الذكرى الـ110 لـ تأسيس الـجـ.ـنـجـويـد : “قانونية اللا-قانون” وأتفاق “ازدواجية سيادية” جديد!!!

كتب : منذر مصطفي
طرحت الآلية الإستشارية المعنية بالسودان في 15 يناير\كانون الثاني 2026، نسخة “سرية” مطورة من مبادرة الرباعية، مكونة من 3 مسارات، وموضوعة على طاولة التفاوض أو بالأحرى التوقيع، تبدأ بتأميم القوات العسكرية “جيش مهني”، ونفاذ شامل للمساعدات الإنسانية، على غرار عملية شريان الحياة التي قادت لاتفاق نيفاشا، وعملية سياسية محددة الغايات والأطراف، وصولاً لانتقال جديد، بصندوق تمويل تنموي.
ويتوقع أن تقود لتسوية شاملة للنزاع العسكري الذي بدأ في 15 ابريل\نيسان 2023، وتعجل بوصول المساعدات الإنسانية، وسط تحفظ أطراف النزاع عليها، ومعارضة محمومة من مجموعات الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، وتدعمها قوى مدنية وفئوية، بينما يظل موقف أقصى اليسار مرتبكاً حيالها، وتعمل واشنطون على تعبئة التمويل من خلال مؤتمر إنساني على مستوى وزراء خارجية للدول المنخرطة في الآلية.
لقد أثارت المرحلة الأولى منها مواقف متزمتة من قبل طرفي الحرب واللذين يتفقان على ضرورة مواصلة “التوطين الأمني” وتقديمهما بالمسار الأخير للمبادرة كأطراف أساس على غرار اتفاقية السلام الشامل 2005، مما يثير تخوف رعاة منبر “جدة” من تحول الحل لبداية جديدة للحرب، ويفضلان فتح الطريق أمام الانتقال لدولة المؤسسات بدل تقاسم السلطة بين الـمـ.ـليـشـيات.
ويعود هذا التحدي لـ “السير ريجنالد وينجيت” حاكم الخرطوم آنذاك والذي طرح تطبيق سياسة “توطين العسكرية” في دارفور وكردفان، من خلال إعادة بناء “أورطة العرب الغربية” في يناير\كانون الثاني 1916، لا سيما بعد نجاح تجربة “الهجانة وأورطة العرب الشرقية 1906″، وهذه السياسة مستلفة من حقبة “إسماعيل باشا أيوب” والذي يعتبر المؤسس الأول لها في “1873م – 1874م” ومن ثم نجاحها في خدمة “سياسات الخديوي” لأكثر من عقد من الزمان، حيث أسقطت الثورة المهدية تلك الحقبة.
ولإدراك مآلات سردية “التوطين العسكري”، لابد من فهمها في سياقها التاريخي والراهن، والتي طالما عنت أن تكون للمجموعات العسكرية ذات التكوين العرقي والديني، أدوار في تطوير وتطبيق استراتيجية “الأمن الداخلي”، ويظهر ذلك جلياً عندما قرر “السير جيفري آرتشر” في 17 يناير\كانون الثاني 1925م، إصدار قانون لـ “تحالف مـ.ـليـشـيات” يضم أورطة العرب الشرقية والغربية والهجانة بالإضافة لتشكيلات فنية محدودة، وسمها بـ “قوة دفاع السودان”، وحدد المادة (5) أهدافها حيث نصت على أن “تُنشأ هذه القوة لغرض الدفاع عن السودان، ولحفظ النظام العام، ومعاونة السلطات المدنية في إنفاذ القوانين والأوامر الحكومية”، وبالفعل كانت تتحرك في رحلات سنوية تُسمى “رحلات الاستطلاع والجباية”، لجمع الضرائب وقمع الثورة التي تنامت بدفع من حركة اللواء الأبيض.
ولتسهيل مهمة “قوة دفاع السودان” في توطين العنف، دفع السير هارولد مكمايكل بـ “مقترح محاكم تفتيش”، أقره السير جون مافي في تعديل “قانون سلطات المشائخ سبتمبر\أيلول 1927″، ونصت المادة (6) الفقرة (أ) على أن “يكون للشيخ المفوض سلطة الفصل في الدعاوى الجنائية والمدنية التي تقع ضمن اختصاصه الإقليمي، وله الحق في فرض عقوبة الغرامة أو السجن، أو كليهما، وفقاً للجداول الملحقة بهذا القانون”، ونصت المادة (9) على أنه “لا يجوز الطعن في أحكام المشايخ أمام المحاكم النظامية، ويكون للمفتش الإداري وحده حق المراجعة أو الإلغاء”.
ولم تتجاوز الدولة الوطنية هذه الجدلية: التي يرى جانب من أطرافها بأن تطلعات السودانيين “مهدد أمني” يجب مواجهته بـ التوطين العسكري “قانونية الـمـ.ـليـشـيات”، وجانب أخر ينادي بالثورة لفتح المجال العام لاستحقاقات المواطنة “الديمقراطية” واحترافية المؤسسات الأمنية والدفاعية “جيش مهني”، وبالفعل قاد جيل الآباء المؤسسين انتفاضة دبلوماسية أدت لاستقلال البلاد في 19 ديسمبر\كانون الاول 1955، لكن سرعان ما دخل السودان في دائرة جهنمية (ديمقراطية – انقلاب – ثورة)، يرافق ذلك حروب لا تنتهي حتى تبدأ من جديد.
لكن عمر البشير كان له مأرب آخر بذات السياسة، لقد عمل على إحياء أطروحة “السير ريجنالد وينجيت” بتقنين “الـمـ.ـليـشـيات” في إطار مشروع “تنظيم الإخوان المسلمين” لابتلاع الدولة، من خلال صناعة مـ.ـليـشـيات دينية “الدفاع الشعبي” و”هيئة العمليات”، وأخرى عرقية “القوات الصديقة” و”الـجـ.ـنـجـويـد”، مع إبقاء الجيش كذراع استشاري، وإقرار قانون يتطابق وخلاصات “السير هارولد مكمايكل” في محاصرة القوى المدنية، موسوم بـ “قانون النظام العام”.
وصولاً لـ “تصدير خدمات الـمـ.ـليـشـيات”، لا سيما بعد توقيع النظام لاتفاقية بيع خدمات أمنية مع الاتحاد الأوربي “عملية الخرطوم 2014″، وبعد مرور 100 عام بالضبط من ذكرى التأسيس الأول لـ “الـجـ.ـنـجـويـد”، أعلن الجسم التشريعي “المجلس الوطني” التابع له إجازة قانونها في 18 يناير\كانون الثاني 2017، ووسمها بقوات الدعم السريع (قدس).
هذه الفرصة الاستثمارية غير المسبوقة أسالت لعاب قادة الإخوان، مما جعل تصويتهم بالأغلبية على قانون الدعم السريع ممكناً، وتوقيع عمر البشير عليه في فبراير\شباط 2017 حدثاً مبهجاً لهم؛ فهناك ملايين اليوروهات في انتظار من يقطفها، ويضيف عليها “صوص” خاص مصنوع من دماء وعذابات ملايين من السودانيين، ويغفو بعد ذلك على أسرة منسوجة من مثلث الشر: الجوع، الفقر، والمرض.
قطعت ثورة ديسمبر 2018 هذه الإجراءات التخريبية، ووضعت مشروع الاستقلال مرة أخرى على طاولة النظام العالمي الجديد، ونادت بالسلام كغاية، والعدالة كأداة، والحرية كاستحقاق، ودفعت بموقف واضح من سلطة الـمـ.ـليـشـيات: العسكر للثكنات والـجـ.ـنـجـويـد ينحل، ومع ذلك واصلت الفترة الانتقالية في ذات الممارسات، تحت مبرر أن الأمن القومي مسؤولية المكون العسكري وأن النظام الجديد قائم على شراكة “مدنية-عسكرية” (النموذج السوداني)، وبعد انقلاب 25 اكتوبر\تشرين الاول 2021 تنامى التنافس بين الـمـ.ـليـشـيات على السلطة حتى وصل مرحلة المواجهات العسكرية.
وشكلت حرب 15 ابريل\نيسان 2023 أكبر فعالية ترويج لأطروحة “إسماعيل باشا أيوب” (التوطين الأمني) من خلال إظهار دور الـمـ.ـليـشـيات في تقويض\حفظ الأمن الداخلي في آن واحد، كما سوقت لسردية “عمر البشير: الـمـ.ـليـشـيا فوق الحكومة”، وبوصف أدق امتلاكها للدولة، وهذا ما يحدث الآن في “بورتسودان ونيالا”، وكلاهما يسعيان لإقرار هذا الوضع في أي اتفاق سلام قادم أو من خلال استمرار العمليات العسكرية مهما كانت التكلفة الإنسانية.
وبما أن الاتفاق المطروح الآن يتضمن “كتيبات تشغيل” مستوحاة من سردية ديسمبر، ويأسس لـ قطيعة تامة مع أطروحات التوطين العسكري، إلا أن طرفي الحرب يضغطان في اتجاه “ازدواج سيادي” على خطى التعديلات التي أدخلها البرهان على قانون الدعم السريع في 30 يوليو\تموز 2019م.
وفي هذا الوقت المفصلي لأمتنا، تقف القوى المدنية بيد تدفع في اتجاه إنهاء المأساة القائمة وبأخرى في ترسيخ انقسام سياسي يجعل من مهامها الأساسية شبه مستحيلة؛ فقد أتاحت هذه الحالة انقضاض العسكر على السلطة في 1958 – 1969 – 1989 – 2021، والآن الحرب تكمل تلك الشرور، مستفيدة من معاول “الـتـنـظـيـم” الكارهة للحياة الطبيعية والازدهار، وما لم يتم دفع المسار الأول باتجاه القطيعة مع سياسات “التوطين الأمني”، وصولاً لعملية سياسية تبني دولة مؤسسات، فإن البلاد مقبلة على اتفاق “ازدواجية سيادية” جديد، يضاعف الويلات على السودانيين.
وبعد 110 أعوام على أول وثيقة لقانونية ممارسات الـجـ.ـنـجـويـد، وأيضاً بذات التاريخ الذي وقع فيه عمر البشير على أول قانون يشرعن توحشهم قبل 9 أعوام، تتوجه الأنظار لواشنطن بكثير من الأمل والألم في انتظار مخرجات “المؤتمر الإنساني” و”صندوق إعمار السودان”، ومن المتوقع أن يوفر حزمة حوافز إتمانية، تدفع في إتجاه تطبيق الإتفاق.
منذر مصطفى
باحث | معهد السياسات العامة – السودان
الخميس 5 فبراير\شباط 2026
البريد munzer.ppi.sd@gmail.com




