مقالات

السعودية والسودان – فرصة الانتقال من إدارة الاشتعال إلى هندسة التوازن الإقليمي


عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com


المشهد الإقليمي الراهن، يبرز السودان كأحد أكثر المسارح تعقيدًا من حيث التداخل بين الجغرافيا والسياسة والأمن، وتأتي المقاربة السعودية تجاهه باعتبارها تحولًا نوعيًا من دور الوسيط التقليدي إلى فاعل استراتيجي يعيد صياغة التوازنات في فضاء البحر الأحمر، فالسودان في هذا السياق لا يُقرأ كأزمة داخلية فحسب، وإنما كعقدة تلتقي عندها مسارات الأمن البحري، ومنافسة القوى، واستقرار المجال العربي، ومستقبل إعادة البناء بعد حرب أنهكت بنية الدولة والمجتمع.

هذا التحول في الرؤية يعكس إدراكًا سعوديًا بأن إدارة الأزمة لم تعد كافية، وأن المرحلة تقتضي الانتقال إلى تصميم بيئة استراتيجية جديدة، حيث يصبح الهدف إنتاج توازن مستدام يمنع الانهيار ويؤسس لمرحلة ما بعد الحرب، وفي هذا الإطار تتحرك المملكة وفق تصور مركب يجمع بين حماية الدولة السودانية من التفكك، وتحصين البحر الأحمر من الاختراقات، وتهيئة السودان ليكون شريكًا اقتصاديًا ضمن منظومة إقليمية مترابطة.

السودان، في العقل الاستراتيجي السعودي، يمثل نقطة ارتكاز تتجاوز حدود الجوار التقليدي، فهو يطل على واحد من أهم الممرات الملاحية العالمية، ويجاور أقاليم هشة، ويملك موارد زراعية ومائية ذات تأثير مباشر في معادلة الأمن الغذائي العربي، ويقاسم المملكة ثروات البحر الأحمر “اتلاتنس 2” ومن ثم فإن استقراره يرتبط مباشرة باستقرار المجال الإقليمي غرب الجزيرة العربية، وأي اضطراب فيه ينعكس على التجارة والطاقة والاستثمار وتوازنات النفوذ، وهو ما يفسر انتقال الرياض من موقع المراقب إلى موقع الفاعل المصمم.

لذلك برزت مقاربة يمكن توصيفها بالاحتواء المتوازي، حيث دعمت المملكة فكرة الدولة ومؤسساتها المركزية بوصفها الضامن الأخير لوحدة السودان، وفي الوقت ذاته مارست ضغطًا سياسيًا متدرجًا على الفاعلين المسلحين لتقليص نزعتهم نحو الاستقلال السياسي، ودفعهم إلى مسارات تفاوضية تضبط فائض القوة العسكرية، وتعيد توجيهها داخل إطار الدولة، وهو مسار يعكس توازنًا دقيقًا بين الواقعية السياسية والهدف الاستراتيجي طويل المدى.

غير أن البعد الأكثر حساسية في هذه المقاربة يتمثل في منع تموضع قوى معادية أو متطرفة على الساحل السوداني كعناصر التنظيم الإخواني وواجهاته الإرهابية التي تمسك بتلابيب القيادة العسكرية، لأن هذا الساحل في التصور السعودي يشكل جزءًا من منظومة أمن الطاقة والملاحة والمشروعات الكبرى المرتبطة برؤية 2030م، ومن ثم فإن أي اختلال فيه يتحول إلى تهديد مباشر للأمن الإقليمي، وهو ما يفسر تشدد الرياض تجاه أي اختراق محتمل سواء عبر قنوات إقليمية أو ترتيبات عسكرية أو صيغ هجينة للنفوذ.

من هنا تتجاوز أهمية منبر جدة كونه منصة تفاوض، ليصبح أداة لإعادة تنظيم الشرعية السياسية في الملف السوداني، حيث يوفر إطارًا يمنع تشتت المبادرات ويحد من تضارب الرعاة، ويفتح المجال لبناء مسار انتقالي أكثر تماسكًا، ومع تطويره ليشمل آليات متابعة وربط التهدئة بإعادة التعافي، يمكن أن يتحول إلى نواة لهندسة الانتقال السياسي مع شركاء وفاعليين محليين وإقليميين ودوليين، لا مجرد إدارة لحظية للصراع.

على مستوى السيناريوهات، تتراوح الاحتمالات بين تسوية تدريجية تحت سقف الدولة تحقق قدرًا من الاستقرار، وبين تجميد الصراع مع انقسام فعلي يخلق حالة استنزاف ممتد، وبين غلبة عسكرية تعيد تشكيل المركز مع تحديات الاستدامة، وبين سيناريو أكثر خطورة يتمثل في تحول السودان إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح، وهذه المسارات جميعها تضع الدور السعودي أمام اختبار يتعلق بقدرته على ترجيح كفة الاستقرار دون الانزلاق إلى إدارة صراع مفتوح.

في مرحلة ما بعد الحرب، يتجه الدور السعودي نحو إعادة تشكيل الدولة السودانية عبر مدخل اقتصادي-تنموي متكامل، يبدأ من إعادة تشغيل البنية التحتية الأساسية، ويمتد إلى الزراعة وسلاسل القيمة والموانئ والربط اللوجستي، بما يحول إعادة الإعمار إلى أداة لإعادة بناء الدولة نفسها، لا مجرد عملية إنعاش اقتصادي، وهو توجه يعكس إدراكًا بأن الاستقرار الحقيقي يُبنى عبر الاقتصاد والمؤسسات معًا.

غير أن الصورة الاستراتيجية تظل ناقصة دون إدخال بعدين حاسمين، هما:
البعد الأول يتمثل في طبيعة الصراع على البحر الأحمر باعتباره ساحة تنافس دولي مفتوح، حيث لم يعد الإقليم مجرد فضاء عربي-إفريقي، وإنما تحول إلى نقطة جذب لقوى دولية تسعى إلى موطئ قدم عسكري أو لوجستي، وفي هذا السياق يصبح السودان جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بإعادة توزيع النفوذ العالمي، وهو ما يفرض على المقاربة السعودية الانتقال من إدارة التوازن الإقليمي إلى المساهمة في صياغة توازن دولي أكثر تعقيدًا داخل هذا الفضاء.

البعد الثاني يتعلق ببنية الدولة السودانية نفسها، إذ أن أي جهد خارجي لن يحقق أثرًا مستدامًا دون إعادة بناء العقد السياسي الداخلي، فالأزمة في جوهرها ليست مجرد صراع مسلح، وإنما تعبير عن خلل تاريخي في توزيع السلطة والثروة والتمثيل، ومن ثم فإن نجاح أي مقاربة إقليمية يرتبط بقدرتها على دعم مسار داخلي يعيد تعريف الدولة كمؤسسة جامعة، ويحد من إعادة إنتاج الصراع عبر أدوات جديدة.

وفي هذا الإطار تبرز حاجة ملحة إلى تطوير المقاربة من إدارة التوازن بين الفاعلين إلى إعادة تشكيل قواعد اللعبة نفسها، بحيث يصبح الهدف إنتاج دولة مدنية قادرة على احتكار العنف المشروع، وإدارة مواردها بشفافية، والانخراط في محيطها الإقليمي كشريك مستقر، وهو تحول يتطلب دمج المسار السياسي بالأمني بالاقتصادي ضمن رؤية واحدة.

كما أن التحدي الأعمق يتمثل في كيفية التعامل مع الشبكات الإخوانية والواجهات والمليشيات الأيدولوجية والتحركات غير الرسمية التي نشأت خلال سنوات الحرب، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية أو اجتماعية، حيث تشكل هذه الشبكات بنية موازية للدولة، واستمرارها دون معالجة سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة حتى في حال توقف القتال، ومن هنا تبرز أهمية إدماج مسارات نزع السلاح وإعادة الدمج ضمن أي تصور استراتيجي لما بعد الحرب.

ختاما: السعودية تتحرك في السودان ضمن تصور يتجاوز إدارة الأزمة إلى محاولة إعادة تشكيل المجال الإقليمي، حيث يرتبط استقرار السودان باستقرار البحر الأحمر والأمن الغذائي العربي والتوازنات الإقليمية، غير أن نجاح هذا المسار يظل مرهونًا بقدرة هذه المقاربة على الجمع بين ثلاثة عناصر متلازمة، تهدئة الصراع، إعادة بناء الدولة، ومنع اختراق المجال الإقليمي من قوى معادية أو شبكات فوضوية، وهي معادلة معقدة تتطلب نفسًا استراتيجيًا طويلًا وقدرة على التحرك عبر مستويات متعددة في آن واحد.

وفي حال تحقق هذا التوازن، فإن السودان قد يتحول من ساحة صراع إلى ركيزة استقرار، ومن نقطة ضعف إقليمية إلى عنصر قوة ضمن منظومة عربية أوسع، وهو التحول الذي تسعى إليه الرؤية السعودية في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ الإقليم.

إن أي مقاربة جادة لاستعادة الدولة السودانية تظل ناقصة من الأساس ما لم تُبنَ على إشراك فعلي للمدنيين والفاعلين السياسيين وقوى الثورة، بوصفهم الحامل الشرعي لفكرة الدولة بعد أن جرى إزاحة الإرادة الشعبية بانقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2023م، فالمسألة هنا لا تتعلق بتمثيل شكلي داخل ترتيبات انتقالية، وإنما بإعادة تأسيس مصدر الشرعية ذاته، أي سلطة الشعب التي تُعد القاعدة التي تقوم عليها الدولة الحديثة.

إن استبعاد هذه القوى أو تقليص دورها يفضي إلى إنتاج معادلة حكم مختلة تعيد تدوير الأزمة داخل مؤسسات الدولة، لأن أي سلطة تنشأ خارج التفويض الشعبي تبقى عرضة للهشاشة والرفض، وتفتقد القدرة على بناء عقد سياسي مستقر. ومن زاوية استراتيجية، فإن إدماج القوى المدنية والثورية في مركز العملية السياسية لا يمثل خيارًا أخلاقيًا أو مطلبًا رمزياً، إنما شرط بنيوي لإعادة بناء الدولة على أسس قابلة للاستمرار، حيث تسهم هذه القوى في إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع، وتدفع نحو تفكيك شبكات الهيمنة التي نشأت خلال عقود، وتؤسس لمسار انتقال يعيد توزيع السلطة والثروة على نحو أكثر توازنًا.

إن استعادة سلطة الشعب تقتضي نقل مركز القرار من ترتيبات القوة المسلحة إلى فضاء السياسة العامة، عبر عملية منظمة تعيد الاعتبار للمؤسسات المدنية، وتضمن المشاركة الواسعة، وتربط الشرعية بالأداء والمساءلة، وهو المسار الوحيد القادر على إخراج السودان من دائرة الانقلابات إلى أفق الدولة المستقرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى