مقالات

هل يحتاج السودان إلى إصلاح النظام الجنائي أم إلى تأسيسه من جديد؟

العدالة بعد الانهيار ( 1 _ 1 )
هل يحتاج السودان إلى إصلاح النظام الجنائي أم إلى تأسيسه من جديد؟

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
عبدالله موسى احمد

عندما تصبح سيادة القانون مشروعاً لإعادة بناء الدولة
ان الحرب التي اندلعت في السودان في الخامس عشر من أبريل 2023 لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين متحاربتين لكنها كانت لحظة كاشفة لانهيار عميق أصاب بنية الدولة ومؤسساتها القانونية والإدارية. فقد انهارت منظومات الضبط الاجتماعي وتعطلت المحاكم والنيابات وأجهزة الشرطة في مناطق واسعة من البلاد وتراجعت سلطة القانون أمام سلطة السلاح ولتجد الدولة السودانية نفسها أمام سؤال وجودي يتجاوز حدود السياسة إلى جوهر الفكرة القانونية للدولة كيف يمكن إعادة بناء العدالة في مجتمع مزقته الحرب؟
إن النقاش الدائر حول مستقبل العدالة الجنائية في السودان لا يتعلق فقط بإصلاح بعض القوانين أو إعادة تأهيل المؤسسات المتضررة وإنما يرتبط بمسألة أكثر عمقاً تتصل بطبيعة الدولة التي يسعى السودانيون إلى بنائها بعد الحرب.

فهل تكفي عملية الإصلاح؟ أم أن حجم الانهيار يستدعي تأسيس نظام جنائي جديد يعكس واقع السودان المتعدد ويعالج الاختلالات التاريخية التي ساهمت في إنتاج الأزمات المتلاحقة؟
ان العدالة الجنائية بين الدولة والشرعية في الفقه القانوني الحديث لا تُقاس قوة الدولة بعدد جنودها أو حجم مواردها بل بقدرتها على فرض سيادة القانون وحماية الحقوق والحريات العامة. فالدولة التي تعجز عن ضمان العدالة تفقد تدريجياً جزءاً من شرعيتها الأخلاقية والقانونية.


لقد نظر الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو إلى استقلال القضاء باعتباره الضمانة الأساسية لحماية الحرية زبينما رأى الفقيه النمساوي هانز كلسن أن شرعية الدولة تنبع من احترامها للنظام القانوني وليس من امتلاكها أدوات القوة وحدها. أما عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر فقد اعتبر احتكار الدولة للاستخدام المشروع للقوة أحد أهم مرتكزات الدولة الحديثة.
وفي الحالة السودانية تعرضت هذه المرتكزات الثلاثة لهزة عنيفة خلال الحرب إذ تراجعت سلطة القانون وتعددت مراكز القوة وانقسمت مؤسسات الدولة مما أوجد فراغاً قانونياً وأمنياً واسعاً انعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين.
من هنااهل فشل النظام الجنائي أم فشلت الدولة؟


قد يبدو للوهلة الأولى أن أزمة العدالة الجنائية السودانية هي أزمة مؤسسات غير أن القراءة الأعمق تكشف أنها في جوهرها أزمة دولة. فالنظام الجنائي لم ينشأ في فراغ لكنه تشكل عبر عقود طويلة في ظل بيئة سياسية اتسمت بالانقلابات العسكرية والصراعات الأيديولوجية وضعف المشاركة السياسية والتفاوت التنموي بين المركز والأقاليم.


ومن ثم فإن الحرب لم تخلق الأزمة من العدم ولكن كشفت هشاشة تراكمت عبر سنوات طويلة. فحين انهارت مؤسسات الدولة في بعض المناطق عادت المجتمعات المحلية إلى أنماط بديلة من العدالة تستند إلى الأعراف القبلية والصلح الأهلي والسلطات التقليدية وهو ما يؤكد أن العلاقة بين القانون الرسمي والمجتمع ظلت علاقة غير مكتملة منذ تأسيس الدولة السودانية الحديثة.


فبين مدرسة الإصلاح ومدرسة إعادة التأسيس
ينقسم الباحثون القانونيون عادة إلى اتجاهين عند التعامل مع الدول الخارجة من النزاعات.
الاتجاه الأول يرى أن الإصلاح المؤسسي هو الخيار الأفضل ويستند إلى فكرة الاستمرارية القانونية للدولة. ووفق هذا التصور يمكن إعادة تأهيل القضاء والشرطة والنيابة العامة ومراجعة التشريعات القائمة وتعزيز استقلال المؤسسات العدلية دون الحاجة إلى هدم البناء القانوني القائم.


أما الاتجاه الثاني فيرى أن الانهيار الشامل الذي أصاب الدولة السودانية يتجاوز حدود الإصلاح التقليدي وأن إعادة إنتاج المؤسسات القديمة قد تؤدي إلى إعادة إنتاج المشكلات ذاتها. ولذلك يدعو هذا الاتجاه إلى تأسيس عقد قانوني جديد ينطلق من الواقع السوداني الراهن ويستجيب لتحولات المجتمع بعد الحرب.
والحقيقة أن السودان قد يحتاج إلى مقاربة وسطية تجمع بين الإصلاح والتأسيس في آن واحد إصلاح ما يمكن إصلاحه من المؤسسات القانونية القائمة مع إعادة تأسيس الفلسفة التي يقوم عليها النظام الجنائي نفسه.


ان العدالة في دولة متعددة وتكمن خصوصية السودان في كونه مجتمعاً متعدداً إثنياً وثقافياً ولغوياً ودينياً. ولذلك فإن أي مشروع للعدالة بعد الحرب يجب أن ينطلق من الاعتراف بهذا التنوع بوصفه مصدراً للثراء الوطني لا سبباً للصراع.
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن النظم القانونية التي تتجاهل التنوع الاجتماعي غالباً ما تفقد قدرتها على تحقيق العدالة الفعلية. فالقانون لا يعيش في النصوص وحدها بل يكتسب مشروعيته من قدرته على التعبير عن ضمير المجتمع.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى نظام جنائي يقوم على مبدأ المواطنة المتساوية بحيث تكون الحقوق والواجبات مرتبطة بالصفة القانونية للمواطن لا بالانتماء القبلي أو الجهوي أو الديني أو السياسي.


كما ينبغي أن يفسح النظام الجديد مجالاً للاستفادة من آليات العدالة التقليدية والصلح الأهلي المتجذرة في المجتمعات السودانية على أن يتم ذلك ضمن إطار دستوري يحترم حقوق الإنسان ويمنع أي تمييز أو انتقاص من الحقوق الأساسية.
هل العدالة الانتقالية ضرورة وليست ترفاً؟
لا يمكن الحديث عن مستقبل العدالة الجنائية في السودان دون التوقف عند مسألة العدالة الانتقالية. فالحروب لا تنتهي بمجرد توقف إطلاق النار لكنها تترك وراءها إرثاً ثقيلاً من الانتهاكات والضحايا والجراح الاجتماعية.
إن بناء السلام المستدام يقتضي الجمع بين المساءلة القانونية والمصالحة المجتمعية. فلا سلام بلا عدالة ولا عدالة بلا حقيقة ولا حقيقة بلا اعتراف بالانتهاكات التي وقعت خلال سنوات الحرب.


ولذلك فإن إنشاء آليات مستقلة للتحقيق في الجرائم والانتهاكات وتعويض الضحايا وجبر الضرر وضمان عدم الإفلات من العقاب يمثل جزءاً أساسياً من عملية إعادة بناء الدولة واستعادة الثقة في القانون.
هل نحتاج لفلسفة جديدة للعقوبة؟
أحد الدروس الكبرى التي أفرزتها التجارب الحديثة هو أن العقوبة وحدها لا تكفي لمعالجة الجريمة. فالفقر والتهميش والنزوح والبطالة وتفكك المؤسسات التعليمية كلها عوامل تغذي السلوك الإجرامي وتعيد إنتاجه.


ولهذا ينبغي أن ينتقل السودان من مفهوم العدالة العقابية الضيق إلى مفهوم العدالة الإصلاحية والتصالحية التي تنظر إلى الجريمة باعتبارها ظاهرة اجتماعية تحتاج إلى معالجة جذورها وليس فقط معاقبة نتائجها.
فالهدف النهائي للقانون الجنائي ليس ملء السجون وإنما حماية المجتمع وصون كرامة الإنسان وتعزيز السلم الاجتماعي.


ان القانون بوصفه طريقاً إلى المستقبل
فنجد إن السودان يقف اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة. فالحرب التي دمرت المدن وأضعفت المؤسسات وعمقت الانقسامات كشفت في الوقت نفسه الحاجة الملحة إلى إعادة التفكير في أسس الدولة ومفهوم العدالة وموقع المواطن داخل المنظومة القانونية.
ولعل التحدي الأكبر لا يكمن في إعادة بناء المحاكم أو إصدار قوانين جديدة فحسب وإنما في إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة. فالدول لا تستقر بالقوة المجردةةوإنما تستقر عندما يشعر الناس أن القانون يحميهم جميعاً على قدم المساواة.


إن العدالة التي يحتاجها السودان ليست عدالة المنتصر والمهزوم ولا عدالة المركز والهامش ولا عدالة السلاح والغلبة وإنما عدالة المواطنة وسيادة القانون. عدالة تجعل الحقوق مصونة والحريات مكفولة والكرامة الإنسانية فوق كل اعتبار.


وعندما يصبح القانون هو المرجعية العليا للجميع وتصبح المواطنة أساس الانتماء يمكن للسودان أن ينتقل من مرحلة إدارة آثار الحرب إلى مرحلة بناء دولة حديثة تتسع لتنوعه الواسع وتؤسس لسلام دائم يستمد قوته من العدالة لا من موازين القوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى