مقالات

جعفر محمدين عابدين يكتب : لماذا لم يزر الفريق عبد الفتاح البرهان كنابي الجزيرة؟


gafertamok@gmail.com
بتاريخ الجمعه 6 فبراير 2026م


حين يتحوّل الإقصاء إلى سياسة دولة، ويغدو الصمت شراكة في الجريمة


لم يكن تغييب كنابي ولاية الجزيرة عن زيارات رأس السلطة العسكرية في السودان، الفريق عبد الفتاح البرهان، تفصيلًا بروتوكوليًا عابرًا تفرضه ظروف الحرب، بل يعكس نمطًا بنيويًا راسخًا من الإقصاء السياسي والتمييز المؤسسي الذي طال مجتمعات الكنابي لعقود، وتحوّل اليوم إلى صمت رسمي عن جرائم ترقى إلى مستوى الفظائع الجماعية.


ففي الوقت الذي حرصت فيه القيادة العسكرية على زيارة مناطق متضررة بعينها، ظلّت الكنابي — وفي مقدمتها كمبو طيبة التي شهدت واحدة من أبشع المجازر من قتل جماعي، وحرق منظم للمساكن، وتهجير قسري للسكان خارج دائرة “الاهتمام الوطني”، في مشهد يعكس ازدواجية صارخة في قيمة الضحايا داخل خطاب الدولة، وكأن معاناة هذه المجتمعات لا تدخل ضمن تعريف المواطن المستحق للحماية.


الإقصاء الجغرافي بوصفه أداة للهيمنة السياسية
في التجربة السودانية، لم تكن الزيارات الرسمية يومًا محكومة بحجم الكارثة الإنسانية، بل ارتبطت غالبًا بالثقل الاجتماعي والسياسي للمناطق وسكانها. فالمجتمعات المتصلة بالبُنى القبلية النافذة تحظى بالاهتمام الرسمي والتضامن الإعلامي، بينما تُترك الكنابي — المصنّفة تاريخيًا كعمالة زراعية مهمشة .خارج مفهوم المواطنة الكاملة.
ولا يتجلى هذا التهميش في غياب التنمية فقط، بل في الحرمان من الحماية والاعتراف بالانتهاكات، وهو ما يندرج ضمن مفهوم التمييز البنيوي المؤسسي المحظور بموجب المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.


حين يصبح الاعتراف تهديدًا للسلطة
إن زيارة البرهان لأي من الكنابي المحروقة، وعلى رأسها كمبو طيبة، لا تمثل مجرد تضامن رمزي، بل تعني اعترافًا سياسيًا *بوقوع جرائم ممنهجة، وهو ما يستتبع::
فتح مسارات المساءلة الجنائية
تحميل الدولة مسؤولية التقصير في الحماية
تنشيط آليات المحاسبة الإقليمية والدولية
ومن هنا يصبح الصمت خيارًا استراتيجيًا، لا ناتجًا عن جهل بالوقائع، خاصة في ظل وفرة الشهادات التي تشير إلى تورط مليشيات متحالفة مع أطراف رسمية في أعمال القتل والحرق والتهجير القسري.
وفي سياقات النزاعات، لا يكون تجاهل الضحايا حيادًا، بل صورة من صور الإفلات من العقاب الممنهج.


لجان التحقيق: بين وهم العدالة وإدارة الجريمة سياسيًا
عقب مجزرة كمبو طيبة بشرق أم القرى، أعلن البرهان عن تشكيل لجنة تحقيق رسمية للنظر في الجرائم المرتكبة بحق سكان الكنابي. غير أنّ هذه اللجنة، على غرار عشرات اللجان التي عرفها التاريخ السياسي السوداني، تحوّلت إلى آلية بيروقراطية بلا نتائج مُعلنة، وبلا تقارير منشورة، وبلا أي إجراءات قانونية ملموسة.
حتى اليوم لم يُكشف للرأي العام عن:
صلاحيات اللجنة الفعلية
منهجية عملها
أسماء من خضعوا للاستجواب
أو نتائج وتوصيات نهائية
والأخطر من ذلك، لم تُتخذ أي عقوبات بحق المتورطين المباشرين في الجريمة، وعلى رأسهم المجرم كيكل قائد مليشيات درع البطانة سابقا .الذي تشير شهادات محلية وإقليمية دولية وحقوقية إلى دوره المركزي في التحريض والقتل والتنفيذ.
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
هل شُكِّلت اللجنة لكشف الحقيقة أم لإدارتها سياسيًا ودفنها بمرور الزمن؟
في أدبيات العدالة الانتقالية، تستخدم اللجان الشكلية في الأنظمة السلطوية غالبا كوسيلة لامتصاص الغضب الشعبي وتفريغ الضغوط الدولية دون تحقيق مساءلة حقيقية، ليصبح غياب النتائج سياسة قائمة بذاتها.


إن الصمت حول مخرجات لجنة كمبو طيبة، واستمرار الجناة أحرارا، يكرس مبدأ الإفلات من العقاب بوصفه نهجا مؤسسيًا، ويبعث برسالة خطيرة مفادها أن الجرائم ضد مجتمعات الكنابي لا تُعدّ جرائم تستوجب العدالة.
الكنابي والعنصرية البنيوية الممتدة
ما تتعرض له مجتمعات الكنابي ليس مجرد آثار جانبية للحرب، بل امتداد لخطاب تاريخي إقصائي يصوّرهم كـ “غرباء” أو “غير أصليين”، في محاولة لنزع حقوقهم في الأرض والحماية والانتماء الوطني.


وحين يتحوّل هذا الخطاب إلى عنف منظم مصحوب بصمت الدولة، فإنه يغدو سياسة غير معلنة تهدف إلى:
إعادة هندسة الوجود السكاني قسرًا
إفراغ مناطق الإنتاج من سكانها المهمشين
تكريس علاقات الهيمنة الاجتماعية القديمة
وهي مسارات تُصنَّف في أدبيات حقوق الإنسان كمقدمات واضحة للتطهير العرقي التدريجي.
كمبو طيبة: جريمة بلا ذاكرة رسمية
ما جرى في كمبو طيبة لا يمكن اختزاله في “فوضى حرب”، بل يشمل بوضوح:
قتلًا جماعيًا للمدنيين
حرقًا متعمدًا للمساكن والممتلكات
تهجيرًا قسريًا قائمًا على الهوية الاجتماعية
وهي أفعال تندرج ضمن الجرائم ضد الإنسانية وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.


غير أن غياب التحقيقات الجادة والاعتراف الرسمي يعكس إرادة سياسية لطمس الجريمة من الوعي العام.
ازدواجية قيمة الحياة في الدولة السودانية
حين تُزار بعض المناطق المنكوبة وتُهمل أخرى، تتجسد سياسة تمييز واضحة مفادها أن الأرواح ليست متساوية في نظر السلطة. وهذه الازدواجية تقوّض مبدأ المساواة أمام القانون، وتغذي الإحساس بالظلم، وتعيد إنتاج العنف في دورات متكررة.


خاتمة: الصمت ليس حيادًا بل تواطؤًا
إن تغييب كنابي الجزيرة عن زيارات البرهان، وتفريغ لجان التحقيق من مضمونها، ليس إخفاقًا إداريًا، بل تعبير عن سياسة إقصاء بالصمت وإدارة للجرائم بدل محاسبتها.
فحين تختار السلطة تجاهل ضحايا بعينهم، فإنها لا تتخلى فقط عن واجب الحماية، بل تمنح الجناة غطاءً سياسيًا غير معلن، وتصبح شريكًا غير مباشر في استمرار العنف.
وستظل مجتمعات الكنابي، رغم محاولات الطمس والتهميش، شاهدًا على أن الجرائم التي تُدفن سياسيًا تعود قانونيًا، وأن العدالة المؤجلة لا تسقط بالتقادم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى