الهادي الشواف يكتب : حول الترحيل القسري للاجئين وامتحان الضمير الإنساني

حول الترحيل القسري للاجئين
وامتحان الضمير الإنساني
الهادي الشواف
مدخل:
بعيدا عن مدى صحة التسريبات التي تقول أن ما يتعرض له السودانيين في مصر، تم بتنسيق مع سلطات بورتسودان أو خلاف ذلك، يظل ما يحدث لللاجئين السودانيين في مصر يمثل شكل من أشكال التعسف، ويعتبر انتهاكًا صريحًا لكرامة وادمية الإنسان، وهو يعكس صورة مغايرة لمصر التي اوت واستقبلت السودانين باعتبارها وطنهم الثاني، ولطبيعة وعمق العلاقات بين الشعبين، خاصة وأن بعض اللاجئن تعرضوا لمعاملة غير إنسانية ولا اخلاقية، ولم يتم مرعات ابسط حقوقهم في أن يعاملوا كآدمين.
وقد شهدت مدن مثل أسوان والقاهرة حملات أمنية شملت مداهمات واعتقالات بحق السودانيين، حتى من يحملون بطاقات لجوء أو إقامات قانونية، هذا المشهد من الطبعي أنه يثير جدلاً واسعاً في الأوساط الحقوقية والقانونية، وعلى مستوى وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة مع تزايد التقارير عن ترحيل بعض السودانيين قسراً إلى السودان، وبعض الحالات شملت أطفالاً وأسر كاملة تم ترحيلهم إلى الحدود بشكل مفاجئ، وبعضهم تم ترحيله بطريقة غير لاقية وبوسائل ترحيل غير مناسبة، وفي المقابل يثير هذا الأمر تساؤلات جوهرية حول مدى قانونية هذه الإجراءات، ومدى توافقها مع التزامات مصر الدولية والمحلية في مجال حماية اللاجئين وحقوق الإنسان.
حقوق اللاجئن في محك الاختبار:
اللاجئ السوداني في مصر يتمتع بحقوق أساسية وفق القانون الدولي مثل الحماية من الترحيل القسري (مبدأ عدم الإعادة القسرية)، والحق في طلب اللجوء، والحصول على خدمات أساسية، لكن على المستوى المحلي المصري هناك قيود وتحديات عملية مرتبطة بقانون الإقامة للاجانب يشترط أن يكون لدى اللاجئ إقامة قانونية سارية، وقانون اللجوء الجديد الصادر في ديسمبر (2024م)، ينظم وضع الأجانب واللاجئين في مصر، ويفرض على اللاجئين حمل إقامة قانونية، وينظم إجراءات للجوء عبر السلطات المصرية، هذا القانون أثار انتقادات واسعة من المنظمات الحقوقية لأنه يضع عراقيل أمام تسجيل اللاجئين، ويقيد عمل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR)، ويقلل من دورها في رعايتهم، ويحد من وصول اللاجئين إلى الخدمات وبعض الحقوق، مما يضعف الحماية الدولية.
في الواقع اللاجئ السوداني في مصر يتمتع نظرياً بحقوق واسعة وفق القانون الدولي، لكن التطبيق المحلي يقيد هذه الحقوق بشكل كبير، ومن أهم الحقوق هي مبدأ عدم الإعادة القسرية، وعمليا وفعليا يتعرض بعض اللاجئن لانتهاكات عبر الترحيل القسري والاحتجاز، وقيود فى التسجيل ومنحهم بطاقات اللجوء، وتلقي الخدمات مثل المساعدات المالية والتعليم والعمل والرعاية الصحية الأساسية، وبالتالي الحرمان من حقوقه الأساسية المتمثلة في حق طلب اللجوء، وعدم التمييز، والحق في التعليم والعمل والرعاية الصحية.
الإطار القانوني الدولي:
الشاهد هو أن اتفاقية
اللاجئين لعام (1951م)، نصت صراحة في المادة: “33” (مبدأ عدم الإعادة القسرية Non-refoulement)، “على أنه لا يجوز لأي دولة طرف أن تطرد أو تعيد لاجئًا إلى حدود إقليم حيث تكون حياته أو حريته مهددة بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة أو آرائه السياسية”، تعتبر هذه المادة حجر الأساس في حماية اللاجئين من الترحيل القسري، وايضًا بروتوكول العام (1967م)، الملحق باتفاقية اللاجئين أزال القيود الزمنية والجغرافية التي كانت موجودة في اتفاقية (1951م)، مما جعل الحماية تشمل جميع اللاجئين في أي مكان وزمان، ومصر من الدول المصادقة على هذه الاتفاقية، وبالتالي يقع عليها عبء الالتزام بمضمونه وتطبيقه على أرض الواقع.
وكذلك نجد أن القانون الدولي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966م)، يحظر الطرد الجماعي للأجانب ويشترط النظر الفردي في كل حالة، واتفاقية مناهضة التعذيب (1984م)، في المادة “3” تمنع الدول من إعادة أي شخص إلى دولة يحتمل أن يتعرض فيها للتعذيب، وبالاضافة إلى ذلك أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948م) في المادة “14” يعطي الحق لكل شخص في طلب اللجوء والتمتع به هربًا من الاضطهاد، في حين أن القانون الإنساني الدولي، يحظر إعادة المدنيين إلى مناطق نزاع أو أماكن قد يتعرضون فيها لانتهاكات جسيمة، ويكمل بذلك حماية اللاجئين في حالات الحرب والنزاعات المسلحة.
وبناء على ذلك فأن هذه الإجراءات مخالفة صريحة لاتفاقية عام (1951م) وبروتوكولها العام (1967م) الخاصين بوضع اللاجئين، وكافة القوانين الدولية المشار اليها أعلاه، حيث لا يجوز ترحيل أي شخص يعلن أنه طالب لجوء قسراً، حتى لو لم يكن يحمل الورقة الصفراء أو الكرت الأزرق الصادرين من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وحتى لو انتهت الحرب، لا يمكن لأي دولة طرد اللاجئين، لأن انتهاء الحرب لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة أو الصراعات.
في واقع الحال أن أسباب اللجوء في السودان متعددة، فبالاضافة للحرب والعنف والظروف الإنسانية، فهناك الامراض كحمى الضنك، والاسباب الامنية السياسية للمعارضين وغيرها، ولا يمكن إجبار أي شخص على العودة، الا من خلال التعاون مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، والمفوضية هي الجهة المعنية بتسجيل اللاجئين وتحديد وضعهم القانوني، وأي تجاهل لبطاقاتها يعد انتهاكاً مباشراً للالتزامات الدولية، كما أن من الضروري أن تكون العودة طوعية، وأن تتم تسهيلها عبر المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، مع مراعاة الظروف النفسية والخاصة لكل فرد.
الترحيل القسري.. البعد الأخلاقي والإنساني:
الترحيل القسري يتعارض مع مبدأ احترام الإنسان لكونه إنسانًا، بغض النظر عن جنسيته أو وضعه القانوني، والأخلاق تفترض أن القرارات المصيرية يجب أن تتخذ بحرية، بينما الترحيل القسري يسلب اللاجئ حقه في تقرير مصيره، والدول التي تستقبل اللاجئين يجب أن تتحمل واجبًا أخلاقيًا في حمايتهم، لا في إعادتهم إلى بيئات قد تهدد حياتهم أو حريتهم، بالضافة إلى الصدمة النفسية العميقة التي قد يسببها الترحيل القسري، مما يضاعف معاناة اللاجئ، إذ يضيف إلى تجربة النزوح الأولى تجربة جديدة من الفقدان والقلق، وقد يؤدي كذلك الترحيل إلى فصل العائلات وتفكيك الأسر، أو حرمان الأطفال من التعليم والرعاية الصحية.
فاللاجئ ليس رقماً في سجلات الهجرة، بل هو إنسان يحمل قصة مليئة بالألم والأمل، إعادته قسرًا إلى وطن مزقته الحرب أو الاستبداد تعني الحكم عليه بالمعاناة وربما الموت، إنها ليست فقط خيانة لحقه في الحياة، بل أيضًا خيانة لواجبنا الأخلاقي في حماية حقوق الإنسان، والترحيل القسري للاجئين ليس مجرد إجراء إداري، بل هو جرح غائر في ضمير الإنسانية، كيف يمكن للعالم أن يتحدث عن حقوق الإنسان والكرامة، بينما ينتزع اللاجئ من أرض الأمان ليلقى مجددًا في قلب الخطر؟ إن هذه الممارسة تقوض أسمى القيم التي قامت عليها الحضارة الإنسانية، المتمثلة في الرحمة والتضامن والعدالة.
إن الترحيل القسري اختبار حقيقي لمدى صدق إنسانيتنا، فإما أن نختار أن نقف مع الضعفاء ونمنحهم فرصة للحياة الكريمة، أو نسمح بأن تتحول الحدود إلى جدران باردة تحجب الرحمة، والاختيار هنا ليس قانونيًا فحسب، بل هو أخلاقي وإنساني، يحدد أي نوع من العالم نريد أن نعيش فيه، فشمول القانون الدولي على مبدأ عدم الإعادة القسرية، لم يأتِ من فراغ، بل وضع ليكون صمام أمان يحمي الأرواح من الانتهاك، وتجاهل هذا المبدأ هو تجاهل لصرخة طفل فقد أهله، أو لدمعة أم تبحث عن مأوى، أو لشاب يحلم بمستقبل آمن.
الخاتمة:
الخلاصة هي أن الترحيل القسري للاجئين، أياً كانت الدولة، يظل محل جدل قانوني وأخلاقي، ويؤكد الحاجة إلى سياسات أكثر إنسانية تراعي حقوق الأفراد وظروفهم الخاصة، وترحيل اللاجئين السودانيين من مصر قسراً لا يستند إلى أساس قانوني صحيح، بل يتعارض مع التزامات مصر الدولية والمحلية، إن احترام حقوق اللاجئين ليس مجرد واجب قانوني، بل هو مسؤولية إنسانية وأخلاقية، والمسؤولية القانونية تلزم الدول بعدم إعادة أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه للاضطهاد أو الخطر، والمطلوب هو تعزيز التعاون مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وضمان أن أي إجراءات بحق اللاجئين تتم وفق القانون، مع احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، حفاظاً على حياة وكرامة هؤلاء الأشخاص.



