نِزار محمّد عثمان..كيمياء الشاعر الإنسان..قراءةٌ في ديوان “درب الهجير”

نِزار محمّد عثمان..
كيمياء الشاعر الإنسان..
قراءةٌ في ديوان “درب الهجير”
صفاءُ الإنسان يبدو مِن مُحيّاهُ، يَرتَسِمُ على صفحةِ وجهِه، يتشكّل سَمْتاً مع نَبرات صوته، ولأمرٍ ما وُصِفَ الجواهريّ شاعر العراق بأنّ شرخاً في صوته المبحوح يرسمُ فلسفتَه الفيثاغوريّة!!
2️⃣
ونزار محمّد عثمان فلسفتُه كيمياءُ محبّة تتسامَى في هذه الحياة الهجير، تتسامى على الهجران وترتسم وفاءا يستحيل عليه نسيان الصديق..كيمياء وفاءٍ، وتفاعُل صدقٍ، ونور إيمان.
وقد تشكّل هذا منذ إهدائه ديوانه “درب الهجير” لأخيه الذى لم يصرّح به، ولا يعرف القارئ عنه شيئا إلا نحواً من مثال في درب الحياة، رَمز له نزار الشاعر بـ”عمرو” ..
“إلى أخى عمرو.. الذي ظلّ – رغم تقلُّب الأزمان والإخوان – غيمةً في درب هجيري.. وهالةً في عتمة ديجوري.. و رمزاً لصفاء المودّة.. ونبعاً لدائم السماحة..
إلى أخي الصفاء.. الذي أُكنِّيه ولا أُسمِّيه – واسمُه مِلءُ السمعِ والبصر – زينةُ الكُتب.. ومفخرة الأصحاب – أُكنِّيه لأنّ حقيقةً ما بيننا لا يعلمُها إلاّ اللّٰه.. ولِخشيتي أنْ لا يَبلُغَ عملى منزلةَ مايُهدَى إلى صريح اسمه.
إليه.. وهو مَن هُو إحساناً.. وأنا مَن أنا تضييعاً.. أهدي – على استحياءٍ-هذا الجهد المتواضع..
نزار
3️⃣
صورةٌ من وفاء معهود في شخص نزار، وتهذيبٌ بالغ، و سمتٌ أظهرت منه الحياةُ صورةَ رجلٍ مُتمرِّس بها عاش صعابها و ذاق سعودها، ليس كما يعيشها أيّ إنسان.. لأنّ نزار كان ولايزال يرجو منها النُّور :
البحرُ عَمِيقْ
والبَرُّ أَمان
لكنَّ البُعدَ سحيقْ
الظُّلمةُ موتٌ..
والنُّورُ حياةٌ يرجوها
4️⃣
في هذه القصيدة وحدها (غريقٌ وطوقُ رَجَاء).. تُنيرُ شاعريّةُ نزار محمد عثمان حياتَه له، إذ ينشد فيها ومنها النُّور، كأنّما هو نبيٌّ في بحرِ ظلمات، أو في جوف حُوت، والاستغاثةُ – في الحال- لربٍّ قويّ.. كيمياء الغوث تدرك الانسان وتغيثه:
في قلب البحر الممتدّ غريقْ
أضناهُ البردُ.. تقاذَفَهُ الموجُ العاتي..
فازدادَ جُنوناً..
يُصعَقُ حيناً.. ثُمَّ يَفيق
فيصيحُ يُنادي:
ربَّاهُ :الظُّلمةُ باتَت تتَّسِعُ..
والصدرُ يَضيق.
عجيبٌ أمر هذا الصدر، صدر الانسان، يضيق عند الظُّلمة، ويضيق حين يسمو في أردية السماء:
يرتادُ أردِيَةَ السَّحابِ بخافِقٍ//كالبرقِ أوْمَضَ للسَّحابِ فأبرَقا
{ضيِّقا حرَجا كأنّما يصّعَّدُ في السماء}، ذلك أنّ الصدر قد حوى هذا الانسان، وَوَسِعَ قلبُه – وهو في صدره-معرفةَ اللّٰه.
والظُّلمةُ حين تُطبِقُ على صدر الإنسان يَكفهرُّ، ولهذا عبَّر المتصوِّفةُ على لسان عبدالقادر الجيلاني-وقد ذكره محمّد أحمد الرّاشدُ في المنطَلَق، أحَد كُتب سلسلة إحياء فقه الدعوة-“إذا دخلَ النُّورُ خرجَ الزُّور” والمقصود أنوار الإيمان، أنوار التوحيد. أنوار لا إله إلاّ الله.. ولَكَم هي باديةٌ على سمتِ نزار الشاعر.. نزار الإنسان، كيمياء تبدو من وضاءة لا في ملمحٍ وقور فحسب، وإنّما في وداد يتدفّق ليبهَر كلَّ مَن يَقترب مِن نِزار لِيقبِس منه معرفةً وهُدى، ونورا يُبدِّدُ الظُّلمة:
ربّاهُ الظُّلمةُ تقهرُني..
فالقلبُ أسيرٌ مصفودٌ.. والحزنُ طليق.
ثمّ يشرح هذه الكيمياء بتفاعل الإنسان..
5️⃣
يَشرحُ نزار محمّد عثمان الصَّدرَ حين تغشاه الظُّلمةُ، بل يشرح الظلمةَ كائناً مجرّداً، وقد أثبت التاريخ أنّ ترَدِّي الإنسان قد قادَه ليعبد الظُّلمة، كأنّ ذلك في بعض الفِرَق والمِلل المنحرفة، زرادشت أو غيره في نواحي بلاد فارس.. كما في الملل والنِّحَل للشهرستاني، وكتبه من المعاصرين السيّدُ أبوالحسن عليّ الحسنيّ النَّدوِيّ في سِفرِهِ القيِّم “ماذا خَسِرَ العالَمُ بانحطاط المسلمين”.. وأيّ انحطاط أكبر مِن أن يعبد الإنسان الظلام؟!!
يقرّر نزار محمّد عثمان:
ربّاه الظلمةُ ليست للإنسان..
بالبُومِ وبالخفّاشِ تليق.
ربّاهُ بِكَسْبِي خُضتُ حِماها
لكنِّي لدُجاها لستُ أطيق.
فارحم ياربّ فؤاداً يملؤه..
حُبٌّ للنُّور وثيق.
نورُ الوحي القرآن، حين يتنزّل على فطرة الإنسان.. نور الصلاة.. “والصلاة نور”-كما في الصحيح- يؤدِّيها نزار إماماً مشّاءاً للمساجد، يلهَجُ بدعائها يعانِق الخطوات في الدَّرب إلى المسجد بيت الله وحِصنه الآمِن، وظلِّه الأفيَح، والدعاء في الصحيحين البخاريّ ومسلم:
“اللهم اجعل في قلبي نورا،وفي لساني نورا، وفي سمعي نورا، وفي بصري نورا..ومِن فوقي نورا، ومن تحتي نورا، وعن يميني نورا، وعن شمالي نُورا، ومِن أمامي نورا، ومِن خلفي نورا، واجعل في نفسي نورا، وأعظم لي نورا،وعظِّم لي نُورا، واجعل لي نورا، واجعلني نورا، اللهمّ أعطني نُورا، واجعل في عصبي نورا، وفي لحمي نورا، وفي دمي نورا وفي شَعري نُورا، وفي بشري نورا”..
ثمّ نور الصُّحبة والإخاء وأصلُه القلب الأبيض المستنير بنور الله، وفي صحيح مسلم:”حتى تعودَ القلوبُ إلى قلبين: قلبٍ أبيض مثل الصّفا”:
فالنورُ لقلبي طعمُ حياةٍ.. سِرُّ وُجودٍ.. ثُمَّ رَحيق.
النُّورُ عصاةٌ في يُمناي..
تستافُ البحرَ.. لها في الماءِ بريق.
أرأيتَ ملمح النبوّة يلتمع نوراً يبدّد الظلمات؟ أرأيته عصاةً في يُمناه؟!!
فتشقُّ طريق
ريحانُ عطاءٍ يكسوها
6️⃣
هذه القصيدة نالت بها المجموعة الشعرية (درب الهجير) براعةَ الاستهلال، وتعالت كيماؤها وتفاعلت رموزها تُبينُ عن فلسفة الشاعر ونُشدانه النُّور، وهو بعد غريق.. ومن عجبٍ: غريق في درب هجير!!
تلتمع في درب الهجير صُوى ومعالم، وتلوحُ بروق.. والبرقُ منزلةُ نور كلّما أضاء “مدارج السالكين” .
وللبرق رمزيّته من لدن أساطير العرب، والبرقُ لمعُه يغيِّرُ الحال.
وبعاميّة أهل السودان، وفي مدائح أهل الطريق:
البِريق مُتلالي
لمعو غيّر حالي
والبريق هنا بصيغة التصغير.
وكانت السِعلاةُ (أنثى الغُول) قد اشترطت على زوجها عمرو بن يربوع حين تزوّجها، أنّها إذا رأت البرق حنّت إلى أهلها وغادرت في ديار السّعالي تاركةً له ذريّة صغاراً :
فاجتهد عمروٌ ألاّ ترى البرق، حتى قصَّر مرّةً فالتمع البرقُ في عينيها، فحنّت إلى أهلها فخاطبت عمرواً بقولها:
امسِك بَنِيكَ عمروٌ إنِّي آبِق//برقٌ إلى أرضِ السعالي آلِق
وقد صَوَّر أبو العلاء المعرِّيّ هذا المشهدَ في شِعره:
إذا لاحَ إيماضٌ ستَرتُ وُجُوهَها // كأنِّيَ عمروٌ والمطيُّ سَعالي
7️⃣
وشاعريّة نِزار محمّد عثمان ينثال منها الصفاء، صفاء المؤمن ذلك البادي في مُحيّاه – منذ وهلتنا الأولى في درب الهجير- في قصيدته التي نظمها وهو في جامعته، جامعة الخرطوم العام 1986(الصفاء والعبق)
إن دَمدَمَ رِيحُ الكربِ وزمجر..
وسحابُ الحُزن برق
▪️▪️▪️
إن فاض الذِّكرُ البحرُ جمالاً
ولِدمعِ العين سرَق
إن نضحَ القدح النّفسَ صفاءً
وأريجُ الرُّوح عبَق
إن جاش القلبُ الرَّحب أماناً
وكَنَبعِ النُّور دَفَق
فلتسعى أن تثبت.. أن تحيا
للهِ حياةَ صفاءٍ ثُمّ عبَق
8️⃣
وينشد النورَ نزارٌ حتى في تخصّصه العلميّ (كيمياء وفيزياء) الذي بدا في قصيدته “كليّة العلوم” وقد نظمها مقفّاةً.
والعَروض في القصيدتين السابقتين يبدو في الرنّة السامية:
مِن روحٍ فوقَ الفوقِ سمَق
أن ليس نعيماً إلاّ الإيمان
رنّةٌ متقاربة كأنّها سجع يصيبك بالسّنا فتغفو طربا، وتنتشي تفاعُلاً وتسمو مشاعرك إلى فوق الفوق..!!
9️⃣
سمةٌ تتضافرُ خيوطُ نسيجِها في (الأدب الإسلاميّ) الرّاقي حين يجسِّده بحقّ صاحبُ “درب الهجير” نزار محمّد عثمان.
🔟
وُلد نزار محمّد عثمان بمدينة الخرطوم بحري (حي الدناقلة جنوب) عام 1966م، ونال بكالريوس العلوم العامّ من جامعة الخرطوم في نهاية عام 1988م،كما نال درجةَ الماجستير في علم الكيمياء من جامعة بيشاور بباكستان عام 1992م..وحضّر لنيل درجة الـM. phill، في الكيمياء والفيزياء من المركز القوميّ لأبحاث الكيمياء الفيزيائيّة.. جامعة بيشاور.
عمِل مسؤولاً عن تحرير الصفحة الأدبيّة في جريدة “القبس” السودانيّة التي رأسَ تحريرَها صاحب الامتياز، الشيخ صادق عبدالله عبدالماجد منذ إنشائها وإلى إغلاقها في يونيو 1998 حين تسنّم الحكم ثورة الإنقاذ، ولم يسلم من أذاها أحد.
نُشرت له قصائد في بعض الصُّحف السودانيّة والعربيّة.
وقد استهواه العمل الإعلاميّ فكان من المؤسِّسين لإذاعة” طيبة” وقناتها بالسودان، كما يعمل الآن في ذات المجال بالديار المغاربيّة.




