ستنتهي الحرب… ويتصافح القادة هكذا يقول التاريخ دائماً !

فاتورة الحرب
◇◇◇◇◇◇
ستنتهي الحرب… ويتصافح القادة.
هكذا يقول التاريخ دائماً.
تُطوى الخرائط، تُغسل الأيادي من الدم، تُلمّع الابتسامات أمام الكاميرات، وتُكتب الاتفاقيات بحبرٍ لا يعرف رائحة البارود.
سيجلسون على طاولةٍ واحدة، يشربون القهوة نفسها، ويقتسمون الوطن كأنه كعكة عيد ميلاد.
وسيخرج علينا المذيع بوجهٍ باسم: لقد عاد السلام.
لكن السلام لا يعود إلى كل البيوت.
وتبقى تلك العجوز تنتظر ولدها الشهيد.
تجلس كل عصر أمام الباب المخلوع. تكنس العتبة كأنها تكنس الغياب.
تضع صينية العصيدة وتقول للجيران: ولدي بيحبها حارة.
ثم تنظر إلى الشارع… الشارع الذي أخذه ولم يرده.
في قلبها مقبرة، وعلى شفتيها دعاءٌ لا يمل.
هي لا تفهم البرتوكولات، ولا تعرف موازين القوى.
تعرف فقط أن هناك قبراً بلا شاهد، وأن النوم خاصم عينيها منذ يوم الزغرودة الأخيرة.
وتبقى تلك الفتاة تنتظر زوجها الحبيب.
ما زالت تحتفظ بثوب الزفاف في الصندوق. تفوح منه رائحة الحناء القديمة ورائحة الخذلان الجديدة.
صارت أرملةً في العشرين، وأماً بلا سند، وذكرىً تمشي على قدمين.
تعلّم الأطفال أن يقولوا بابا شهيد… لكنها في الليل، حين ينامون، تقول للوسادة: تعال… ولو طيف.
هي لا يعنيها من انتصر. يعنيها فقط من غاب.
فالحرب عندها ليست معركة كرامة… الحرب عندها سريرٌ نصفه فارغ للأبد.
ويبقى أولئك الأطفال ينتظرون والدهم البطل.
يرسمونه في الدفاتر كبيراً، ضخماً، يحملهم على كتفه.
يسألون المعلمة: هل الشهيد يرجع في العيد؟
فتبتلع المعلمة الغصة، وتكذب كذبةً بيضاء: نعم… الشهيد يرجع في دعائكم.
يكبرون وهم يتيتمون مرتين: مرة حين مات، ومرة حين فهموا معنى لن يعود.
هؤلاء لا يقرؤون بيانات النصر. هؤلاء يقرؤون الفراغ في مقعد الأب على المائدة.
لا أعلم من باع الوطن…
هل بيعت في صفقة؟ في غرفةٍ مغلقة؟ على هاتفٍ مُشفّر؟
لا أعلم. ولستُ تاجراً لأفهم لغة البيع والشراء.
لستُ سياسياً لأفكك خطابات الخديعة.
أنا مجرد عابر في جنازةٍ كبيرة اسمها الوطن.
ولكنني رأيت من دفع الثمن…
رأيته في يد العجوز وهي تتحسس قميص ابنها المثقوب.
رأيته في دمعة الفتاة وهي تخبئ خاتم الزواج تحت الوسادة.
رأيته في حفنة تراب يلعب بها اليتيم، لأنها آخر ما تبقى من رائحة أبيه.
الثمن لم يُدفع بالدولار، ولا بالذهب، ولا بالمناصب.
الثمن دُفع باللحم الحي. بالدم الحار. بالأعمار التي لم تكتمل.
فيا أيها القادة… حين تتصافحون غداً
تذكروا أن هناك أيادي لن تصافح أحداً بعد اليوم… لأنها تحت التراب.
تذكروا أن هناك بيوتاً لن تفتح أبوابها للفرح… لأن الفرح دُفن مع أحبابها.
تذكروا أن التوقيع الذي ينهي حربكم، لا يمحو فاتورةً كُتبت بدموع الأمهات.
الحرب قد تنتهي بالحبر…
لكن الحزن لا ينتهي إلا بالصبر.
والوطن لا يُشترى بالكلام… بل يُفدى بالرجال.
والرجال قد مضوا.
فبأي وجهٍ ستقابلون أم الشهيد؟
والسلام على من دفعوا الثمن…




