الهادي الشواف : أثر الحرب السودانية على دول الجوار والإقليم

اثر الحرب السودانية على دول الجوار والإقليم
الهادي الشواف
الحروب بطبيعتها تحدث اثار كارثية ومدمرة على المستوى الداخلي، وتمتد أثارها لدول الجوار وتتسع دائرة تأثيرها لتشمل الاقليم وقد تلقي بظلالها على الامن السلم الدوليين، وحرب السودان لم تكن استثناء بل هي ذات اثر واسع على تهديد الأمن الإقليمي بشكل مباشر عبر زعزعة استقرار دول الجوار، من خلال تفاقم أزمة اللاجئين، وتوسيع دائرة التدخلات الدولية في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وبشكل غير مباشر على صراع النفوذ على المنطقة خاصة منطقة البحر الاحمر، وكما القت بظلالها على وضع وحركة الغذاء وحركة البضائع والطاقة.
تأثير الحرب على دول الجوار:
فالحرب لها تأثير بشكل مباشر في زعزعة أمن واستقرار دول الجوار، حيث يمكن رصد ذلك من التدفقات الضخمة للاجئين على دول الجوار مثل تشاد ومصر وجنوب السودان وإثيوبيا وحتى يوغندا، مما يمثل ضغط على موارد هذه الدول ويهدد استقرارها الداخلي، فاندماج اللاجئين في الظروف المعقدة ليس بالأمر السهل، وكذلك اصطفاف اللاجئين إلى معسكري الحرب، ينقل الصراع بين المعسكرين إلى بلاد اللجوء، وقد يتحول من نقاش ودي واختلاف في وجهات النظر إلى نقاش عنيف، وقد يتحول إلى عنف مثل ما حدث في معسكر ديالي في يوغندا، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى الحدود المفتوحة بين دول الجوار سوف تتحول إلى سوق للسلاح، خاصة الحدود مع الجارتين ليبيا وأفريقيا الوسطى، قد تشهد تسربًا للأسلحة والمقاتلين من وإلى السودان، هذه الحدود المفتوحة ممكن أن تتحول ايضًا إلى سوق لتجارة السلاح، أو دعم وامداد طرفي الحرب بالسلاح، وكذلك الدعم اللوجستيكي الذي يسعر الحرب ويطيل امدها، وايضا ممكن أن تمثل هذه الحدود معبرًا للمقاتلين الفارين من القتال، أو مدخلًا للمقاتلين المرتزقة والمجموعات المتطرفة مثل داعش والقاعدة وبوكو حرام وغيرها، حتى الان لم تتوافر لكاتب هذه السطور معلومات تؤكد مشاركة داعش وبوكو حرام كأطراف مباشرة في الحرب السودانية، لكن هناك اتهامات بأن بعض المليشيات تتبنى أساليب مشابهة لهذه الجماعات المتطرفة، وكذلك هذه الحدود المفتوحة ممكن ان تكون ملاذًا ومسرحًا للذين يتكسبون من الحرب والفوضى من قطاع طرق ونهب مسلح، كل هذه التفاعلات الحدودية قد تعيد إشعال نزاعات كامنة ومؤجلة، وتثير مخاوف من تمدد النزاع إلى مناطق حدودية ذات تركيبة أثنية متداخلة، ما يهدد بتدويل الصراع وتجاوزه لدولة النزاع إلى جوار يمتاز بالهشاشة.
كما ذكرنا أن هناك أكثر من 15 مليون نازح ومهاجر داخل وخارج السودان، ما يشكل ضغطًا إنسانيًا وأمنيًا على دول الجوار، وكذلك خطر تجنيد الأطفال والاتجار بالبشر في مناطق النزوح، يمتد أثره ليتجاوز الحدود مما يهدد الأمن الإنساني الإقليمي، وايضًا هشاشة الإقليم كمسرح للنزاعات المتسمرة والمتجددة، والسودان يقع وسط محيط هشّ يعاني من نزاعات مزمنة، مثل الصومال، جنوب السودان، وإثيوبيا، ما يجعل أي تصعيد فيه قابلًا للتمدد، واستمرار الحرب يهدد بانهيار توازنات هشة في القرن الإفريقي، ويزيد من تعقيد المشهد الأمني الإقليمي.
ما يدور في السودان قد يحفز البعض بالاستثمار في وضعيات بعض الدول الهشة، لإعادة ترتيب المنطقة على اسس جديدة تعيد توزيع النفوس والمصالح ما بين الدول النافذة في المنطقة، فمعظم دول الجوار تعاني من هشاشة وقنابل داخلية جاهز للاشتعال، ممكن توظيفها لزعزعت استقرارها، هذه القنابل هي انعكاس لطبيعة هذه الدول وتركيبتها السكانية والاجتماعية المعقدة، وفي المقابل هناك من يتربص بدول المنطقة ويحاول ان يستثمر في هذا التنوع والتعدد لأثارة البلبلة لمصلحته، في حين أن بعض هذه الدول منغمسة في صرعاتها السياسية الداخلية، ولذلك لا تهتم كثيرًا بما يدور حولها وأن انتبهت يحاول أحد الاطراف استثمار ذلك في التغلب على خصمه السياسي، وهنا ينفتح باب التدخلات الخارجية على مصرعيه.
أثر الحرب في السودان على أمن البحر الأحمر:
الحرب السودانية لا تقتصر على الداخل فقط، بل تمتد آثارها إلى الأمن الإقليمي والدولي، خصوصًا في البحر الأحمر الذي يُعد واحدًا من أهم الممرات البحرية في العالم، فضلًا عن امتلاك السودان ساحلًا استراتيجيًا ممتدًا على البحر الأحمر يبلغ طوله (حوالي 700 كم)، وانتقال الصراع إلى هذا الساحل الممتد، وتدهور الوضع الأمني فيه يثير قلقًا لدى دول مثل السعودية ومصر وغيرها، واذا ما استمرت الحرب فترة اطول وادت إلى تدخل اطراف أخرى، فمن المرجح أن يتحول الساحل السوداني إلى منطقة نفوذ عسكري دولي، خاصة مع تزايد الاهتمام الروسي والصيني والأمريكي بالمنطقة، وتصاعد التدخلات الإقليمية والدولية، والصراع اليمني وعلاقة طرفي القتال به، والصراع الكارثي في غزة وعلاقته بالحوثيين وايران.
فالتأثيرات المباشرة تتمثل في تهديد الملاحة الدولية، وأي اضطراب أمني أو انهيار مؤسسات الدولة قد يفتح الباب أمام تهديدات للملاحة التجارية، خاصة أن البحر الأحمر يربط بين قناة السويس وباب المندب، الموانئ السودانية مثل ميناء بورتسودان، الذي يعتبر شريانًا اقتصاديًا حيويًا، ومؤكد أن الحرب تهدد استقرار هذه الموانئ، مما قد يؤثر على حركة التجارة العالمية، وكذلك من التأثيرات المباشرة على أمن البحر الأحمر يتمثل في الفراغ الأمني، فاستمرار القتال يضعف قدرة السودان على حماية سواحله، ما يفتح المجال أمام تهريب السلاح والبشر والمخدرات عبر البحر الأحمر.
وتتجسد التأثيرات الإقليمية والدولية في صراع النفوذ، فالبحر الأحمر أصبح ساحة تنافس بين قوى إقليمية (مصر، السعودية، الإمارات) ودولية (الولايات المتحدة، روسيا، الصين)، واستمرار الحرب في السودان يعزز هذا التنافس، حيث يسعى كل طرف لتأمين مصالحه البحرية، وكذلك الانفلات الامني والفوضى في السودان قد تمنح الجماعات المتطرفة والارهابية فرصة للتمدد نحو البحر الأحمر، كما حدث سابقًا في الصومال مع القرصنة، كما أن التأثير على الأمن الغذائي، فالبحر الأحمر يمثل خط إمداد رئيسي للحبوب والسلع القادمة من أوروبا وآسيا إلى إفريقيا، أي اضطراب في السودان قد يعرقل هذه الإمدادات ويؤثر على الأمن الغذائي في المنطقة، لهذه التأثيرات وغيرها فالحرب في السودان لا تهدد فقط أمنه الداخلي، بل تمثل خطرًا على أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية، مما يجعلها قضية إقليمية ودولية بامتياز، واستمرار النزاع قد يحول البحر الأحمر إلى بؤرة صراع جديدة شبيهة بما حدث في خليج عدن والصومال.
أهمية البحر الأحمر للدول الكبرى:
للبحر الأحمر أهمية كبرى لبعض الدول ذات التأثير العالي في هندسة النفوذ في العلم، وأهمها الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعتبر البحر الأحمر ممرًا استراتيجيًا بالنسبة لها لنقل النفط والسلع من الخليج إلى أوروبا، وكذلك لأمريكا قواعد عسكرية في جيبوتي تراقب من خلالها مضيق باب المندب لحماية الملاحة الدولية، وايضًا الولايات المتحدة تخشى من تمدد النفوذ الروسي أو الصيني في المنطقة، خاصة عبر السودان، وفي الجانب الاخر نجد الصين ثاني أهم دولة ذات تأثير عالمي، تتعامل مع البحر الأحمر كجزء من مشروع "الحزام والطريق"، الذي يربط الصين بأفريقيا وأوروبا، فالصين تستثمر في موانئ السودان وجيبوتي، وتسعى لتأمين خطوط التجارة البحرية، واستمرار الحرب يهدد استثماراتها ويزيد من تكاليف التأمين والنقل، وروسيا ايضًا تسعى لإنشاء قاعدة بحرية في السودان (بورتسودان) لتأمين وجود دائم في البحر الأحمر، وترى في السودان بوابة استراتيجية نحو أفريقيا والشرق الأوسط، والحرب تعرقل خططها لكنها تفتح أيضًا فرصًا للتدخل العسكري أو السياسي، والاتحاد الأوروبي يعتمد على البحر الأحمر لنقل السلع والطاقة، وايضًا يخشى من موجات الهجرة غير الشرعية والقرصنة إذا انهار الأمن في السودان بشكل شامل، وبالتالي يدعم جهود الوساطة لوقف الحرب حفاظًا على استقرار المنطقة.
واستمرار الحرب يعني تهديد مباشر للملاحة الدولية، احتمال تحول البحر الأحمر إلى ساحة صراع بين القوى الكبرى، وايضًا يمثل خطر تمدد الجماعات الإرهابية والقرصنة البحرية أحدى التحديات الكبيرة في ظل استمرار الحرب، وكذلك تعطيل التجارة العالمية وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وهذا الوضع يهدد بتحويل السودان إلى مركز جديد للتطرف في إفريقيا إذا لم يتم التوصل إلى حل سياسي شامل يعيد بناء مؤسسات الدولة ويغلق الباب أمام التدخلات الخارجية.
تأثير الحرب السودانية على السلم والأمن الدوليين:
من أكبر تأثيرات الحرب هي الأزمة إنسانية العالمية أكثر من 30 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وثلث سكان السودان نازحون داخليًا أو لاجئون، والأمم المتحدة وصفتها بأنها أكبر أزمة نزوح في العالم، ما يهدد استقرار الدول المجاورة ويزيد الضغط على المنظمات الدولية، والحرب ايضًا تمثل تهديد مباشر للأمن الغذائي العالمي، حيث أدت إلى انهيار الزراعة والإمدادات الغذائية داخل السودان، مما ساهم في تفاقم النقص في الغذاء والجوع الحاد، ووضعت البلاد على حافة المجاعة، والجزائر حذرت في الأمم المتحدة من أن النزاعات مثل حرب السودان تُغذي الجوع، مما يهدد السلام العالمي.
وايضا كما ذكرنا سابًا فأن الحرب تفتح الباب أمام تمدد الجماعات الإرهابية، فأن الفوضى الأمنية تخلق بيئة خصبة لتمدد جماعات مثل داعش والقاعدة وبوكو حرام، خاصة في ظل ضعف الرقابة على الحدود، هذا التمدد لا يهدد السودان فقط، بل يمتد إلى دول الساحل والقرن الإفريقي، مما يثير قلقًا دوليًا متزايدًا، وايضًا مثلما ذكرنا وأن السودان يقع في منطقة استراتيجية تربط بين إفريقيا والشرق الأوسط، وأي اضطراب فيه يؤثر على أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وكذلك تطرقنا لنفوذ القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا التي تتابع الوضع عن كثب، خوفًا من فقدان النفوذ أو تهديد مصالحها.
الحرب في السودان لم تعد قضية محلية أو إقليمية فقط، بل أصبحت ملفًا دوليًا يؤثر على الأمن الجماعي العالمي، واستمرارها يهدد بتفكك الدولة، ويُغذي الأزمات الإنسانية، ويُضعف جهود السلام العالمي، وخلاصة القول هو أن الصراع في السودان معقد جدًا، ويمتد تأثيره خارج حدود الدولة السودانية، ويؤثر على دول الجوار وفي محيطه المحلي والاقليمي، لأنه يجمع بين نزاع داخلي على السلطة وتدخلات إقليمية ودولية، مما يزيد من صعوبة إنهائه، فالحرب في السودان ليست أزمة داخلية فحسب، بل تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي، احتواؤها يتطلب تنسيقًا دوليًا وإقليميًا فعالًا ودعمًا إنسانيًا عاجلًا لدول الجوار لمواجهة تدفقات اللاجئين، ووعليه يجب العمل بشكل جاد لإيجاد حلًا سياسيًا شاملًا يمنع اتساع رقعة الصراع وتطويل امد الحرب، وحتى يتم القضاء على الاثار الكارثية على البلاد ودول الجوار والاقليم والامن والسلم الدوليين.




