مقالات

حين يرتفع ثمن الماء… من يسمع عطش الناس؟

في المدن التي يثقلها الغبار وتثقلها الأزمات، لا يصبح الماء مجرد خدمةٍ عامة، بل يتحول إلى خيط الحياة الأخير الذي يتمسك به الناس في مواجهة القسوة اليومية. لذلك، فإن أي حديثٍ عن زيادة تعريفة المياه ليس قراراً إدارياً عابراً، بل مسألة تمسّ كرامة الناس وحقهم الأساسي في البقاء.

ومن هنا تبرز الأسئلة قبل الأرقام، وتعلو الحكمة قبل القرارات: هل خضع هذا القرار لدراسةٍ فنيةٍ حقيقية قبل الشروع في إقرار مبدأ الزيادة؟ أم أنه وُلد على عجلٍ في دهاليز المكاتب، بعيداً عن صوت الشارع الذي يعرف جيداً معنى أن يبحث الإنسان عن جرعة ماءٍ في يومٍ قائظ؟

وهل نظر صانعو القرار إلى واقع المواطنين في الضعين وشرق دارفور من زاوية الظروف الاقتصادية القاسية، حيث انعدام الدخل لدى كثيرٍ من الأسر، وتآكل القدرة الشرائية، وتراجع مصادر الرزق؟ فالمواطن هنا لا يملك رفاهية الاختيار بين الخدمات، بل يقف كل يومٍ أمام معادلةٍ صعبة: كيف يعيش بأقل الممكن؟

ثم ماذا عن إدارة الأزمات الطارئة؟ فالسياسات الرشيدة لا تُبنى فقط على الظروف العادية، بل على توقع المفاجآت أيضاً. حين تكون الرسوم رأسيةً لا أفقية، وحين تضيق المواعين الاقتصادية التي يمكن أن تتحمل العبء، يصبح السؤال مشروعاً: كيف ستتعامل الجهات المسؤولة مع الحالات الطارئة، مع الفقراء، مع الأسر التي قد تجد نفسها عاجزةً حتى عن دفع ثمن الماء؟

إن إدارة الخدمات العامة لا تعني فقط تحصيل الرسوم، بل تعني قبل ذلك حماية المجتمع من الانكسار. ويبقى سؤالٌ آخر لا يقل أهمية: هل أخذ القرار في الاعتبار مسألة الطاقة البديلة التي باتت متوفرة في عدد من محطات المياه بالولاية؟ فإذا كانت الطاقة الشمسية وغيرها من البدائل قد أسهمت في تخفيف كلفة التشغيل، أليس من المنطقي أن ينعكس هذا التخفيض على المواطن أيضاً؟ أم أن المواطن سيظل الطرف الوحيد الذي يتحمل الزيادة بينما تبقى فرص التخفيض مؤجلة؟

إن الماء ليس سلعةً عادية، بل حقٌ إنساني، وميزانٌ دقيقٌ لعدالة الإدارة العامة. فالمدن لا تُقاس فقط بعدد محطاتها وخزاناتها، بل بقدرتها على صون كرامة الناس وهم يشربون.

ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس مجرد مراجعة الأرقام، بل مراجعة الفلسفة التي تقف خلف القرار. فالمواطن في شرق دارفور لا يطلب المستحيل، بل يطلب فقط أن يُنظر إليه بعين الرحمة والعقل معاً، وأن يُدار ملف الماء بروح المسؤولية لا بمنطق الجباية.

فحين يرتفع ثمن الماء في مدينةٍ عطشى، فإن السؤال الحقيقي لا يكون: كم سيدفع الناس؟ بل: كم من الصبر تبقى لديهم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى