مقالات

منذر مصطفى : ماذا تريد واشنطن من (مفضل)؟

ماذا تريد واشنطن من (مفضل)؟

كتب : منذر مصطفى

في بحر هذا الأسبوع، اختتم مدير عام جهاز المخابرات العامة، الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، زيارة أمنية-دبلوماسية إلى الولايات المتحدة الأمريكية.. تأتي هذه الزيارة امتداداً لنشاط “الدبلوماسية الأمنية” الذي بدأه الرجل علنًا منذ عامين؛ حيث قرأت أوساط محلية الزيارة في سياق سعي “حكومة بورتسودان” لتعزيز شرعية الأمر الواقع سياسياً، ومكافحة الإرهاب أمنياً، في ظل صمت لافت من الإعلام الأمريكي.

ولفهم دلالات هذه الزيارة وانعكاساتها على الصراع المركب والعنيف الدائر في البلاد منذ قرابة الـ3 سنوات، لا بد من مقاربة تربط الماضي بالراهن؛ إذ بدأت حقبة التعاون المنفرد منذ العام 2005، عندما أرسلت وكالة المخابرات المركزية (CIA) طائرة خاصة لنقل صلاح قوش إلى واشنطن رغم العقوبات المفروضة، وذلك بعد 3 أشهر فقط من توقيع اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا).

آنذاك، حوّل قوش “جهاز الأمن والمخابرات الوطني” الذي أُسس بدمج جهازي الأمن الداخلي والمخابرات الخارجية عام 1999 – إلى “عين واشنطن الموثوقة” في المنطقة، مستفيداً من خزانة معلومات ضخمة استمدها من مطابخ الجماعات الجهادية التي رعاها نظام “30 يونيو”، كما وظّف الجهاز كوحدة مناصرة لملفات استراتيجية أخرى، شملت التنسيق بشأن سد النهضة، مكافحة الهجرة غير الشرعية، وتحريك القواعد الاجتماعية للسلطة.

أدت تلك التفاهمات لاحقاً إلى فتح مكتب مبادرات الانتقال (OTI) بالسفارة الأمريكية عام 2007، وتزامن ذلك مع بدء الأعمال الإنشائية في سد الألفية (سد النهضة حالياً) عام 2011، وتوقيع اتفاقية مكافحة الهجرة غير الشرعية مع الاتحاد الأوروبي عام 2014 (عملية الخرطوم)، والتي أُنشئت لها قوة خاصة عُرفت لاحقاً بقوات الدعم السريع.

لطالما برر عمر البشير هذه التحولات الجوهرية في علاقة نظامه مع أمريكا برغبة “براغماتية” لتفادي الضربة العسكرية الشاملة؛ فبعد أن استنفدت واشنطن مراحل الوصم السياسي، العقوبات الاقتصادية، الدبلوماسية القسرية، والضربات الجراحية (كما حدث في مصنع الشفاء 1998)، لم يتبقَّ في جعبة سهامها سوى التدخل العسكري المباشر لتغيير النظام، كما جرى في العراق.

نجحت استراتيجية “خفض التصعيد” آنذاك في دفع واشنطن للتراجع عن خيار القوة، والانفتاح على فك العزلة تدريجياً، مع الإبقاء على الملف السوداني كـ “ملف استخباراتي” خالص حتى نهاية عام 2025.. ومع تنامي التهديدات الناتجة عن تطاول أمد العمليات العسكرية، بدأ الملف ينتقل جزئياً إلى أروقة “وزارة الحرب” مع بداية العام الجاري.

ويرى مراقبون أن تسريب المعلومات حول هذه التفاهمات -بعيداً عن مضامينها- يؤكد المزاعم بتنامي نفوذ “الصهيونية الإسلاموية” في السلطة على حساب المؤسسات التي يتم الترويج لاحترافيتها.. ويبدو أن المخرجات لم تغادر محطة تفاهمات 2005؛ حيث تمضي واشنطن في حماية مصالحها الأمنية والتي تتقاطع في معظم جوانبها مع تطلعات الشعب السوداني.

منذر مصطفى
باحث | معهد السياسات العامة – السودان
الثلاثاء 20 يناير 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى