عندما يذكر اتحاد جبال النوبة يذكر يوسف كوة مكى

عندما يذكر اتحاد جبال النوبة يذكر يوسف كوة مكى
مركز الاشتدامة للتنمية والاستينارة
كتب : عبدالله موسى احمد
يظلّ إقليم جبال النوبة واحداً من أكثر مناطق السودان تعقيداً من حيث البنية الاجتماعية والسياسية ليس فقط بسبب التنوع الإثني والثقافي الذي يميّزه وإنما أيضاً بفعل التهميش الظولى السودانية التاريخي الذي عاشته المنطقة فى فترات الحكومات الوطنية المتعاقبة. وفي قلب هذا المشهد برز اسم يوسف كوة مكي بوصفه أحد أبرز القادة الذين أعادوا تعريف القضية النوبية داخل دولة السودان القديم عبر مشروع سياسي تجاوز حدود المطالب المحلية الضيقة إلى رؤية أوسع تتعلق بإعادة بناء الدولة السودانية على أسس العدالة والمواطنة المتساوية.
ومن بين أبرز المحطات التي ارتبطت باسمه تجربة اتحاد جبال النوبة الذي شكّل إطاراً سياسياً واجتماعياً حاول فيه توحيد أبناء المنطقة حول قضية مشتركة في مواجهة التهميش السياسي والاقتصادي والثقافي. ولم يكن الاتحاد مجرد جسم تنظيمي عابر ولكنة مثّل تحوّلاً نوعياً في وعي النخب النوبية بطبيعة الصراع داخل السودان القديم وبحاجة الإقليم إلى مشروع سياسي يتجاوز الانقسامات القبلية والجهوية التقليدية.
التكوين التاريخي لاتحاد جبال النوبة
نشأت فكرة اتحاد جبال النوبة في سياق سياسي واجتماعي بالغ التعقيد حيث عانت المنطقة منذ الاستقلال من ضعف التنمية وغياب الخدمات الأساسية والتهميش في مؤسسات الدولة المركزية القديمة. وقد أدّت هذه الأوضاع إلى تنامي الشعور وسط أبناء جبال النوبة بأن الدولة الوطنية لم تستوعب تنوع السودان الثقافي والإثني بصورة عادلة.
وخلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بدأت تتشكل نواة الوعي السياسي النوبي عبر الروابط الطلابية والتنظيمات الثقافية والاجتماعية التي سعت للدفاع عن حقوق أبناء المنطقة داخل المدن والجامعات السودانية. غير أن التحول الأكبر جاء مع تصاعد الحرب الأهلية الثانية في جنوب السودان وظهور خطاب سياسي جديد يدعو إلى إعادة صياغة العلاقة بين المركز والهامش.
في هذا السياق لعب يوسف كوة مكي دوراً محورياً في تحويل المطالب النوبية من مجرد احتجاجات مطلبية إلى مشروع سياسي منظم يرتبط بقضايا الهوية والسلطة والثروة والمواطنة.
ان أهداف اتحاد جبال النوبة
قامة على مجموعة من الأهداف الرئيسية التي عكست طبيعة الأزمة التي عاشتها المنطقة ويمكن تلخيص أبرزها في الآتي:
أولاً مقاومة التهميش السياسي
سعى الاتحاد إلى تمكين أبناء جبال النوبة من المشاركة الفعلية في السلطة بعد عقود طويلة من الإقصاء السياسي وهيمنة النخب المركزية على مؤسسات الحكم.
ثانياً الحفاظ على الهوية الثقافية
وحيث عمل الاتحاد على حماية التراث النوبي واللغات المحلية والعادات الاجتماعية في مواجهة سياسات الصهر الثقافي التي اعتبرها كثير من أبناء المنطقة تهديداً مباشراً لهويتهم التاريخية.
ثالثاً المطالبة بالتنمية المتوازنة
فيها رفع الاتحاد شعارات العدالة في توزيع الموارد والخدمات خاصة في مجالات التعليم والصحة والبنية التحتية باعتبار أن التنمية غير المتوازنة كانت أحد أسباب تفجر النزاعات في السودان القديم.
رابعاً بناء وحدة اجتماعية داخل الإقليم
علية سعى الاتحاد إلى تجاوز الانقسامات القبلية والتنافسات المحلية عبر تأسيس خطاب سياسي جامع يقوم على مفهوم القضية المشتركة لأبناء جبال النوبة.
فيوسف كوة من عمل التحول السياسي في قضية جبال النوبة
يُعدّ الشخصية الأكثر تأثيراً في التاريخ السياسي الحديث لجبال النوبة إذ نجح في إحداث نقلة فكرية وتنظيمية عميقة داخل الإقليم.
ففي الوقت الذي كانت فيه كثير من الحركات الإقليمية تنحصر في مطالب خدمية أو جهوية طرح يوسف كوة رؤية سياسية أوسع تربط أزمة جبال النوبة بأزمة الدولة السودانية . ولذلك انخرط في مشروع الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق دي مبيور باعتباره مشروعاً يسعى إلى تأسيس “السودان الجديد”، القائم على العدالة والمساواة بين القوميات والثقافات المختلفة.
وقد ساهم يوسف كوة في إدخال أبناء جبال النوبة إلى العمل السياسي والعسكري المنظم كما عمل على بناء مؤسسات مدنية وتعليمية داخل المناطق التي كانت تحت سيطرة الحركة الشعبية. وبرزت إضافاته السياسية في عدة مستويات منها
تحويل قضية جبال النوبة من قضية محلية معزولة إلى قضية قومية مرتبطة بإصلاح الدولة السودانية.
بناء تحالفات واسعة مع قوى الهامش في جنوب السودان ودارفور والنيل الأزرق.
ترسيخ مفهوم التنوع الثقافي باعتباره مصدر قوة لا تهديداً للوحدة الوطنية.
عملة للدفع نحو خطاب سياسي يقوم على المواطنة بدلاً من الانتماءات العرقية والدينية الضيقة.
كما عُرف يوسف كوة بقربه من المجتمعات المحلية واعتماده على التعليم والتوعية السياسية كأدوات للتغيير وهو ما جعله يحظى بمكانة رمزية كبيرة داخل جبال النوبة وخارجها.
تطور الاتحاد والتحديات التي واجهها
رغم الحضور السياسي الكبير لاتحاد جبال النوبة إلا أن مسيرته واجهت تحديات معقدة من بينها الحرب الطويلة والانقسامات السياسية وضعف الموارد إضافة إلى التحولات التي شهدتها الساحة السودانية بعد اتفاقيات السلام المتعاقبة.
كما أثّرت الصراعات الداخلية داخل القوى السياسية السودانية على وحدة الخطاب النوبي خاصة مع تعدد المنابر والتنظيمات التي تتحدث باسم الإقليم. ومع ذلك ظل الإرث السياسي الذي تركه يوسف كوة حاضراً في وجدان قطاعات واسعة من أبناء جبال النوبة باعتباره أحد أهم الرموز التي ناضلت من أجل الاعتراف بالتنوع السوداني وحقوق الهامش.
إن تجربة اتحاد جبال النوبة لا يمكن قراءتها بمعزل عن تاريخ السودان القديم وصراعه الطويل حول الهوية والسلطة والعدالة الاجتماعية. فقد مثّل الاتحاد محاولة جادة لتأسيس وعي سياسي جديد داخل الإقليم يقوم على الدفاع عن الحقوق الثقافية والسياسية والتنموية لأبناء جبال النوبة.
أما يوسف كوة مكي فقد تجاوز دوره حدود القيادة العسكرية أو التنظيمية ليصبح رمزاً لتحول سياسي وفكري عميق أعاد طرح سؤال السودان كيف يمكن بناء دولة تتسع لجميع مكوناتها دون إقصاء أو تهميش؟
ورغم تعقيدات الواقع السوداني واستمرار الأزمات، يبقى الإرث السياسي الذي أسسه يوسف كوة واحداً من أهم التجارب التي سعت إلى إعادة تعريف العلاقة بين المركز والهامش وإلى بناء مشروع وطني يقوم على الاعتراف بالتنوع بوصفه أساساً للاستقرار والوحدة، لا سبباً للصراع والانقسام.




