في ذكرى الفاشر و الجنينه بين فظائع الحرب وخذلان المسؤولين

بقلم : أ محمد المصطفي اوسكار
Mohamedmustafa3243@yahoo.com
29 اكتوبر 2026
لقد مضى عام منذ ان سقطت ، تلك الارض الفتية التي عرفت ب ( شنب الأسد ) في قبضة ( التتار ) ،و مضى أكثر من ثلاثة أعوام على المجزره التي شهدتها أرض السلاطين ( دار اندوكا ) حيث اختلط الدم بالدمع، ودفن الرجال أحياء، وبيعت الأرامل في سوق النخاسة.
لم تكن الفاشر يوماً مجرد حكاية تروي أو قضية تطرح، بل كانت مدينة تنبض بالحياة، تعلوها الضحكات ، وتضيء مدارسها بالعلم، وترتفع المآذن فيها أذانا للصلاة. لكنها اليوم تحولت إلى مدينة أشباح، وشاهد على فظائع العصر، صارعت الموت تحت وطأة الجوع والقصف والحصار، امتد لأكثر من عام، وقصف طال المستشفيات والأسواق ومعسكرات النزوح ، وقنص استهدف الأطفال والنساء ، وحرمان السكان من الدواء والغذاء. إنها مأساة تتجاوز حدود المعاناة الإنسانية لتضع الضمير الوطني و العالمي أمام اختبار قاس، في مشهد يستحضر زحف المغول.
أما دار أندوكا، «الجنينة»، فلا أدري من أين أبدأ الحديث عنها، فالكلمات تعجز عن الوصف ، لقد شهدت المدينة مجزرة مروعة وإبادة ممنهجة استهدفت إثنية المساليت، قتل الناس فيها على أساس القبيلة ، ودفن الشباب احياء في مقابر جماعية ، وتعرضت النساء للاغتصاب أمام اعين الناس، و دمرت أحياء كاملة ،و تحولت معاناة النساء إلى مأساة إنسانية لا توصف، ولا انسي ذبح الوالي والتمثيل بجثته.
أكتب اليوم شاهدا على عصر لا أجد وصفا يليق به أكثر من «عصر الرويبضة»،الزمن الذي تختل فيه الموازين، ويقدم فيه من لا يستحق، ويهمش فيه أصحاب الحق. وهو ما يستحضر الحديث النبوي الشريف: «تمر عليكم سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق».
اجد نفسي اكتب اليوم رئيس مجلس السيادة الموقر،
لقد بلغت القلوب الحناجر وتفاقمت الأزمات، واستشرى الفساد في الأخلاق والذمم، حتى أصبح ضعف الجبهة الداخلية مدخلاً يطمع من خلاله العدو في البلاد وأهلها. وفي ظل هذا الواقع، لم يعد مقبولا أن تظل معاناة المواطنين مجرد أرقام في التقارير أو عناوين عابرة في الصحف، بينما تتواصل المأساة على الأرض.
الي رئيس مجلس الوزراء .
في هذه الذكرى التي سوف تظل محفورة في ذاكرت: ما حييت، أتذكر تصريحك الذي قالت فيه ( إنه لا توجد أزمة وقود ، وإن الأوضاع آمنة )، اذكرك بأن أول خطوات الإصلاح والمضي قدماً تبدأ بالوضوح والشفافية ، ووضعهم الحقائق ، مهما كانت صعبة ، حتى نكون قادرين على تفهم التحديات وتحمل أعباء هذه المرحلة الحرجة.
فالمواطن لا يحتاج إلى خطابات سياسية بقدر ما يحتاج إلى مصارحة حقيقية، ومعلومات واضحة، وإجراءات عملية تعكس واقع حياته اليومية ، إن الاعتراف بالأزمة ليس ضعفا ، بل هو الخطوة الأولى نحو معالجتها، أما إنكارها بينما يشعر المواطن باثرها، فلا يزيده إلا فقدانا للثقة .
إلى حاكم إقليم دارفور
أقولها بوضوح إن التاريخ لا يرحم، وإن الكراسي زائلة، والمناصب إلى زوال، وما يبقى في ذاكرة الشعوب هو ما يقدمه المسؤولون في اللحظات الحاسمة، وما يكتبونه من مواقف ، وما يحفظونه من حقوق وكرامة لأهلهم .
لقد منحك أهل دارفور ثقتهم، وعلقو عليك آمالهم بعد سنوات من المعاناة والعذاب ، فلا تخذلهم ، ولا تترك الناس لمصيرهم ، إن البيانات لا تحرر أرضا ، ولا تنهي حصارا، ولا تنصف مظلوما، كما أن صمت المدافع في الفاشر لا يمكن اعتباره نصراً ، إذا كان ثمنه خذلان المواطنين وتركهم يواجهون الموت والجوع وحدهم.
إن ما ينتظره الناس اليوم ليس مزيداً من التصريحات، بل أفعالا توازي حجم الكارثة ، نريد جهوداً عسكرية تستهدف مواقعهم، وتوقف البيع في سوق النخاسة.
إن ضحايا الفاشر والجنينة اليوم، لا يطالبون بالعدالة والقصاص من المسؤولين عن الجرائم فقط ، بل بمواقف عملية تضع حداً لمعاناتهم ، تحركوا قبل أن تتحول خيبات الأمل إلى أحكام قاسية في الذاكره، وقبل أن تصبح دماء الضحايا شاهداً على تقصير لا تمحوه السنوات .



