أخبار

الهادي الشواف .. صناعة السلام المستدام في السودانرؤية لحل جذري لمسألة الحرب(4)

صناعة السلام المستدام في السودان
رؤية لحل جذري لمسألة الحرب
(4)


كتب : الهادي الشواف


ثانيًا: بناء مؤسسات مدنية قوية:


تتتبع هذه الرؤية في حلقات جذور النزاع المسلح في السودان، وتطرح رؤية استراتيجية لصناعة سلام مستدام لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل تحاول ان تطرح معالجة أولية للبنية السياسية والاجتماعية التي أنتجت الحرب، وفي هذا الاتجاه تستند إلى تحليل الواقع السوداني، وتتبنى مقترحات عملية لبناء عقد اجتماعي جديد، وإصلاح مؤسسات الدولة، وتمكين المجتمعات المحلية. في هذا المقال نحاول تسلّيط الضوء على أهمية بناء مؤسسات مدنية قوية، تبدأ من تكوين حكومة انتقالية بصلاحيات واضحة وواسعة، واصلاح الخدمة المدنية والادارة العامة، كمدخل لمعالجة جذرية لمسألة الحرب في البلاد، وتحقيق السلام المستدام.


بناء حكومة مدنية انتقالية بصلاحيات واضحة.. خطوة حاسمة نحو التحول المدني الديمقراطي:


في ظل الأزمات المتلاحقة التي يعيشها السودان، لم يعد ممكنًا الاعتماد على التسويات الهشة أو الحكومات المختلطة التي تُعيد إنتاج الصراع، فالبلاد بحاجة إلى حكومة مدنية انتقالية كاملة وبصلاحيات واسعة وواضحة، تُدير المرحلة الحرجة نحو التحول المدني الديمقراطية، وتُعيد بناء مؤسسات الدولة، وتُكرّس مبدأ سيادة القانون، بعيدًا عن هيمنة العسكر أو المحاصصات الضيقة، وان يكون لديها القدرة على التصدي وقطع الطريق أمام من يحاول ان يضع العراقيل والكوابح وتعطيل الفترة الانتقالية، لأن الحكومات الانتقالية السابقة كانت إما تحدي سيطرة المؤسسة العسكرية أو رهينة لتوازنات وتكتلات حزبية، مما أضعف قدرتها على الإنجاز، لأن غياب الوضوح في الصلاحيات أدى إلى صراعات داخل السلطة، وشلل إداري، وانعدام الثقة، وعدم قدرة على تنفيذ البرامج والمشاريع والقرارات، ولأن الانتقال المدني الديمقراطي يتطلب قيادة مدنية كاملة، تُعبّر عن الإرادة الشعبية، وتُدير المرحلة مسنودة بمرجعية دستورية واضحة.


ومن أهم ملامح الحكومة المدنية الانتقالية المطلوبة، ان تكون مدنية بالكامل، ويجب أن تتكوّن من شخصيات مدنية قوية ومؤهلة ومهنية، غير منتمية للمؤسسة العسكرية، وتُمنع مشاركة أي جهة مسلحة في تشكيلها أو التأثير عليها، ويتم ابعاد كل المكونات المسلحة، وكل من شارك في الحرب العبثية اللعينة، ويجب أن تتمتع بصلاحيات محددة دستوريًا، بحيث يُحدد الإعلان الدستوري أو الوثيقة الانتقالية صلاحيات الحكومة بدقة، وتشمل هذه الصلاحيات ايضًا إدارة الدولة وتنفيذ العدالة الانتقالية، وإعداد للانتخابات الحرة والنزيهة، دون تجاوز أو تداخل مع سلطات أخرى، وأن تتكون الحكومة من تمثيل عادل وشامل تُراعي فيه التنوع الاقليمي والنوعي، ويتم اشراك النساء والشباب والمجتمعات المحلية في مواقع صنع القرار، وأن تنهض الحكومة الانتقالية على برنامج زمني واضح، حيث يجب تحديد خارطة طريق زمنية لإنجاز المهام الانتقالية وفق جداول واضحة ومحددة، تشمل تحسين الوضع المعيشي للسكان، ومعالجة اثار الحرب، وإعداد الدستور، وإصلاح مؤسسات الدولة.. وغيرها، وفي نهاية الفترة الانتقالية تنظيم انتخابات حرة ونزيهة تحت رقابة محلية ودولية، بالإضافة إلى خضوع الجميع للرقابة والمساءلة، وأن تخضع الحكومة الانتقالية لرقابة برلمانية أو شعبية، وتُقدّم تقارير دورية عن أدائها، وتُحاسب على أي تجاوز أو تقصير.


رغم تعقيدات المشهد، فإن بناء حكومة مدنية انتقالية هو فرصة تاريخية لإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة، ويتطلب ذلك توافقًا سياسيًا بين المكونات الحية، ودعمًا شعبيًا واسعًا، وضغط وضمانات دولية، لتمهيد الطريق لتحول ديمقراطي مدني حقيقي، يعيد الثقة في الدولة ومؤسساتها، نعم بناء حكومة مدنية انتقالية بصلاحيات واضحة ليس مجرد مطلب ثوري، بل هو شرط أساسي لإنقاذ السودان من الفوضى والعودة إلى الحكم الرشيد، إنها لحظة تأسيس، لا إدارة أزمة، والسودان لن يتعافى ما لم تُسلّم السلطة للمدنيين، وتُدار المرحلة الانتقالية بعقلانية، وعدالة، وشفافية.

إصلاح مؤسسات الخدمة المدنية في السودان.. من التسلط إلى الخدمة العامة:


في السابق لم تكن مؤسسات الدولة يومًا أدوات لخدمة المواطن، بل تحوّلت في كثير من الأحيان إلى أدوات للهيمنة والتمكين والتمييز والفساد، من القضاء إلى الإعلام، ومن الشرطة إلى الإدارة المحلية، تعاني المؤسسات من ضعف هيكلي وبنيوي، وانعدام الشفافية، وتسيس الوظيفة العامة، هذا الواقع ادى إلى ضعف الثقة في مؤسسات الخدمة المدنية، وغذي الاحساس بالتهميش، وبالتالي إعادة إنتاج الأزمات بشكل مستمر، لذا، فإن إصلاح مؤسسات الخدمة المدنية في الدولة ليس مجرد مطلب إداري، بل هو شرط أساسي لتحقيق سلام مستدام، وبناء وطن عادل ومستقر.


لماذا نحتاج إلى إصلاح جذري لمؤسسات الخدمة المدينة، لأنه ببساطة حصل انهيار كامل للمؤسسات الدولة ومؤسسات الخدمة المدينة، بشكل ممنهج على امتداد فترة حكم سلطة الثلاثين من يونيو 1989م، وقد تم تسيسها بكامل بهدف انجاز عملية التمكين المزعومة، واشتعال حرب الخامس عشر من ابريل ادى إلى تدمير ما تبقى من بنية تحتية يمكن التأسيس عليها، وايضًا لأن مؤسسات الدولة تُدار ومنذ فترة طويلة بمنطق الولاء لا الكفاءة، مما يُضعف الأداء ويُكرّس المحسوبية، وغياب الشفافية ادي إلى انتشار الفساد، وتسيس المؤسسات حوّلها إلى أدوات قمع بدلًا من أدوات خدمة، مما جعل المواطن يفقد الثقة في مؤسسات الدولة، ويشعر بأنها لا تمثّله ولا تحمي حقوقه.


والمدخل الاولى لإصلاح هذا التخريب الممنهج، هو العمل على اصلاح واعادة بناء مؤسسات الدولة بشكل جديد، بعد دراسة شاملة وتشخيص لطبيعة واسباب الانهيار، ومن ثم تصميم خطط تخاطب الاسباب وتضع حلول جذرية، وإلى ذلك الحين فان هناك واجبات مقدمة يجب انجازها بشكل عاجل لتمهيد الطريق للمعالجة الشاملة، في مقدمتها إعادة هيكلة مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة والمهنية، مع وضع معايير واضحة للتوظيف والترقية، تراعي المؤهلات والخبرة، وتقصي الولاءات الحزبية والجهوية، وتأتي على رأس هذه العملية، اصلاح واعادة هيكلة مؤسسات الخدمة المدنية، والمؤسسات العدلية، من خلال تحقيق استقلالية القضاء، وضمان استقلال النيابة والمحاكم، وتفعيل الرقابة القضائية على أداء الدولة، بالإضافة إلى إصلاح الأجهزة الأمنية والشرطية، واعادة هيكلتها على أساس عقيدة وطنية ومهام مدنية واضحة، واحتكار العنف لدي الاجهزة الامنية التابعة للدولة، وتحويل الشرطة والأمن إلى مؤسسات مدنية مهنية، تُخضع للرقابة المدنية والمساءلة، ويتم تأهيلها تأهيل مهني، وتُدرّب على احترام حقوق الإنسان.


فضلا عن رقمنة الإدارة العامة “الحكومة الالكترونية”، واستخدام التكنولوجيا لتسهيل الخدمات، وتقليل الفساد، وتعزيز الشفافية في المعاملات الحكومية، وإشراك المجتمع المدني في التخطيط والتشريع، وتمكين منظمات المجتمع المدني من مراقبة الأداء الحكومي، وتقديم التقارير، والمشاركة في صياغة السياسات.


بالإضافة إلى إصلاح واعادة بناء مؤسسات الإعلام الرسمي، عبر بناء مؤسسات اعلامية وطنية ومهنية، وتحويل الإعلام من أداة دعائية إلى منصة وطنية تُعبّر عن كل المكونات، وتُكرّس المهنية والحياد، وتعبر جميع مكونات المجتمع المحلي، وبناء مؤسسات ثقافية تعكس تنوع المجتمع السوداني وتعبر عنه.


إصلاح الادارة العامة والقضاء.. لبنة أساسية في بناء الدولة السودانية الحديثة:


لم تسلم المؤسسات العدلية والقضائية عن التسيس والتمكين والضعف البنيوي والهيكلي، كما ذكرنا سابقًا، بل كانت في كثير من الأحيان يتم توظيفها كأدوات للهيمنة وقمع الخصوم، والمحسوبية، والإقصاء، هذا الخلل الهيكلي والتخريب الممنهج ساهم في إضعاف ثقة المواطن في الدولة، وأعاق مسار العدالة، وأفشل محاولات التنمية، لذا، فإن إصلاح واعادة بناء هذه المؤسسات يُعد خطوة مركزية في أي مشروع وطني للتحول المدني الديمقراطي وبناء السلام المستدام.
وعملية الإصلاح واعادة البناء ضرورة عاجلة لأن القضاء وكل المؤسسات العدلية فقدت الحيادية والاستقلالية، وأصبحت خاضعًا للسلطة التنفيذية أو العسكرية، يتم توظيفها في خدمة السلطان، وايضا لم تسلم الإدارة العامة من التسيس، حيث اصبحت تُدار بمنطق الولاء لا الكفاءة، مما يُكرّس الفساد ويُضعف الأداء، ومثلت الخدمة المدنية أس الفساد والمحسوبية والتمييز، بسبب تسيسها وغياب التدريب، وتهميش الكفاءات، خاصة من الأقاليم.


وتتمثل أهم ملامح الإصلاح المطلوب في ضرورة اعادة هيكلة وبناء المؤسسات العدلية، وضمان استقلال وحيادية القضاء، والفصل التام للقضاء وكل المؤسسات العدلية عن السلطة التنفيذية، عبر تأكيد الفصل ما بين السلطات الثلاثة التنفيذية والقضائية والتشريعية، وإنشاء مجلس قضائي مستقل يُشرف على التعيينات والترقيات، وتفعيل دور النيابة العامة في حماية الحقوق، لا في خدمة السلطة، وإصلاح الإدارة العامة، من خلال وضع معايير شفافة للتوظيف والترقية، تُراعي الكفاءة والتنوع والتوزيع العادل.


وإعادة هيكلة الوزارات والمؤسسات والهيئات والادارات، لتكون أكثر فاعلية واستجابة لاحتياجات المواطنين، اعتماد اللامركزية في الادارة العامة، واعادة تكوين المفوضية القومية للخدمة المدنية على اساس قومي، وتحديث مؤسسات الخدمة المدنية، من خلال إطلاق برامج تدريب وتأهيل مستمر للموظفين، ومراجعة الهياكل الوظيفية لضمان العدالة في الأجور والترقيات، إشراك النساء والشباب والمهمّشين في الوظائف العامة، لضمان تمثيل عادل، وعدم احتكار مؤسسات الدولة من قبل شريحة اجتماعية محددة، وتعزيز الرقابة والمساءلة، وتفعيل دور الأجهزة الرقابية المستقلة، مثل ديوان المراجعة والمفوضية القومية لمكافحة الفساد، إشراك المجتمع المدني في مراقبة الأداء الحكومي، فصلًا عن نشر تقارير دورية عن أداء المؤسسات، تُتاح للرأي العام، مع عقد مؤتمرات للمراجعة والتقييم والتطوير.


على العموم ان الخطوة الأولى نحو اعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، هو إصلاح واعادة بناء جميع مؤسسات الدولة العامة والخدمية، ولا يمكن الحديث عن تحول مدني ديمقراطي أو سلام مستدام دون مؤسسات دولة قوية، مهنية، شفافة، وخاضعة للمساءلة، والسودان لن يتعافى ما لم تُعاد صياغة الدولة لتكون في خدمة الناس، لا في خدمة شريحة اجتماعية محددة أو ايدلوجية معينة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى