د.أسامة العمري : نحب بعض دي موكَّدة ولا موش كِد؟

تحية للأستاذ عباس تلودي
وكل مبدعي بلادي علي مر التاريخ
المصالحة مع الذات ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية وأخلاقية لشعبٍ أنهكته الحروب، وأثقلته الأزمات، وتراكمت على كاهله خيبات متلاحقة. في السودان، لم يكن الإنسان يومًا هو المشكلة، بل كان – في أغلب الأحيان – ضحية وطنٍ فشل قادته في إزالة التحديات، وفي إدارة التنوع، وفي ترسيخ العدالة الاجتماعية والسياسية.
فكل إنسان سوداني هو نتاج مباشر للظروف التي نشأ فيها، ولمقدار الظلم الذي عاشه أو شاهده أو تأثر به. هذا الظلم لم ينعكس فقط على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، بل امتد ليؤثر في السلوك العام، وفي طبيعة العلاقات بين الأفراد والجماعات، حتى بات سوء الفهم والاحتقان والانقسام سماتٍ حاضرة في حياتنا اليومية، رغم أن جذورنا ، وآلامنا واحدة، ومصيرنا واحد.
إن المصالحة مع الذات تبدأ بالاعتراف بالجرح، لا بإنكاره، وبفهم الإنسان لنفسه ولحدوده ولأخطائه، بعيدًا عن جلد الذات أو تبرير الفشل. وهي تعني كذلك إدراك أن الاختلاف في الرأي أو الجهة أو الانتماء لا يحوّل الآخر إلى خصم، بل يجعله شريكًا في وطنٍ مثقل بالأوجاع، يحتاج إلى التلاقي أكثر من الصدام.
ومن هذا المنطلق، فإن المصالحة مع الآخر تصبح امتدادًا طبيعيًا للمصالحة مع الذات؛ أن نرى في بعضنا البعض ضحايا منظومة فاشلة، لا أعداءً بالضرورة، وأن نعيد الاعتبار لقيم الشعب السوداني الأصيلة التي شكّلت هويته عبر التاريخ: الشجاعة، العزيمة، الكرامة، الاحترام، والاعتزاز بالذات دون تعالٍ، وبالآخر دون خوف أو إقصاء.
إن السودان اليوم بحاجة ماسة إلى تفجير كل الطاقات الإيجابية الكامنة في شعبه، بعد إزالة مسببات الفرقة والكراهية، والانتقال من مرحلة اللوم المتبادل إلى مرحلة الفعل الوطني المشترك. فعلٌ يقوم على المشاركة الحقيقية في إدارة شؤون البلاد، وعلى تمكين الشعب من أن يكون صاحب الكلمة في رسم مستقبل وطنه، بعيدًا عن الاحتكار السياسي أو الوصاية المفروضة.
وفي هذا السياق، يبرز الحديث عن برنامج “الولايات المتحدة السودانية” بوصفه رؤية وطنية تقوم على وحدة الإرادة وتكامل الأقاليم، لا على الانقسام أو الإقصاء، وعلى عدالة توزيع السلطة والثروة، بما يضمن شعور كل مواطن بأنه شريك كامل في الوطن، يتمتع بحقوقه، ويلتزم بواجباته، ويساهم بفاعلية في بناء الدولة.
ختامًا، يبقى السؤال الذي أطلقه الفنان عباس تلودي، لا كجملة غنائية فحسب، بل كنداء وطني عميق المعنى:
نحب بعض دي موكَّدة ولا موش كِد؟
فإن كانت موكَّدة حقًا، فلنؤكدها بالفعل لا بالشعارات، وبالمصالحة لا بالثأر، وبالأمل لا بالكراهية. فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات، بقدر ما يحتاج إلى إرادة جماعية صادقة تعيد للإنسان السوداني ثقته بنفسه، وبوطنه، وبالمستقبل
د اسامة الفاتح العمري : مؤسس ورئيس منظمة ابونا ادم




