة – المملكة المتحدة د. عبدالماجد مردس أحمد، من أن استمرار الوضع الحالي دون حلول مستدامة قد يقود، خلال 80 إلى 100 عام، إلى غمر جزيرة ابا بالكامل، مهدداً مستقبل نحو 60 ألف نسمة يعيشون فيها اليوم.
“الفيضان كسر بيوتنا وما زلنا في العراء”
وفي داخل كوخ صغير شُيد من الأغصان تقيم فيه صفاء أحمد محمد (38 عاماً) التي التقينا بها في جولة داخل جزيرة ابا بعد أنحسار المياه، تستعيد تفاصيل ما حدث لأسرتها منذ اجتياح الفيضانات للمنطقة. تقول صفاء إن المياه دمرت منزلهم بالكامل، لتبدأ رحلة نزوح طويلة إلى معسكر أبا الجديدة حيث أقاموا في مساكن مؤقتة من “القش” والخيام.
وتلخص صفاء معاناتهم بقولها: “الغرق كسر بيوتنا وأصبحنا في العراء، لدينا أطفال وأمهات كبار في السن، والخريف قادم وما قادرين نبني “أوضة”ـ اي غرفة ـ واحدة ندخل فيها كبار السن”.
وتضيف أن أوضاعهم المعيشية ما تزال صعبة رغم مرور أكثر من عام على الكارثة، مشيرة إلى أن الخيام التي تلقوها لا توفر الحماية الكافية من الأمطار أو درجات الحرارة المرتفعة. وتقول: “حالتنا سيئة جداً، الخيم التي قدمتها المنظمات لا تقي من المطر ولا من حرارة الشمس”.
ولم تقتصر المخاطر على فقدان المأوى، إذ تشير صفاء إلى انتشار الثعابين والعقارب والبعوض حول أماكن الإقامة المؤقتة، وتوضح أن أسرتها تضم مرضى وكبار سن، بينهم والدها المسن ووالدتها التي تعاني من أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم، مضيفة أنهم لم يتمكنوا من تحمل الظروف المناخية القاسية داخل الخيام.
وبحسب إفادتها، فإن سكان المنطقة الذين غادروها لم يعودوا إلى منازلهم حتى الآن خوفاً من تكرار الفيضانات، بينما يعيش العائدون تحت هاجس موسم الخريف المقبل، وتقول: “ما دايرين كثير، بس يدعمونا بغرفة واحدة مستقبلية”.
قابلنا عدد (4) من الضحايا في منازلهم من خلال جولة قمنا بها داخل جزيرة أبا وفي إفادة أخرى، تروي خديجة عبدالله (40 عاماً) أنها فقدت منزلها بالكامل بعد انهياره جراء الفيضانات.

وتقول إن أسرتها نزحت إلى معسكر أبا الجديدة حيث أقامت لمدة ستة أشهر قبل أن تعود إلى جزيرة أبا بعد انحسار المياه، إلا أن العودة لم تعنِ انتهاء المعاناة، إذ فقدت الأسرة أثاثاتها وممتلكاتها، وما تزال تعيش داخل خيام مؤقتة لعدم قدرتها على إعادة بناء المنزل.
• اكثر من 18 شهر مازلنا داخل رواكيب
أما مروة يعقوب (28 عاماً)، من سكان حي الإنقاذ، فتقول إن الفيضانات قلبت حياتهم رأساً على عقب خلال ساعات قليلة، وتضيف: “كنا مستقرين في بيوتنا، فجأة الموية جات… بيوتنا كلها تكسرت”.
وتوضح أن أسرتها، إلى جانب أسر أخرى، اضطرت إلى مغادرة المنطقة على عجل ونقل ما أمكن إنقاذه من ممتلكاتها على ظهور الدواب قبل الانتقال إلى معسكر الإيواء في أبا الجديدة، وهنالك أمضوا أكثر من ثمانية عشر شهراً داخل “رواكيب”وخيام مؤقتة قبل العودة إلى المنطقة بعد تراجع المياه.
وتقول مروة إن العودة كشفت حجم الدمار الذي خلفته الفيضانات، حيث لم يتبق من المنازل سوى الأطلال، ما دفعهم إلى تشييد مساكن بدائية من القش لا توفر الحماية الكافية من الأمطار أو حرارة الشمس.
وتضيف: “نحن أربع إلى خمس أسر نعيش مع بعض، ومصدر دخلنا انقطع. المنظمات أعطتنا خيام لكنها لا تمنع تسرب المطر. حتى الآن لا نملك سقفاً يحمينا”. وتتابع أن الخوف من موسم الأمطار المقبل لا يفارق السكان، في ظل غياب حلول دائمة تعيد لهم الشعور بالأمان والاستقرار.
وتعكس إفادات المتضررين أن آثار الفيضانات لم تنتهِ بانحسار المياه، إذ ما تزال العديد من الأسر تعيش في مساكن مؤقتة بعد فقدان منازلها، وسط مخاوف متزايدة من تكرار الكارثة.
ارتفع عدد المتضررين من الفيضانات في جزيرة أبا من 17,679 شخصاً عام 2024 إلى نحو 27 ألف شخص عام 2025م، بزيادة تقدر بنحو 52.7% خلال عام واحد فقط، ما يعكس تصاعداً مقلقاً في حجم الأزمة الإنسانية بالمنطقة.
كيف بدأت القصة؟
بدأت قصة فيضان عام 2024م منذ ان حذر االخبير المهندس بروفيسور تاج الدين الخزين – المستشار الرئيسي في مركز جنوب الصحراء في ذات العام من الخطر القادم من البحيرة، بسبب المعدلات العالية في الأمطار في ذلك العام حيث كشف عن ارتفاع مستوي الأمطار في بحيرة فكتوريا من 13.55 م/س الي 13.66 م/س وتوقع تدفق المياه الي الجنوب ومن ثم الي منطقة السدود والخزان وأشار الي ان الخزان لايستوعب هذه الكمية من المياه موضحا ان خزان جبل أولياء شيد لتنظيم المياه فقط دون التخزين وحذر من تأثر مساحات بطول 40 كيلو بالفيضان بما فيها الجسور.
▪︎ كسور في خور الجعلين
مؤشرات الخطر ظهرت مبكراً عبر كسور محدودة في مناطق خورالجعلين، النخلات، قوز عبدالرسول وشرق حي الطيارات ، بحسب ما افاد به “عبدالله اسحاق دلة” وهومشرف غرفة طوارئ الفيضان بجزيرة ابا ، كما انه ينشط مع مبادرة “انا متطوع انا انسان” بولاية النيل الابيض ضمن جهود الاستجابة للفيضانات في مقابلة بغرض هذا التحقيق.

وبحسب إفادته ساهمت عدة عوامل من بينها ضعف الصيانة الدورية للجسور، والتعديات الزراعية بإنشاء “سيلات” وربط “وابورات” مباشرة على جسم الجسر، إلى جانب إزالة الحشائش وأشجار “العوير” التي كانت تمثل حاجزاً طبيعياً للحماية، فضلاً عن رعي الأبقار أعلى الجسر.
الفيضان الذي حدث عام 2024م ليس هو الاول من نوعه وقبل وقوع الكارثة بيومين اي بتاريخ 21 ديسمبر 2024م ناشد مواطنين من داخل حي دار حامد ـ بني هلبة مربع (1) ومربع (12) داخل ذات المنطقة عبر جمعية صيانة الجسور ودرء الكوارث الجهات المسؤولة والمنظمات بالتدخل العاجل بعد أن بدأت المياه تحاصر المنطقة، إلا أن الاستجابة لم ترتقِ إلى مستوى الخطر.
▪︎ تحذيرات غرفة الطوارئ
و يؤكد عضو إعلام غرفة طوارئ جزيرة أبا النور آدم سلمان، في مقابلة لاغراض هذا التحقيق وهو من ضمن الاعلاميين الذين غطوا كارثة جزيرة ابا حيث كشف عن حجم الخلل الذي سبق الكارثة ورافقها عام 2024م ، و يقول النور “فالمعطيات على الأرض تشير إلى غياب شبه كامل للبنية الوقائية الأساسية المتمثلة في الحواجز الترابية لا تروس متماسكة، ولا مجاري مائية مهيأة لتصريف الفائض. وبدل أن تُحتوى المياه في مساراتها الطبيعية، اندفعت مباشرة نحو الأحياء السكنية، لتغمر المنازل خلال ساعات، في مشهد يعكس وجود خلل هيكلي في الاستعداد المبكر.
وبحسب النور آدم لم تسجل أي تدخلات استباقية تُذكر لتعزيز الجسور أو معالجة نقاط الضعف قبل الانهيار.
ويؤكد عضو إعلام غرفة طوارئ جزيرة أبا أن الاستجابة الرسمية لا تزال دون المستوى، مع غياب البنية التحتية الحيوية، خاصة التروس والمجاري المائية.
وأدى ارتفاع مناسيب المياه مع نهايات ديسمبر بحسب ما نقلت الجزيرة عن ناشطين لعدم صيانتها خلال العامين الأخيرين، ويعد ضعف الانحدار الهيدروليكي للنيل الأبيض بحسب مهندسين، إلى جانب التقاء المياه عند منطقة جبل أولياء، سبباً في انتشار المياه على مساحات واسعة من ضفاف النهر والقرى المجاورة. كما أن تراكم الطمي داخل الخزان يجعل البحيرة أكثر ضحالة بمرور الوقت، ما يؤدي إلى اتساع رقعة المياه.
وغمرت المياه أحياء واسعة داخل جزيرة أبا من اتجاهاتها الاربعة في سابقة غير معهودة، مما تسبب في سقوط مئات المنازل.

فيضان غير مسبوق
وقد تفاقمت الأوضاع بصورة غير مسبوقة مع نهاية عام 2024 إذ تضرر منها 17,679 شخص بشكل مباشر.
وتكشف الإحصاءات الميدانية التي قدمها امين الإعلام بهيئة شؤون الانصار للدعوة والارشاد كيان عقائدي بالمنطقة ـ : أحمد درديق في مقابلة عن حجم الكارثة الإنسانية التي خلفها الفيضان، إذ بلغ عدد الأسر المتضررة 3035 أسرة، بإجمالي 17,349 فرداً. كما أُصيبت 22 حالة أثناء الفيضان، بينها 9 نساء.
بحسب أحمد درديق ، في معسكر الطويلة الذي يقطنه اغلبية سكان منطقة غارالامام المهدي الذين تاثروا بكارثة الفيضان الاخيرة وكانت هذه المنطقة اقرب اليهم للجوء وخاصة انهم يمتلكون القوارب النيلية المحلية لصيد الاسماك فلذلك استغلوها في نقل امتعتهم
يقع هذا المعسكر بمحازاة منطقة الطويلة والتي تقع غرب النيل باتجاه جزيرة ابا على مقربة من مدينة كوستي من ناحية الجنوب ومن الشرق مناطق الفشاشوية ومنطقة قلي، فقد بلغ عدد الأسر 72 أسرة تضم 330 فرداً.
و خلال التقصي تباينت الآراء حول اسباب الفيضان، فحملت بعض الجهات قوات الدعم السريع مسئولية غرق قرى ومدن النيل الأبيض بسبب عدم فتح بوابات خزان جبل أولياء كما أشار المهندس الطيب محمد الحسن المدير العام الوزير المكلف لوزارة البني التحتية والتنمية العمرانية بالنيل الابيض، اذ رأى أن مناسيب النيل الأبيض تجاوزت كل معدلات الأعوام السابقة، وعزا ذلك لإغلاق خزان جبل اولياء بسبب قوات الدعم السريع.
فيما حمل خبراء آخرون الحكومة مسئولية الغرق لعدم صيانة الجسور الواقية، ومنهم المهندس أبوبكر محمد المصطفي خبير واستشاري البنية التحتية والموارد المائية والسدود في افادة بتاريخ 22 ديسمبر 2024م عازياِ الفيضان لتآكل الجسور في مناطق النيل الأبيض بفعل الامطار وعدم الصيانة.
▪︎ تآكل البنية الأساسية وغياب التحديث
ويري عروة الصادق من ابناء جزيرة ابا “35” عاماً ، وهو مساعد رئيس حزب الامة لشؤون الشباب أن الجزيرة تواجه مشكلة تآكل البنية الأساسية وغياب مشاريع الحماية وتجسد ذلك في آثار غياب التحديث وكارثة فيضان 2024-2025م
وإنتقد عروة الصادق الأداء الإداري المحلي خلال الأزمة، مشيراً إلى أن الاستجابة الرسمية ظلت محدودة وتعتمد على عدد قليل من الجرافات ومبادرات الأهالي وبعض تدخلات المنظمات.
مؤشر الخطر :
يعاود الفيضان في كل عام منطقة جزيرة ابا في شهر ديسمبر ليبلغ ذروته في شهر يناير مستمرا لشهركامل، مسببا خسائر فادحة لسكان المنطقة،
بينما يتصاعد مؤشر الخطر حول خزان جبل أولياء، وقتها كانت الحرب تقترب من واحد من أهم شرايين الزراعة والمياه في السودان.
ومنذ ذلك الوقت انتشرت تحذيرات رصدتها عدّة تقارير سيناريوهات مقلقة منها سد بلا إدارة فنية، بوابات تدار بلا مهندسين، ومياه تهدر في الاتجاه الخطأ. لكن مع استمرار القتال ابان الحرب التي اندلعت في منتصف ابريل 2023م تحولت تلك المخاوف إلى واقع.
الخزان الذي ظل لعقود أداة لضبط النيل الأبيض وتأمين الري لمشاريع واسعة جنوبه، وجد نفسه ابان الحرب التي اندلعت في منتصف ابريل 2023م خارج السيطرة الفنية، ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2023، سيطرت قوات الدعم السريع على منطقة جبل أولياء العسكرية التي توجد بها قاعدة جوية للجيش، كما سيطرت على الخزان الذي يوجد به جسر صغير يربط شرق النيل الأبيض بغربه. وسط غياب مهندسين التشغيل في الخزان بسبب الحرب وقتها كانت البوابات ظلت دون ادارة علمية.
ارتفعت أصوات المزارعين، بنداءات عاجلة وجهت إلى أطراف النزاع، تطالب السماح للفنيين بالوصول إلى السد وتشغيله وفق المعايير الهندسية. غير أن النداء كما يقول أحد المزارعين “ذهب مع الريح”.
• خزان جبل أولياء
وانشئ خزان جبل أولياء من سد حجري على نهر النيل الأبيض يقع على بعد 44 كيلومترا جنوب العاصمة الخرطوم، عام 1937، وظل تحت الإشراف الفني والإداري للحكومة المصرية، التي قامت ببنائه وفق اتفاقية بقبول قيام خزان سنار حتى تحفظ حقها في مياه النيل من دون أي تدخل من حكومة الحكم الثنائي التركي المصري أو الحكومات الوطنية بعد استقلال السودان.

ظل الخزان يمثل خط إمداد ثاني للمياه في مصر، إلى أن زالت أهميته لمصر بعد بناء السد العالي، وتم تسليمه إلى حكومة السودان عام 1977 للاستفادة منه في رفع منسوب المياه في المناطق أمام جسم السد وخلفه لري عدد من المشاريع الزراعية إلى جانب توليد الكهرباء.
ويبلغ طول الخزان 3 كيلومترات وعلوه 22 مترا، بارتفاع 381 مترا فوق سطح البحر، وهو مشيد بالحجارة الرملية بتقنيات قديمة تعود إلى القرن الـ19، وبالسد 50 بابا لتصريف المياه، 10 منها احتياطية وهي أبواب ميكانيكية قديمة.
▪︎ توثيق تاريخي للتهجير
وشكّل إنشاء خزان جبل أولياء في ثلاثينيات القرن الماضي نقطة تحول مفصلية في الجغرافيا الطبيعية والبشرية للمنطقة، حيث أدى إلى إغراق مساحات واسعة وتهجير تدريجي للسكان. بحسب ما جاء في دراسة اكاديمية خاصة اعدها لنا أعدها لنا خبير الصحة العامة وصحة البيئة د. عبدالماجد مردس بتاريخ (مارس 2026) لاغراض هذا التحقيق.
وبحسب الدراسة قبل إنشاء الخزان، اتسمت المنطقة بانتشار الجزر المأهولة، واستقرار المجتمعات الزراعية والرعوية، وترابط اجتماعي وثيق. لكن بعد قيامه، غمرت المياه الجزر، وفقدت الأراضي الزراعية، وظهرت مناطق معرضة للنحر.
• إختفاء 6 جزر صغيرة جنوب بحيرة السد
واختفت مالايقل عن (6) جزر صغيرة جنوب بحيرة السد غمرتها المياه بسبب انشاء خزان جبل أولياء.
و يشير الباحث في تاريخ المنطقة مصطفي خليل يحيي وهو من سكان جزيرة ابا إلي إن هنالك جزر اختفت عقب انشاء الخزان مثل جزيرة كندلة و مريسيل و جزيرة الحمير ، حيث أصبحت تظهر في موسم انحسار منسوب النيل داخل المياه
و كذلك هنالك جزيرة قبالة غار الامام المهدي الذي يقع في الاتجاه الغربي المجري الرئيسي للنيل كان يدخلها للتعبد لكنها اختفت تماما.
و من الجزر التي غمرتها المياه كانت هنالك جزيرة في الناحية الشماليه لجزيرة ابا وبالقرب من جزيرة المشالقة بالتحديد لكن مع غمر المياه للمنطقة انتقل اهلها الى شرق نهر الجاسر و اقاموا قرية هنالك تسمي بقرية اولاد ناصر وتارة “حلة حاج خالد”
و كذلك إثر الخزان في شبه جزيرة ام جر، مما كان سببا في نقل سكانها إلي خارجها.
ويؤكد مصطفى إن منطقة الكنوز الحالية ايضا تقع شمال جزيرة ابا كانت داخل جزيرة ايضا هي الاخري قبل إنشاء الخزان لكن مع زيادة منسوب المياه انتقل الاهالي إلي المنطقة الحالية.
وبينما كانت جزيرة ابا من قبل اندلاع الحرب الدائرة في السودان منذ منتصف ابريل 2023م تواجه مشكلة في انعدام الاحترازات الفنية لمجابهة مخاطر الفيضانات المتمثلة في عملية ردم الجسور.
وتكمن اهمية الجسور “الردميات” “الحواجز الترابية” في حماية المنطقة من مخاطر الفيضانات ولمنع تآكل التربة علي الشواطي ولسد اماكن تسرب المياه وكما انها تأمن المزارع حول النيل من الفيضانات هذه الجسور يتم مراجعتها وتعليتها بالتراب يبدأ منذ شهر مايو في كل عام.
ورغم أهميتها فقد قامت السلطات بحسب ما أخبرنا كبير مشرفي جسور النيل الأبيض محمد محمود بريمة المقيم داخل منطقة جزيرة ابا، تم سحب عدد (2) قلاب سعة 16 متراً مكعباً، ودوزر واحد، ولودر واحد، رغم جاهزيتها الفنية”.
وتسببت عملية السحب هذه في تفاقم ظاهرة “الهدام” على امتداد حزام جزيرة أبا بطول 37 كيلومتراً، مما شكل تهديداً مباشراً لسكان المنطقة.
وأشار بريمة إلى جهود وزارة الشؤون الهندسية بمحلية ربك في المساهمة بأعمال صيانة الجسور، مؤكداً في الوقت ذاته ضرورة دمج إدارة جسور النيل الأبيض إدارياً مع محلية ربك، بما يسهم في تسهيل الإشراف وتقريب مراكز اتخاذ القرار وتعزيز المتابعة الميدانية، الأمر الذي من شأنه طمأنة سكان جزيرة ابا، خاصة وأن الأعمال خلال الفترة الماضية كانت تُدار من محلية ربك.

▪︎ الإهمال الحكومي
وفيما يتعلق بأسباب الفيضانات الأخيرة في نهايات ديسمبر 2024م التي شهدتها جزيرة أبا، اعتبر بريمة أن ما حدث يعود إلى الإهمال وغياب الكوادر الفنية المتخصصة، لافتاً إلى أن بعض العاملين في الموقع لم يكونوا من ذوي الاختصاص وفي فيضان سابق حملت جمعية صيانة الجسور ودرء الكوارث بجزيرة أبا وزارة الري مسؤولية انهيار الجسر نتيجة الفيضان.
وتجدر الإشارة إلى أن جمعية صيانة الجسور ودرء الكوارث بجزيرة ابا، التي تكتفي بنشر انشطتها في صفحة غرفة طوارئ جزيرة ابا ولم يوجد لها صفحة رسمية علي فيسبوك تأسست الجمعية عام 2016م إبان حدوث فيضان في منطقة كرش الفيل واركويت وحلة نصر بجزيرة ابا، وأول رئيس لها هو مولانا عبدالرحمن آدم برة وهي جمعية تطوعية أهلية عقب السحب المفاجئ لوحدة الري والجسور لآلياتها من الجزيرة أبا إبان حكم نظام الانقاذ .
وكان من المتوقع أن تُرجِع وزارة الري، الوحدة التي تم سحبها في السابق إلى جزيرة أبا بكامل آلياتها ومعداتها منعاً لحدوث مثل هذه الكارثة، خاصة وأن هذا الفيضان ليس الأول، إذ ظلت جزيرة أبا تعاني من الفيضانات باستمرار وطُرحت العديد من الحلول في السابق، إلا أن الدولة لم تلجأ إليها.
واشار بريمة في مقابلتنا له الي أن الأمين العام لجمعية صيانة الجسور ودرء الكوارث بجزيرة أبا بتاريخ 16 / 12/ 2024م قام بالتنبيه مسبقاً إلى ضرورة صيانة نحو كيلومترين من خور الجعلين في 15 ديسمبر 2024م، مع تحذيرات من مختصين باحتمال تعرض الجزيرة لفيضانات، إلا أن هذه التحذيرات لم تلقي الاهتمام الكافي من وزير الري والموارد المائية – ادناه مرفق خطاب موجه للجهات المسؤولة.

وأوضح بريمة أن تجاهل التدخلات الفنية في الوقت المناسب، إلى جانب ضعف الإدارة.
وأشار بريمة إلى أن معالجة الردميات الترابية حول الشواطئ تتطلب تخطيطاً مبكراً يبدأ منذ شهر مايو في كل عام، مع استخدام تربة مناسبة ذات مواصفات فنية، نظراً لأن عرض الجسر يصل إلى نحو 50 متراً، ما يجعله عرضة للتآكل والانهيار مع الأمطار وارتفاع مناسيب النيل إذا لم تتم صيانته وفق المعايير المطلوبة.
وفي رد سابق من وزارة الري والموارد البشرية الاتحادية، إبان فيضانات عام 2021م على اتهامات جمعية صيانة الجسور ودراء الكوارث بالجزيرة ابا تجاه مسؤوليتها من إنهيار في الجسر نتيجة فيضان النيل حيث ردت الوزارة : “إنها تسعى إلى إنشاء مكتب للجسور بالجزيرة أبا وتزويده بجميع الآليات للتدخل عند حدوث أي طارئ، كما يمكن الاستفادة من الآليات في ردم الطرق الرئيسية”.
وأشارت وزارة الري في ذلك الوقت بالفعل انها يقع على مسؤوليتها قفل الخزان في فترة الملأ ، بينما أوضحت أن الرياح الشمالية الغربية هي التي أثرت بشكل كبير في كل المناطق التي تقع على الشريط النيلي، بما في ذلك جزيرة أبا، مؤكداً أن الموضوع ليس بتلك الخطورة وستتم السيطرة عليه.
وفي مقابلة خاصة بغرض هذا التحقيق يري وزير الري والموارد المائية المهندس ضوء البيت عبد الرحمن، ـ تسجيل صوتي ـ إن “خزان جبل أولياء سليم من الناحية الإنشائية، وما أُشيع حول تأثره تقنياً غير دقيق”.
وأضاف الوزير “أن هناك احتياجات فنية تتطلب تدخل المختصين، مشيراً إلى تواصل الوزارة مع الجهات المعنية لتسهيل وصول المهندسين والفنيين لإجراء المعالجات اللازمة.
وأوضح ضو البيت أن الخزان يحتاج إلى مراجعة وصيانة لبعض البوابات، بالإضافة إلى الجزء الغربي من الردميات، لافتاً إلى أن تجاوز الحمولات المسموح بها على جسم الخزان خلال فترة الحرب، نتيجة غياب الضبط، تسبب في إشكالات فنية.
وأشار الوزير إلى أن الوزارة بصدد وضع معالجات جذرية بالتنسيق مع وزارة المالية لتوفير الميزانيات اللازمة، سواء عبر الموارد المحلية أو من خلال الدعم الخارجي، بما يضمن عودة الخزان للعمل بكامل كفاءته.
وأكد وزير الري والموارد المائية أن الخزان يحقق حالياً أهدافه التشغيلية بصورة طبيعية خلال الموسمين الصيفي والشتوي، وأن مناسيب المياه ظلت تحت السيطرة رغم التحديات.
• هل تمتلك الدولة خطة إستراتيجية لحماية جزيرة ابا من الفيضانات؟
عدنا مرة آخري و إستفسرنا الجهات المسؤولة غما إذا كانت هنالك خطة استراتيجية لحماية جزيرة أبا من مخاطر الفيضانات والتآكل، خاطبنا وزارة الري والموارد المائية الاتحادية، وبدورها أحالت الاستفسار إلى إدارة خزان جبل أولياء بوصفها الجهة الفنية المعنية.
وفي رده تحدث لنا مدير خزان جبل اولياء المهندس سامي سالم عن أعمال صيانة دورية للجسور ومسوح سنوية لمناطق الهشاشة، وتنسيق مع وزارة البنية التحتية، إضافة إلى مشروع رصيف حجري تمت إجازته وتأخر تنفيذه بسبب الظروف التي تمر بها البلاد.
غير أن إفادة مدير خزان جبل اولياء لم تتضمن ما يؤكد وجود خطة استراتيجية شاملة ومعلنة لحماية جزيرة أبا على المدى الطويل، بل ركزت على إجراءات فنية ومشروعات متفرقة ذات طابع تنفيذي. وبذلك لم نتمكن من الحصول على تصريح رسمي يثبت وجود خطة استراتيجية معتمدة، كما لم نتلق نفياً صريحاً لوجودها، الأمر الذي يترك تساؤلات مشروعة حول طبيعة التدابير طويلة الأجل لمواجهة المخاطر المتكررة التي تهدد جزيرة ابا وسكانها.
▪︎ نتائج الفيضان والإهمال
رئيس مجلس إدارة مستشفى جزيرة أبا علي أحمد علي قال لنا ان القطاع الصحي واجه تحديات مركبة تزامنت فيها كارثة الفيضان مع تفشي وباء الكوليرا، ما وضع الكوادر الصحية أمام اختبار صعب.”

ويقول احمد علي، في تقرير قدمه لفريق التحقيق ان المستشفي استقبل يوم واحد 31 حالة في مركز العزل مشيراً إلى أن إجمالي الإصابات بالكوليرا خلال فترة الكارثة بلغ نحو 1023 حالة، مع تسجيل 7 وفيات وتم اغلاق مركز العزل في شهر مارس 2025م.
▪︎ الأمطار والسيول تعقد المشهد
ومن المؤكد أن الأمطار والسيول المحلية تعقد المشهد في ظل ضعف شبكات التصريف، وسط تحذيرات من تداعيات صحية خطيرة تشمل انتشار الأمراض المنقولة بالمياه مثل الإسهالات الحادة، والأمراض المرتبطة بالبعوض مثل الملاريا، الي جانب تلوث مصادر مياه الشرب.
وتابع فريق التحقيق في عام 2017م سجلت (31) إصابة بالإسهال المائي في جزيرة ابا و (14) وفاة خلال اسبوعين وفي فيضان 2024م ارتفعت حالات الاسهالات المائية لأكثر من 10 حالة سجلت المنطقة اصابات بالإسهال المائي، نتيجة فشل المواطنين في الحصول على مياه شرب نظيفة، بعدما أدت الفيضانات إلى تفاقم حالات المئات من الأسر، وتسببت في انتشار الأمراض والأوبئة.
التحديات بحسب ما تحدث لنا عنها علي احمد لم تقتصر على الجانب الصحي، بل شملت تعقيدات ميدانية واسعة، حيث ارتفعت مياه الفيضان بسرعة حتى اقتربت من سرايا الإمام الهادي واشار الي أن الفرق الطبية واجهت نقصاً حاداً في الإمدادات والكوادر، وشحاً في مياه الشرب النقية، وصعوبة في توفير الغذاء، إلى جانب انقطاع معظم الطرق المؤدية إلى جزيرة ابا، ما جعل الوصول إليها شبه معزول.
▪︎ إخفاقات متراكمة
ويرى رئيس تجمع مزارعي النيل الأبيض، يوسف الحسني، في افادة خاصة بغرض هذا التحقيق أن الفيضان كان كارثة حقيقية نتيجة إهمال من سلطات الولاية.
وقال الحسني إنه أبلغ وزيرة الزراعة قبل اشهر أشهر من وقوع الكارثة ابلغ بخطورة موقف النيل وطلب بتوفير آليات لتأمين مناطق الهشاشة، إلا أن السلطات لم تتحرك إلا بعد وقوع الفيضان.
وأشار إلى أن الفيضان دمر أكثر من أربعة آلاف منزل، وأتلف نحو 450 فداناً من المحاصيل الشتوية في مشروع الرحمانية بمنطقة كرش الفيل، و 200 فدان في مشروع طيبة بمنطقتي دار السلام والحلة الجديدة، مما أدى إلى تهجير المواطنين إلى منطقة شرق الجاسر.

وأبدي الحسني حسرته من عدم عودة بعض الأسر في انها ما تزال تقيم في المعسكرات لعدم قدرتها على العودة بعد فقدان ممتلكاتها، بينما عاد آخرون إلى مساكن مؤقتة من القش أو الخيام. وقال أن المزارعين لم يتلقوا أي دعم، ما أدى إلى توقف الزراعة وهروب المستثمرين وغياب التمويل المصرفي في ظل ظروف الحرب.
▪︎ خسائر كبيرة تعرض لها المزارعين
لم يكن أحمد عبد الله محمد إبراهيم (40) عاما يتوقع أن تنقلب حياته بهذا الشكل. فقد كان يعمل فني ديكور في الخرطوم ويقيم فيها حتى اندلاع الحرب في منتصف أبريل/نسيان 2023م مما اضطره الي النزوح نحو قرية التمرين في الجزء الشمالي داخل جزيرة أبا.
هناك حاول أحمد بدء حياة جديدة بالاتجاه إلى العمل الزراعي، مستثمرا في زراعة القمح تحديدا. وفي منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2024م قام بزراعة نحو اربعة أفدنة، بكلفة بلغت 2000دولار لكن فيضان النيل الأبيض الذي ضرب المنطقة في 22ديسمبر /كانون الأول بسببه فقد زراعته وكل شيء.
▪︎ مطلوب دراسات تنبؤية
ويقول عبدالله موسى مهندس مدني وهو من ابناء المنطقة ان الجسور الواقية تحتاج إلى إزالة الطمي والرواسب المتراكمة بصورة دورية، ما يفرض خيارين أساسيين: إما رفع الجسور وزيادة ارتفاعها، أو تنفيذ صيانة دورية مدروسة للخزان للحد من تراكم الرواسب.
▪︎ خطط إدارة مائية وتحذيرات مبكرة
وأكد موسى أن جزيرة أبا تحتاج إلى خطط إدارة مائية واضحة ومبنية على خرائط تفصيلية، تتولاها الجهات المختصة بالإدارة المائية في المنطقة. كما شدد على ضرورة إصدار تحذيرات مبكرة للسكان مثل التي اطلقتها المنظمات المحلية والفاعلين في السنوات ذات المخاطر العالية، مع تخصيص ميزانية طوارئ لدعم أعمال تقوية الجسور وحماية المواطنين من أخطار الفيضانات.
وأشار إلى أهمية دور الإدارات المحلية والمجتمعية، بما في ذلك الشباب والكشافة والمتطوعون، في تنفيذ أعمال احترازية مثل إنشاء تروس وسواتر ترابية في المناطق المنخفضة المعروفة تاريخياً بتجمع مياه الأمطار والسيول.
وقال موسي غير انه مهندس وبحكم عمله في الزراعة أن بعض أجزاء الجزيرة وخاصة الاحياء القريبة من الشواطئ تعد مناطق منخفضة بطبيعتها، ما يجعلها أكثر عرضة للغمر عند ارتفاع منسوب النيل أو خلال مواسم الأمطار الغزيرة، الأمر الذي قد يؤدي أحياناً إلى تسرب المياه إلى الأحياء السكنية.
▪︎ مقترح انشاء إدارة هندسية محلية متخصصة
واقترح موسى إنشاء إدارة هندسية محلية متخصصة في جزيرة أبا، تكون مهمتها إعداد الخطط الفنية وإدارة صندوق مالي للطوارئ، بحيث تتوفر آلية واضحة للتنسيق مع الجهات المسؤولة عن الإدارة المائية، والاستجابة السريعة عند حدوث السيول أو الفيضانات.
▪︎ ما الذي سيجري في المستقبل ؟
وحذر خبير الصحة العامة وصحة البيئة، والعضو بجمعية الملكية لتعزيز الصحة – المملكة المتحدة د. عبدالماجد مردس أحمد، من مخاطر متزايدة في المستقبل تهدد بزوال جزيرة ابا خلال 80 إلى 100عام نتيجة ضعف صيانة الجسور وارتفاع معدلات الأمطار. وقال أن ارتفاع مناسيب النيل الأبيض، بالتزامن مع اندفاع مياه النيل الأزرق عند ملتقاهما في الخرطوم، قد يؤدي إلى ما يُعرف بـ”تأثير رجوع المياه”، ما يبطئ التصريف ويرفع منسوب المياه في المناطق المنخفضة.
وأشار عبدالماجد إلى أن ضعف ردميات الجسور وظهور التشققات والجحور، إلى جانب النحر المستمر، يزيد من احتمالات الانهيار المفاجئ وغمر المناطق السكنية والزراعية.
▪︎ أزمة تتجاوز الفيضان الموسمي
ويؤكد الخبير البيئي د. بشرى حامد الجبلابي من سكان منطقة جزيرة أبا أن احتمالات غمر الجزيرة بالكامل لم تعد مرتبطة بإطار علي المدي البعيد، بل قد تحدث بصورة متسارعة في ظل استمرار التغيرات المناخية مع ضعف الإدارة الفنية للموارد المائية. ويوضح، استناداً إلى سيناريوهات النمذجة الهيدرولوجية، أن ارتفاع منسوب المياه بمتر واحد فقط كفيل بإغراق المناطق المنخفضة في الجزيرة، بينما يؤدي ارتفاعه إلى مترين إلى تضاعف نطاق الغمر بشكل سريع، ومع تجاوز ثلاثة أمتار ستغرق الجزيرة ابا بالكامل.
وذكر المتحدث ان جزيرة ابا تبعد عن خزان جبل اولياء جنوبا على بعد حوالي ثلاثمائة كيلومتر و تعاني الجزيرة من مشكلة انحدار بحيث الانحدار ضعيف جدا من خمسة لي سبعة سنتيمتر لكل كيلو متر و أيضا سرعة جريان المياه منخفضة و هي من السهول القمرية لذلك اي تغيير في تشغيل الخزان او زيادة وارد المياه و الامطار من منابع النيل الأبيض لديها تاثير سريع و كبير جدا على جزيرة ابا خاصة مع التغييرات المناخية و هذا هو السيناريو الذي يحدث فيها و التهديد ياتي هنا من هذه العوامل.
وتابع : قبل أنشاء الخزان كانت الجزيره أبا مستقرة و ليست لها مشكلة لديهم الزراعة الفيضية و الجروف لكن بعد قيام الخزان هناك مساحات تعرضت لغمر بالمياه و هذه هي المشكلة الكبيرة جدا.
ويؤكد الخبير ان التأثيرات البيئية كثيرة مثل المواد العضوية والطحالب و نفوق أسماك لان انخفاض الأوكسجين و تغيير التنوع الحيوي و النظام البيئي أيضا تحول من نظام نهري إلي شبه بحيري وبالتالي اختفاء بعض النباتات و الأنواع المختلفه و ظهرت نباتات اخري مثل ورد النيل. وايضا اثر الخزان في الزراعة الفيضية بعد ان افقدها خصوبتها.
وبالنسبة للمخاطر المستقبلية اذا حدث إغلاق للخزان بالاصافة للتغيير المناخي مع زيادة معدل الأمطار في حوض النيل الاستوائية و بالتالي سيزيد الوارد المائي وهذا الذي يحدث الان وانه الخزان سعته محدودة جدآ و الجزيره هي عبارة عن منطقة منخفضة و الانحدار فيها ضعيف واذا هناك فيضانات متكررة بالسيناريو العادي يحدث فقدان جزئي للأراضي و يحدث نحت و غمر للأراضي و تقل مساحة الجزيره أبا او غمر دائم و بالتالي تآكل دائم للتربة إذن الآن تغيير النظام من الطبيعي إلي حاجة متحكم بها و الخزان يحجز طبعا تلاتة مليار و نصف متر مكعب هذه طبعا غيرت من النظام الهيدروليكي الطبيعي إلي هذه المسألة وهذه نذكرها بحسابات تقريبية للشي المتوقع.
وأوضح أن تذبذب الأمطار واختلال توقيتات الفيضان زادا من تعقيد إدارة المياه، خاصة في المناطق الحساسة، مشدداً على ضرورة دقة تشغيل المنشآت المائية.
وفي الوقت الذي لم توجد فيه استراتيجية واضحة من قبل الجهات المسؤولة لحماية الجزيرة ابا وبالمقابل انتقد د.بشري غياب الاستراتيجية الوطنية للتكيف مع التغير المناخي، وضعف ضعف الاستفادة من التمويلات الدولية الموجودة في، البنك الدولي، بنك التنمية الأفريقي (GEF. GCF. UNEP) إلى جانب ضعف التنسيق المؤسسي متمثلا في وزارة الري والموارد المائية والجسور بالجزيرة ابا وادارة خزان جبل أولياء.
وأكد أن الجزيرة أبا تواجه تهديداً بيئياً مستداماً يتطلب الانتقال إلى التخطيط طويل الأمد، عبر برامج متكاملة لحماية الجسور وإدارة المياه وتعزيز البنية التحتية، بمشاركة الحكومة والمجتمع المحلي والمؤسسات الأكاديمية.
وقال الخبير البيئي د. بشرى حامد الجبلابي إن إنقاذ الجزيرة أبا يتطلب إرادة سياسية حقيقية وتوظيفاً فعالاً للتمويل الدولي، لتحويلها من منطقة مهددة إلى نموذج للتكيف البيئي المستدام.
• عالقون بالمعسكر ومخاوف العودة
وبحسب إفادة خاصة بغرض هذا التحقيق من المؤسسة لجمعية الصحة النفسية والاجتماعية بجزيرة ابا الباحثة فاطمة الصادق، فإن تدهور الأوضاع في المعسكر لا تزال قائمة دون تدخلات كافية، ما يعكس فجوة واضحة في الاستجابة الإنسانية واستمرار حالة تدهور الأوضاع داخل المعسكر. وكشفت عن تمسك نحو 200 أسرة بالبقاء داخل المعسكر حتى الآن، في ظل أزمة نفسية متفاقمة ومخاوف مستمرة من تجدد الكارثة حال عودتهم داخل جزيرة ابا.

وفي إفادات لبعض المتضررين المقيمين بالمعسكر عبروا عن خشيتهم من العودة إلى منازلهم و إعادة اعمارها لجهة تخوفهم من حدوث فيضان آخر ، و يؤكد مساعد التحقيق الذي التقي ببعض المتضررين إن التوجس وعدم الثقة ما يزال يسيطر على المتضررين ، و نقل رفضهم لإجراء اي مقابلات ، مما دفعه للخروج مسرعا من المعسكر بعد إن وجهوا له اتهامات بانه بريد الحصول على معلومات منهم لصالح الجهات الحكومية التي يعتقدون أنها تريد إعادتهم إلي منازلهم المنهارة.




