فن وثقافة

عبدالله موسيى يكتب : الي مختار بخيت الدعيتر فى عليائه

الدراما السودانية بين المركز وهامش


١٩ /٤/ ٢٠٢٦
عبدالله موسى احمد
الي مختار بخيت الدعيتر فى عليائه


حينما ينهض الهامش من صمته الطويل لا يفعل ذلك عبر الخطب السياسية أو البيانات الجافة بل عبر وجوه بسيطة مكسوة بتجاعيد الحياة وأصوات تحمل نبرة الأرض البعيدة. ومن بين هذه الوجوه، تبرز تجربة “محتار بخيت” بوصفها واحدة من أكثر التجليات تعبيرًا عن إنسان الهامش لا كفكرة مجرّدة بل ككائن حيّ يتنفس القهر ويقاومه بطريقته الخاصة.


ليست “الدعيترة” في هذه التجربة مجرد توصيف ساخر أو توصيف شعبي عابر لكن هي بناء درامي معقّد يتكئ على مفارقة عميقة فى البساطة التي تخفي وعيًا حادًا والهشاشة التي تستبطن قدرة على الصمود. فـ“محتار بخيت” لا يُقدَّم كضحية صامتة ولا كبطل تقليدي بل كإنسان عالق بين عالمين عالمٍ يُقصيه وآخر يحاول أن يفهمه دون أن يمتلك مفاتيحه.


ما يميز هذه الشخصية هو قدرتها على نقل الهامش من موقع “الموضوع” إلى موقع “الصوت”. فبدل أن يكون إنسان الأطراف مجرد مادة للسرد يصبح هو السارد الضمني حتى وإن لم يتكلم كثيرًا. فحضوره ذاته هو خطاب. صمته أحيانًا أكثر بلاغة من الكلمات وحيرته التي يشي بها اسمه ليست ضعفًا انها تعبير عن وعي مأزوم بواقع لا يمنحه إجابات جاهزة.


على مستوى التأثير استطاعت هذه التجربة أن تُحدث خلخلة في وعي المتلقي خاصة ذاك الذي ينتمي إلى “المركز”. فالمشاهد لا يكتفي بالمراقبة يجد نفسه مدفوعًا إلى إعادة النظر في مسلّماته من هو المهمّش حقًا؟ ومن يملك حق تعريف الآخر؟ هنا تتجاوز الدراما وظيفتها الترفيهية لتصبح أداة مساءلة تضع المجتمع أمام مرآة غير مريحة.


غير أن هذه القوة ذاتها تحمل في طياتها خطرًا دائمًا. فالشخصيات التي تُبنى على الهامش كثيرًا ما تكون عرضة للاختزال إما عبر المبالغة الكوميدية التي تُفرغها من عمقها، أو عبر إعادة إنتاج الصورة النمطية في ثوب جديد. وهنا يظهر الفارق بين دراما تكتفي باستثمار الهامش كزخرفة وأخرى تنحاز إليه كقضية.


تجربة محتار بخيت تقف في هذا المفترق الحرج فهي من جهة تفتح أفقًا جماليًا وإنسانيًا رحبًا ومن جهة أخرى تضع صُنّاع الدراما أمام مسؤولية أخلاقية وفنية كيف يمكن تمثيل الهامش دون استهلاكه وكيف يمكن منح الصوت لمن لا صوت لهم دون التحدث باسمهم؟


في المحصلة لا يمكن النظر إلى هذه التجربة بمعزل عن السياق الأوسع للدراما السودانية التي ما تزال في طور البحث عن لغتها الخاصة. لكن ما هو مؤكد أن شخصيات مثل محتار بخيت قد أسهمت في تحريك المياه الراكدة وفتحت بابًا لنقاش لا يقتصر على الفن اكيد يمتد إلى بنية المجتمع ذاته.


وهكذا يظل الهامش كما تقدمه الدراما ليس مجرد مكان جغرافي لكنه حالة إنسانية فالسؤال المفتوح لا تزال الإجابة عليه تتشكل مع كل عمل صادق ومع كل شخصية تجرؤ على أن تكون مرآة لما نفضل أن نراه.
الرحمة والمغفر للفنان الدرامى مختار بخيت الدعيترة واسكنة فسيح جناتة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى