عبدالله موسى يكتب : التاريخ مرآة المجتمعات

التاريخ مرآة المجتمعات
مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
عبدالله موسى احمد
إن مقولة التاريخ مرآة المجتمعات تكتسب أهمية خاصة عند تناول الحالة السودانية. لأن السودان ليس مجرد دولة شهدت تعاقب أنظمة سياسية وثورات شعبية لكنه هو فضاء تاريخي معقد تشكل عبر تفاعل المركز والهامش والصراع على السلطة والثروة والهوية. ومن هذا المنطلق فإن قراءة التاريخ السوداني ليست ترفاً فكرياً بل ضرورة لفهم جذور الأزمة الراهنة التي انفجرت في حرب أبريل 2023 وما تبعها من تحولات سياسية وعسكرية واجتماعية عميقة.
يمثل التاريخ والسياسة صراع بين المركز والهامش
منذ استقلال السودان عام 1956.
فظل النظام السياسي السوداني محكوماً بهيمنة النخب المركزية في وادي النيل بينما شعرت مناطق واسعة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق وشرق السودان بالتهميش السياسي والاقتصادي. وقد أنتج عن هذا الواقع سلسلة من الحروب والتمردات والثورات التي حملت مطالب إعادة توزيع السلطة والثروة.
وهنا يذهب عدد من الباحثين إلى أن الأزمة السودانية ليست مجرد أزمة حكم لكنها أزمة بناء دولة وطنية لم تستطع استيعاب التنوع الإثني والثقافي والجغرافي الكثيف. ولذلك فإن كثيراً من الحركات المسلحة رفعت شعارات العدالة والمواطنة المتساوية والتنمية المتوازنة باعتبارها مدخلاً لحل المعضلة التاريخية.
ومن هذه الزاوية يرى أنصار تحالف تأسيس وقوات الدعم السريع والقوى المدنية الاخرى أن الحرب الحالية تمثل امتداداً لصراع تاريخي بين المركز والهامش وأنها محاولة لإعادة تشكيل الدولة السودانية على أسس جديدة أكثر شمولاً. بينما يرى معارضو هذا الطرح أن اللجوء إلى القوة العسكرية يهدد وحدة الدولة ويقود إلى مزيد من الانقسام والعنف.
ان البعد الاجتماعي يمثل الهوية والاندماج الوطني
وهنا يكشف التاريخ السوداني أن معظم الصراعات لم تكن عسكرية فقط بل ارتبطت أيضاً بأسئلة الهوية والانتماء. فالسودان بلد متعدد الأعراق والثقافات واللغات إلا أن إدارة هذا التنوع ظلت محل جدل دائم.
لقد أظهرت الثورات السودانية المتعاقبة منذو ثورة أكتوبر 1964 إلى انتفاضة أبريل 1985 ثم ثورة ديسمبر 2018 أن الجماهير السودانية قادرة على تجاوز الانقسامات الجهوية عندما تتوحد حول مطالب الحرية والعدالة. غير أن الفشل في معالجة جذور التهميش أعاد إنتاج الأزمات بصورة متكررة.
واليوم أدت الحرب إلى أكبر موجة نزوح ولجوء في تاريخ السودان الحديث مما أعاد تشكيل البنية الاجتماعية للمجتمع السوداني وخلق تحديات تتعلق بالتعايش وإعادة الإعمار والمصالحة الوطنية.
ام البعد الثقافي يمثل فى التاريخ كساحة للصراع الرمزي. فالثقافة ليست منفصلة عن السياسة. ففي السودان ظل التاريخ نفسه محل تنافس بين سرديات مختلفة. فهناك من يركز على تاريخ الدولة المركزية ومؤسساتها وهناك من يسلط الضوء على تاريخ المجتمعات المحلية والأقاليم المهمشة.
ومن هنا برز مفهوم ثورة الهامش باعتباره محاولة لإعادة كتابة الرواية الوطنية من منظور الفئات التي شعرت بالتهميش لعقود طويلة. ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الثقافة السودانية لا يمكن اختزالها في هوية واحدة لكن هي نتاج تفاعل عشرات الثقافات والمكونات الاجتماعية.
لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا التنوع إلى مصدر قوة وطنية بدلاً من أن يصبح أداة للاستقطاب السياسي أو التعبئة العسكرية.
ام البعد الاقتصادي يتمثل فى جذور الصراع على الموارد وإذا كان التاريخ السياسي يفسر جانباً من الأزمة فإن الاقتصاد يفسر جانباً آخر لا يقل أهمية. فقد ارتبطت معظم النزاعات السودانية بسوء توزيع الموارد والتنمية غير المتوازنة.
فالمناطق التي شهدت النزاعات المسلحة كانت في كثير من الأحيان من أغنى مناطق السودان بالموارد الطبيعية لكنها ظلت الأقل استفادة من عائداتها. ولذلك تحولت مطالب التنمية والخدمات والبنية التحتية إلى جزء أساسي من الخطاب السياسي للحركات المسلحة والقوى المناهضة للمركز.
كما أن الحرب الحالية عمقت الأزمة الاقتصادية بصورة غير مسبوقة من خلال تدمير البنية الإنتاجية وتعطيل التجارة والاستثمار وزيادة معدلات الفقر والنزوح مما جعل إعادة بناء الاقتصاد شرطاً أساسياً لأي تسوية سياسية مستقبلية.
الثورات السودانية بين التغيير وإعادة إنتاج الأزمة
تكشف قراءة التاريخ السوداني. أن الثورات الشعبية نجحت مراراً في إسقاط أنظمة الحكم لكنها لم تنجح دائماً في بناء عقد اجتماعي جديد يعالج جذور الأزمة. ولذلك ظل السودان يدور في حلقة متكررة من الثورة والانتقال والانتكاس.
وتبرز الحرب الحالية بوصفها لحظة تاريخية فارقة ستحدد شكل الدولة السودانية لعقود قادمة. فسواء انتهت بانتصار طرف على آخر أو بتسوية سياسية شاملة فإن السؤال الجوهري سيظل قائماً كيف يمكن بناء دولة تستوعب المركز والهامش معاً وتحقق العدالة والتنمية والمواطنة المتساوية؟
ان التاريخ السوداني يقدم درساً بالغ الأهمية فالمجتمعات التي تتجاهل أسباب أزماتها تعيد إنتاجها بأشكال جديدة. ومن هذا المنطلق فإن فهم العلاقة بين المركز والهامش وبين الثورات والحروب وبين السلطة والهوية والتنمية ليس مجرد قراءة للماضي لكنها محاولة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.
فالتاريخ كما قيل ليس سجلاً للأحداث فقط لكنه مرآة تعكس صورة المجتمع بكل تناقضاته وطموحاته. وفي حالة السودان تكشف هذه المرآة أن السلام الدائم لن يتحقق عبر الغلبة العسكرية وحدها ولا عبر الشعارات السياسية وحدها وإنما عبر مشروع وطني جامع يعترف بالتنوع والتعدد ويعالج التهميش التاريخي ويؤسس لدولة تقوم على العدالة والمواطنة وسيادة القانون.




