الاديب شقيفة يكتب : دي المدنية الدايرنها؟

دي المدنية الدايرنه ؟
كتب : الأديب شايفة
لم تكن العبارة مجرّد سؤال عابر، ولا جملة خرجت من أفواه الغاضبين صدفةً في لحظة احتقان…
بل كانت ـ في جوهرها ـ سلاحًا ناعمًا، مغموسًا في الخيبة، وموجّهًا بدقة نحو قلب الثورة.
دي المدنية الدايرنها؟
هكذا قيلت… كلما اشتكى متضرر، وكلما ارتفع صوت يطالب بالإنصاف، وكلما حاول أحدهم أن يفتح جرحًا مسكوتًا عنه.
لم تكن العبارة تبحث عن إجابة، بل كانت تُغلق باب السؤال.
في تلك الفترة الطويلة، حيث تمدد الظلّ العسكري على تفاصيل الحياة، لم يكن القمع دائمًا بالرصاص…
بل كان أحيانًا بالكلمات.
كلمات صغيرة، لكنها محمّلة بدهاء سياسي خفي، تُلقي الشك في النفوس، وتحوّل المطالب المشروعة إلى تهمة، والوجع الإنساني إلى مادة للسخرية.
كان كل من يتحدث عن ضرره، يُقابل بهذا السؤال المسموم، وكأن المدنية التي حُلم بها الناس، تحوّلت فجأة إلى شماعة تُعلّق عليها الأخطاء، أو شماعة يُخنق بها الصوت.
وهنا، يتجلّى الخطر الحقيقي…
ليس في العبارة نفسها، بل في التوقيت الذي وُلدت فيه، والسياق الذي انتشرت داخله.
لقد كانت محاولة ذكية لإعادة تعريف الوعي الجمعي، وإرباك البوصلة، وإقناع الناس أن ما يعانونه هو نتيجة لما نادوا به، لا لما فُرض عليهم.
وهكذا، تحوّلت الثورة — في عيون البعض — من أملٍ إلى عبء،
ومن مشروع خلاص إلى تجربة يُشكّك فيها،
ومن حلم جماعي إلى حالة دفاع دائم.
ألم يكن ذلك عملًا سياسيًا خبيثًا؟
بلى…
فالسياسة لا تُدار دائمًا عبر المنصات، بل كثيرًا ما تُدار عبر العبارات اليومية، تلك التي تتسلل إلى الوعي دون استئذان، وتعيد تشكيل القناعات ببطء قاتل.
إن أخطر ما حدث، لم يكن إطلاق العبارة،
بل الغفلة عنها…
الغفلة التي جعلت الكثيرين يمرّون بها مرور العابرين، دون أن يدركوا أنها كانت واحدة من إرهاصات وأد الثورة، أو على الأقل، تشويه صورتها في الوجدان العام.
فالعبارات، حين تُستخدم بذكاء، تصبح أدوات…
وحين تُترك بلا مساءلة، تتحوّل إلى حقائق زائفة.
لقد كانت دي المدنية الدايرنها؟
ليست سؤالًا عن المدنية…
بل تشكيكًا فيها،
ولم تكن نقدًا للواقع…
بل إعادة إنتاج له بصورة أكثر قسوة.
ومع ذلك…
تبقى الحقيقة أكبر من كل العبارات،
وتبقى الثورة — مهما تعثرت — فكرة لا تموت،
لأنها لم تُولد من شعار، بل من حاجة عميقة للكرامة.
وما بين الغفلة والانتباه،
تُكتب مصائر الشعوب.



