مقالات

الأحزاب السودانية بين شيخوخة الفكرية وأزمة التجديد

مركز الاستدامة للتنمية والاستنار
م. عبدالله موسى أحمد – باحث
csda22026@gmail.com

تتمثل أزمة السودان الأساسية في انفصال السياسة عن الفكر، إذ انشغلت السياسة بإدارة الصراع على السلطة، بينما تراجعت قدرتها على صياغة تصور واضح للدولة والمجتمع والمستقبل. لذلك، لا يبدأ الخروج من الأزمة بتغيير الحكومات أو تبديل التحالفات وحده، لكن بإعادة وصل الفكرة بالممارسة وتحويل الرؤية إلى مؤسسات وسياسات عامة.
لذلك، لا يكفي أن نتحدث عن من يحكم السودان؟ بل ينبغي أن نتحدث أولاً بأي أفكار يُحكم وبأي مؤسسات تتحول هذه الأفكار إلى واقع؟
فالدولة التي تفتقر إلى مشروع تتحول إلى سلسلة من ردود الأفعال والحزب الذي لا يملك رؤية يصبح تنظيماً يسعى إلى السلطة، بدلاً من أن يكون مؤسسة تسهم في تغيير المجتمع وبناء الدولة.

من السياسة الفكرية إلى إدارة اللحظة، عرف السودان في مراحل سابقة حضوراً أوضح للمثقف في المجال السياسي اختلفنا او اتفقنا. فقد جمع المحجوب بين السياسة والأدب وارتبط الصادق المهدي بإنتاج فكري واسع، فيما أسهم عبد الخالق محجوب ومثقفون آخرون في ترسيخ تقاليد فكرية داخل الحركة الشيوعية. كما طرح جون قرنق رؤى بشأن الدولة والمواطنة والتنوع والعلاقة بين المركز والأقاليم وامتلكت الحركة الإسلامية في بداياتها خطاباً فكرياً وتنظيمياً واضحاً.


لم تكن تلك التجارب خالية من الأخطاء، لكنها تؤكد أن السياسة تكون أكثر قدرة على التأثير حين تستند إلى رؤية فكرية وأن الفكر يكتسب قيمته حين يدخل مجال الفعل العام.

أما اليوم، فقد طغت ثقافة اللحظة، إذ تتبدل الحكومات والتحالفات وتتعثر المبادرات. ومع اندلاع الحرب تراجعت حديث عن الدولة أمام قضايا الشرعية والسيطرة والسلام والمساعدات. غير أن هذه القضايا، مهما كانت ملحّة لا تلغي عن الحديث الأعمق أي دولة ينبغي أن تنشأ بعد الحرب؟ هل تكون دولة مركزية، أم تعيد توزيع السلطة والموارد؟ كيف تُدار التعددية؟ وما موقع الحكم المحلي؟ وما شكل المؤسسة العسكرية؟ وكيف تُبنى العدالة ويُنشأ اقتصاد قادر على إعادة الإعمار؟ لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة بردود الأفعال، لكن عبر رؤية فكرية متماسكة ومؤسسات بحثية وتعليمية قادرة على تحويل المعرفة إلى سياسات عامة.

الفكر والسياسة وبناء الدولة، العلاقة بين الفكر والسياسة ليست خطاً يسير في اتجاه واحد، فالفكر يمنح السياسة رؤيتها والسياسة تختبر الفكر في الواقع. والفكرة التي لا تتحول إلى برنامج تظل مجرد تصور، بينما يتحول البرنامج الذي لا يستند إلى رؤية إلى إجراءات متفرقة تفتقر إلى البوصلة.


لهذا، فإن الفكر والسياسة جناحان لعملية واحدة فيها يحدد الفكر الغاية والاتجاه وتبحث السياسة عن الوسائل، ثم تحوّل المؤسسات كليهما إلى ممارسة مستدامة. ومن هنا يتضح أن أزمة السودان لا تكمن في غياب الأفكار تماماً، لكن في ضعف قدرتها على الانتقال من الخطاب إلى البرنامج ومن البرنامج إلى المؤسسة ومن المؤسسة إلى نتائج ملموسة.


وقد ضعفت في المقابل، قدرة السياسة على طرح الأسئلة الكبرى، كما تراجع تأثير المؤسسات الفكرية في صناعة القرار. فأصبح المجال العام أكثر انشغالاً بإدارة الخلاف من بناء التصورات وأكثر اهتماماً بتوزيع النفوذ من تأسيس قواعد الدولة.

أزمة النخبة وتجديد المؤسسات، لا تقتصر الأزمة على ضعف الأحزاب، بل تمتد إلى النخبة والجامعات ومراكز البحث ووسائل الإعلام. فعندما تبتعد المعرفة عن القرار وينشغل المجال العام بالصراع اليومي، تتحول السياسة إلى تبادل للاتهامات، بدلاً من أن تكون تنافساً حول البرامج والرؤى. وعندها تظل أسئلة المركز والأطراف، والسلطة والثروة، والجيش والسياسة، والهوية والمواطنة، والتنمية والتهميش، معلقة بلا حلول، لأن غياب الرؤية يحول دون بناء سياسات متكاملة بشأنها.


كذلك، فإن تغيير القيادات وحده لا يكفي. فقد تعيد الوجوه الجديدة إنتاج المنهج القديم إذا بقيت الثقافة التنظيمية وآليات اتخاذ القرار على حالها. أما التجديد الحقيقي، فيتطلب مؤسسات داخلية فاعلة وانتخابات دورية وتداولاً للقيادة وبرامج قابلة للمراجعة وآليات لقياس أثر السياسات، داخل القوى السياسية ومؤسسات الدولة معاً. فالمؤسسة هي الحلقة التي تمنع الفكر من التحول إلى شعار وتمنع السياسة من الانزلاق إلى إدارة مؤقتة للمصالح.

من الوصول إلى السلطة إلى بناء الدولة
ثمة فرق جوهري بين سؤال كيف نصل إلى السلطة؟ وسؤال ماذا سنفعل عندما نصل إليها؟ يحتاج السودان إلى الانتقال من سياسة الوصول إلى السلطة إلى سياسة بناء الدولة. وهذا الانتقال لا يتحقق بتغيير الخطاب وحده، لكن بإعداد كوادر تجمع بين المعرفة السياسية والخبرة في التخطيط والاقتصاد والإدارة العامة والقانون والتنمية والعلاقات الدولية.


فإدارة بلد خرج من حرب واسعة تتطلب أكثر من تحالفات انتخابية أو ترتيبات حكومية، إنها تحتاج إلى مؤسسات قادرة على إنتاج قرار رشيد وإلى برامج تحدد الأولويات وتربط بين الإصلاح السياسي وإعادة الإعمار والعدالة والتنمية.
لذلك، فإن المعركة المقبلة ليست انتخابية أو حكومية فحسب، بل هي معركة لبناء مؤسسات تجعل الرؤية قابلة للتنفيذ والاستمرار.

إنتاج الأفكار وإعادة تأسيس الدولة، لا يحتاج السودان إلى استنساخ نماذج جاهزة، بل إلى دراسة تجاربه الخاصة وتكييف الخبرات الدولية مع واقعه. فقضايا الفيدرالية والعدالة الانتقالية، والإصلاح الأمني، والحكم المحلي، وإدار، الموارد والاقتصاد المنتج، تحتاج إلى أبحاث سودانية جادة ومرتبطة بالواقع.


وهنا تستعيد الجامعات ومراكز الدراسات والإعلام الثقافي دورها في تشكيل الوعي العام وصياغة البدائل. فالحزب ليس آلة انتخابية فحسب والجامعة ليست مؤسسة لمنح الشهادات فقط والصحيفة ليست منصة للتعليق على الأحداث وحده بل تؤدي هذه المؤسسات دوراً في إنتاج الأفكار واختبارها وربطها بحاجات المجتمع والدولة.


كما ينبغي ألا تتحول مرحلة ما بعد الحرب إلى مجرد إعادة توزيع للمناصب بين النخب نفسها، لكن فلتكن إلى إعادة تأسيس للدولة. فقد كشفت الحرب هشاشة المؤسسات وأظهرت الحاجة إلى مراجعة الإدارة والاقتصاد والعلاقة بين المركز والأقاليم، فضلاً عن إعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسات العسكرية والمدنية.


وتتطلب إعادة التأسيس أن تتحول الدروس المستخلصة من الحرب إلى سياسات واضحة، لا إلى خطابات مؤقتة، وأن يصبح بناء الدولة مشروعاً عاماً تشارك فيه القوى السياسية والمجتمع المدني والجامعات ومؤسسات الدولة.

وهنا تتمثل القضية المركزية في أن السودان لن يخرج من أزمته ما لم يُعد وصل الفكر بالسياسة والسياسة بالمؤسسة. فالفكر يمنح الدولة غايتها والسياسة تحول الرؤية إلى خيارات والمؤسسة تضمن تنفيذها واستمرارها.


ومن دون هذا الترابط، تظل السياسة إدارة يومية للصراع ويظل الفكر تأملاً بعيداً عن الواقع وتبقى الدولة عرضة لإعادة إنتاج أزماتها مهما تغيرت الوجوه أو الحكومات.


لذلك، لن يتحدد مستقبل السودان بمن يجلس على مقعد السلطة فقط، لكن بنوعية الأفكار التي يحملها والمؤسسات التي تنفذها والكوادر القادرة على تحويلها إلى سياسات عامة.
والامر الحقيقي ليس كيف نعود إلى السلطة؟ بل ما الدولة التي نريد بناءها وما الرؤية التي تقودها وما المؤسسات القادرة على تحويلها إلى واقع؟


فعلية عندما يلتقي الفكر بالسياسة وتدعمهما المؤسسة، يصبح الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل مساراً قابلاً للبناء، لا مجرد شعار جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى