مقالات

د.اسامة العمري : من يدفع ثمن معاناة شعب؟؟ قراءة في دولة تأخر اكتمالها

بقلم /د أسامة العمري

من يدفع ثمن معاناة شعب؟؟
قراءة في دولة تأخر اكتمالها

من يدفع ثمن معاناة شعب حين تتعثر الدولة في لحظة التكوين وحين يولد الاستقلال سياسيا قبل ان يكتمل اجتماعيا ومؤسسيا سؤال يتجاوز حدود السودان ليحاكي تجارب دول عديدة خرجت من الاستعمار وهي تحمل بذور الاضطراب في بنيتها الاولى

تشكلت الدولة السودانية الحديثة في سياق تاريخي معقد حيث رسمت الحدود واديرت السلطة وفق اعتبارات استعمارية لم تضع في الحسبان التنوع الاجتماعي والثقافي الواسع وحين جاء الاستقلال في منتصف القرن العشرين انتقلت السلطة الى نخب وطنية تسلمت مؤسسات مصممة للضبط لا للحكم الرشيد وهو ما جعل عملية التحول اكثر تعقيدا مما بدا عليه الحدث في ظاهره

لم يكن التحدي في غياب الموارد او الكفاءات بل في غياب رؤية جامعة تعيد تعريف الدولة باعتبارها اطارا للخدمة العامة لا مجالا للتنافس الصفري
فتعاقبت انظمة سياسية مختلفة مدنية وعسكرية دون ان تنجح في ترسيخ استقرار مؤسسي دائم او عقد اجتماعي واضح ينظم العلاقة بين السلطة والمجتمع

مع مرور الوقت اصبحت السلطة هدفا قائما بذاته
وتداخلت السياسة مع المصالح الضيقة
وتراجعت المعايير المهنية لصالح الولاءات
ما اضعف ثقة المواطنين في الدولة وعمق الفجوة بين المركز والاطراف

هذا المسار لم يكن نتاج فاعل واحد بل نتيجة تفاعل معقد بين قرارات سياسية قصيرة المدى وبنى مؤسسية هشة وصراعات داخلية غذتها عوامل اقليمية ودولية
وفي ظل هذا التداخل كان المواطن العادي هو الاكثر تضررا حيث تحمل اعباء النزاعات وتدهور الاقتصاد وضعف الخدمات الاساسية

وعلى المستوى السياسي انعكست هذه الاختلالات في دورات متكررة من عدم الاستقرار
حروب داخلية
نزوح واسع النطاق
وتحديات تنموية مستمرة
وهي مظاهر لا يمكن فصلها عن سؤال بناء الدولة وادارة التنوع وتوزيع السلطة والثروة

ومع ذلك لا تختزل التجربة السودانية في ازماتها
فهي تجربة تحمل دروسا مهمة حول حدود الانتقال السياسي حين لا يواكبه اصلاح مؤسسي عميق
وحول مخاطر تأجيل معالجة الاسئلة الكبرى المتعلقة بالهوية والمواطنة والحكم المحلي

ان الخروج من هذا المسار لا يرتبط بحلول سريعة بل بعملية طويلة من اعادة بناء الثقة وصياغة رؤية وطنية شاملة
وهو مسار يتطلب استعدادا لتحمل الكلفة السياسية للاصلاح والاعتراف بالاخطاء التاريخية دون الوقوع في منطق الادانة الشاملة

فمن لم يعشق صعود الجبال مات ابد الدهر بين الحفر
وفي هذا السياق يشير التعبير الى ان بناء الدول كما بناء المجتمعات لا يتم دون مشقة وصبر وعمل تراكمي

هذا المقال لا يسعى الى تقديم احكام نهائية بقدر ما يدعو الى فهم اعمق لتجربة دولة لا تزال في طور التشكل
وتذكير بان ثمن الاخفاق في بناء المؤسسات تدفعه المجتمعات قبل الحكومات وان مستقبل السودان سيظل مرهونا بقدرته على تحويل دروس الماضي الى اسس اكثر صلابة للمستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى