سياسة

حوار | الروائية استيلا قايتانو..الكتابة.. ليست ترفًا.. بل شهادة ضد النسيان

َمجلة قضايا فكرية.. تحاور الروائية استيلا قايتانو..
الكتابة.. ليست ترفًا.. بل شهادة ضد النسيان

ثلاثة أجيال من الحرب.. وحكاية لم تنتهِ.. أصوات النساء في زمن الحرب

حوارها.. حسين سعد

في زمنٍ تتراجع فيه أصوات الضحايا تحت ضجيج الحروب، وتختفي الحكايات الإنسانية خلف سرديات السياسة والسلطة، يظل الأدب واحدًا من آخر المساحات التي تُقاوم النسيان، وتُعيد الاعتبار للإنسان العادي، ذاك الذي يدفع دائمًا كلفة الصراع دون أن يُسمع صوته.
في هذا الحوار، نقترب من تجربة كاتبة اختارت أن تكتب من قلب الألم، لا من هامشه، وأن تجعل من النص الأدبي مساحة لمساءلة التاريخ، ومواجهة العنف، واستعادة الذاكرة الجماعية. كاتبة ترى أن الجوائز ليست تتويجًا بقدر ما هي اختبارٌ جديد لمسؤولية الكلمة، وأن الكتابة ليست ترفًا ثقافيًا، بل موقف أخلاقي في مواجهة القبح.
تتحدث الدكتورة استيلا قايتانو.. عن فوزها بجائزة اتحاد الكُتّاب النرويجيين بوصفه لحظة اعتراف، لكنها أيضًا لحظة مساءلة، حيث يتحول الكاتب إلى صوت يُنتظر منه أن يقول ما لا يُقال، وأن يقف في وجه النسيان عندما يتواطأ الجميع.
كما يفتح الحوار أسئلة عميقة حول موقع الأدب الأفريقي في العالم، وتحديات الكاتبات في بيئات مضطربة سياسيًا، ودور الكتابة في توثيق الألم الجماعي، وتمثيل أصوات المهمشين، خاصة النساء والنازحين.
من الحرب في السودان، إلى الذاكرة، إلى مسؤولية المثقف، مرورًا بالكتابة كفعل مقاومة—نصٌ حواري غني يضع الأدب في قلب معركة المعنى والعدالة.

سؤال: استاذة استيلا قايتانو.. اولا مرحب بيك وماذا يعني لك الفوز بجائزة اتحاد الكُتّاب النرويجيين؟ وكيف استقبلتِ خبر الفوز؟ وكيف يمكن للجوائز الأدبية أن تفتح الباب أمام الأدب الأفريقي للوصول إلى القراء عالميًا؟
كما في كل مرة، تمنح الجوائز العالمية نوعًا من التقدير لأعمال الكاتب ونشاطه ومناصرته للقضايا التي تهم مجتمعه والإنسانية. كما تمنح الكاتب شعورًا بأنه مرئي، وأن أعماله قد جذبت الانتباه وأحدثت نوعًا من التأثير. لكنها في الوقت نفسه مسؤولية كبيرة، أعني مسؤولية الكلمة.
تلك الكلمات التي نكتبها ونكررها بصيغ مختلفة، لتسليط الضوء على قضايا مجتمعاتنا—سواء عبر القصة أو الشعر أو الرواية أو المقال أو حتى السرد التاريخي الإنساني—هي التي تقودنا إلى تلك المنصات، وهذا يعني مسؤولية أكبر. كأن توضع في موقع الشخص الذي يُنظر إليه ويُنتظر صوته عندما تنفجر الأوضاع، وأن يكون لكلمتك وزن، وللقضية التي تناصرها مكانة وسط زحام القضايا العالمية.
هذه الجوائز ليست بالضرورة تقديرًا أدبيًا خالصًا، بل تقيس أيضًا مدى التزام الكاتب بمواقفه الإنسانية والسياسية، وهذا كان شعوري.
على سبيل المثال، وردت جملة عند إعلان جائزة حرية التعبير النرويجية:
“تكتب استيلا لتقول إن الحرب لا تنسى أحدًا”،
وهي جملة مأخوذة من نص إنساني كتبته وشاركت به في قراءة بمتحف برلين للفن الحديث عام 2023 بعنوان “طرق لم نسلكها”. تحدثت فيه عن كيف أننا في السودان نهدر فرص السلام مقابل نزوات الانتصار عبر الحرب، وكيف يكرر قادتنا السياسيون والعسكريون ذلك، لدرجة أنهم يقدمون لكل جيل “حربًا جديدة” بذات التعنت.
أليس مؤلمًا أن أمي عاشت حربًا، وعشتُ أنا واحدة، والآن أطفالي يعيشون حربهم الثانية؟ لأن الأولى كانت في جنوب السودان عام 2013. هذه ثلاثة أجيال تفصل بينها عشرات السنوات: الجدة، والأم، والأحفاد. أليس هذا جنونًا؟
تمت ترجمة هذا النص لاحقًا إلى عدة لغات.
وبالتالي، فإن الجوائز تُعنى بالأثر الذي يتركه الكاتب وصدى صوته في موازاة التحولات السياسية والتقاط المعاناة الإنسانية. ولأن للأدب سردية مختلفة، فنحن لا نسعى لسحق أحد أو الانتصار عليه، بل نكشف الجوانب التي تسعى السياسة إلى إخفائها. لذلك فالأدب مهم لمواجهة الصلف السياسي والتشكيك في كبريائه الزائف.
أما بخصوص الأدب الأفريقي، فقد وصل بالفعل إلى العالمية منذ زمن طويل، خاصة في غرب أفريقيا، حيث تتردد أسماء كتّابه كثيرًا. لكن بالنسبة لنا في شرق أفريقيا، ومع كل التعقيدات التي تحملها هذه المنطقة، ما زلنا في الخلف. ونحن لسنا سوى نموذج، لا نمثل الكل، وليس بالضرورة أننا الأفضل، لكن الحضور قد يلفت الانتباه إلى هذه المنطقة، ويدفع نحو التعرف على المزيد من كتاباتها. وربما تسهم هذه الجوائز في جذب الانتباه إلى الأدب المنتج في السودان وجنوب السودان وإريتريا وغيرها.
سؤال: أعمالك الروائية والقصصية غالبًا ما تتناول الحياة اليومية والإنسان العادي، ما الذي يجذبك لهذه المساحات الإنسانية؟ وإلى أي مدى يمكن للأدب أن يكون أداة لحفظ الذاكرة الجماعية؟
ما نطلق عليه “الحياة اليومية للإنسان العادي” هو في الحقيقة نتيجة مباشرة للممارسات السياسية العامة، حتى بالنسبة لأولئك الذين لا يتعاطون السياسة أو لا يفهمونها. فالسياسات التي تجعل حياة الناس مزرية تنعكس فورًا على طريقة تعايشهم مع بعضهم البعض، وعلى سلوكهم في حماية مواردهم، وقد تصل إلى النزاعات داخل المجتمعات.
لطالما كانت لدينا ممارسات سياسية تؤدي إلى النزاعات والانقسامات الداخلية. أنا منشغلة بهذه التفاصيل، وأحاول التقاطها وتوثيقها، خصوصًا محاولات الإنسان العادي اليومية للنجاة أو التعايش أو مقاومة ما يحدث حوله.
ولأن الأغلبية تتناسى هذه اللحظات سريعًا، أو تتجاوزها بمجرد عودة الحياة إلى مجراها الطبيعي، يتدخل الأدب لنبش الذاكرة، ليس من باب التعذيب، بل لأن تلك اللحظات لم تكن مجرد ألم عابر، بل لحظات فقدنا فيها أعزاء، وفقدنا فيها كرامتنا.
دور الأدب هنا هو إقامة نوع من “المحاكمة” لمواجهة هذا القبح، وتذكير الناس بأن ما يحدث ليس جديدًا، بل يتكرر. الأدب يقدّم أدلة، ويدفع إلى التفكير وربط الأسباب بالنتائج.
سؤال: ما هي التحديات التي تواجه الكاتبة الأفريقية في الوصول إلى النشر والترجمة والانتشار؟
أعتقد أن ما ينقصنا هو التقدير الداخلي والاهتمام المحلي، إضافة إلى أهمية الالتزام السياسي. لكن لأن الكُتّاب غالبًا ما يقفون في موقع نقدي تجاه السلطة، فإن السياسيين ينظرون إليهم كخصوم، مما يؤدي إلى التضييق على حرية التعبير والإنتاج الأدبي.
هذا ينعكس على دور النشر وبيوت الترجمة، التي تعمل غالبًا في ظروف صعبة، وبجهود فردية، دون دعم كافٍ.
هناك أيضًا عامل الجمهور، فنحن نكتب أولًا لجمهورنا المحلي، ثم يأتي الجمهور العالمي. لكل منهما قراءة وتأثير مختلف. النص يحتاج إلى قراءات متعددة ليعيش، وإلى تفاعل القراء لتحقيق غاياته، سواء كانت التغيير أو طرح الأسئلة أو حتى المتعة.
سؤال: ما هو المشروع الأدبي الذي تعملين عليه حاليًا؟
مشروعي الأدبي يركز على تتبع آثار الحرب والسياسة على الناس العاديين، والغوص في النفس الإنسانية خلال الأوقات الصعبة، ورصد التحولات النفسية والاجتماعية.
أتخذ من السودان وأحداثه التاريخية مركزًا لأعمالي، مع ربط ذلك بالتجربة الإنسانية الأوسع. منذ عام 2018، بدأت كتابة سلسلة روايات تتبع عائلات منذ سبعينيات القرن الماضي، منها “أرواح أدو” و”إيريم”، وربما أكتب الجزء الثالث لاحقًا.
الفكرة هي تتبع تطور الشخصيات عبر الأحداث السياسية والكوارث، ورصد تحولات الأجيال. الكتابة بالنسبة لي تجربة مستمرة، رغم الخوف، لكنها ممتعة.
سؤال: لماذا تشغل قضايا المهمشين حيزًا كبيرًا في كتاباتك؟ وكيف تنظرين إلى دور الأدب في تمثيل أصواتهم؟
لأن الفئات المهمشة هي التي تدفع الثمن دائمًا، وغالبًا ما تُنسى مع عودة الحياة إلى طبيعتها. هذا النسيان يهيئ لعودة الجناة بأقنعة جديدة.
لذلك أشعر بمسؤولية أن تعبّر نصوصي عن أصواتهم ومعاناتهم. كما تظهر شخصيات نسائية قوية في كتاباتي، ربما دون تخطيط مسبق، لكن لأن الحكايات الإنسانية تستحق أن تُروى.
سؤال: كيف تنظرين إلى موقع المرأة في المشهد الأدبي الأفريقي اليوم؟
هناك تقدم ملحوظ، مع ظهور أقلام نسائية جريئة. لكن التحديات لا تزال قائمة، خاصة في ما يتعلق بالنشر وحرية التعبير، إضافة إلى الأحكام المسبقة على كتابة المرأة.
سؤال: هل يمكن للأدب أن يكون أداة للدفاع عن حقوق النساء؟ وما رسالتك للكاتبات الشابات؟
بالتأكيد، الكتابة من أقوى أدوات الدفاع عن حقوق الإنسان، لارتباطها بالذاكرة والتوثيق.
رسالتي للكاتبات: الاستمرارية، والشجاعة، والصبر. الكتابة تحتاج وقتًا وتجربة. لا تخشي البدء من جديد، فالتعلم مستمر.
سؤال: هل يمكن أن تكون الكتابة شكلًا من أشكال المقاومة النسوية؟
نعم، الكتابة صوت وموقف، وامتلاك النساء للقلم هو استعادة لصوتهن. الكتابة مقاومة وصمود.
سؤال: في ظل الحرب في السودان، ما دور الأدب؟
دور الأدب هو تسليط الضوء على معاناة الناس وخلق تضامن إنساني. رغم وصف الحرب بأنها “منسية”، إلا أن الأدب يعيد طرحها.
وقد برزت أصوات نسائية قوية تتحدث عن هذه المعاناة، وتسهم في الدفع نحو السلام.
سؤال: هل يمكن للأدب أن يكون جسرًا للمصالحة؟
قد يكون ذلك على المدى البعيد، عبر التوعية وتغيير السلوك، ومساعدة الناس على فهم أنفسهم والآخرين، مما يعزز التعاطف.
سؤال: ما دور المثقفين في مواجهة خطاب الكراهية؟
يبدأ الأمر من الدولة، لكن للمثقفين دور في التهدئة والتوعية، وتذكير الناس بأنهم ليسوا أعداء، بل ضحايا لانقسامات مصطنعة.
سؤال: كيف يمكن للثقافة أن تسهم في بناء مستقبل أكثر عدلاً؟
من خلال التعليم والوعي والمبادرات الثقافية، التي تسهم في بناء إنسان واعٍ قادر على إحداث التغيير. فالتغيير الحقيقي يأتي من تراكم الجهود الصغيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى