“حين تصبح الحقوق قضية وطن”

بقلم: سيف الدين آدم أحمد (ديفيد)
عزيزي القارئ، يبدأ المقال بسؤال مهم جدًا أحتاج منكم الإجابة عليه في التعليقات، ماذا يعني لك الإنسان؟
في وجهة نظري تعني لي الحياة قبل السياسة والكرامة قبل السلطة والحق قبل الانتماء. يعني أن الإنسان ليس رقمًا في الإحصائيات ولا اسمًا في قائمة ضحايا ولا مجرد فرد تحكم قيمته قبيلته أو منطقته أو موقفه السياسي. الإنسان قيمة في ذاته وكرامته ليست منحة من دولة أو جماعة أو سلطة بل حق أصيل لا ينبغي أن ينتزع.
ومن هنا أفهم الإنسانية باعتبارها موقفًا أخلاقيًا وحقوقيًا قبل أن تكون مجرد شعور عاطفي. أن تؤمن بأن حياة الإنسان المدني في الخرطوم أو دارفور أو كردفان أو أي مكان في السودان أو العالم لها القيمة نفسها وأن الخوف الذي يعيشه طفل نازح لا يصبح أقل ألمًا لأنه ولد في منطقة بعيدة تبعد مسافة من المكان الذي تتواجد فيه، وهذا يعني أن فقدان أسرة لمنزلها لا يمكن أن يصبح أمرًا عاديًا لمجرد أن الحرب جعلت النزوح جزءًا من حياتنا اليومية.
السياسة في جوهرها يجب أن تكون وسيلة لخدمة الإنسان لا وسيلة للسيطرة عليه وعندما تتحول السياسة إلى مبرر للعنف أو الإقصاء أو التمييز أو خطاب الكراهية فإنها تفقد معناها الأخلاقي وتبتعد عن الغاية التي يفترض أن تخدمها حماية الإنسان وصون حقوقه وكرامته.
لذلك، فإن الدفاع عن حقوق الإنسان بالنسبة لي ليس موقفًا انتقائيًا، لا يمكن أن ندافع عن حق الإنسان عندما يكون من جماعتنا، ثم نصمت عندما يكون من الطرف الذي نختلف معه، الحقوق لا ينبغي أن تتغير بتغير الهوية أو الموقف السياسي.
إذا كان الاعتقال تعسفيًا فهو انتهاك، بصرف النظر عن اسم المعتقل وإذا كان استهداف المدنيين انتهاكًا فهو انتهاك مهما كان الطرف الذي ارتكبه وإذا كان خطاب الكراهية يهدد النسيج الاجتماعي فعلينا رفضه مهما كان مصدره أو الجهة التي تستفيد منه وهذا يتكرر في عالمنا اليوم بكثرة ولا يخدم مجتمعاتنا سوى التفكك وافتعال الصراعات.
لقد جعلتنا الحروب أكثر احتياجًا إلى هذه القيم فالحرب لا تقتل الناس وحدهم إنها تهدد التعليم والصحة والأمان وسبل العيش وتدفع الملايين إلى النزوح وتترك خلفها مجتمعًا مثقلًا بالخوف والفقدان والانقسام وفي مثل هذه الظروف يصبح الدفاع عن المدنيين ومواجهة خطاب الكراهية والدعوة إلى السلام والعدالة مسؤولية تتجاوز السياسة اليومية.
أنا أؤمن أن السلام ليس مجرد توقف إطلاق النار، السلام الحقيقي هو أن يشعر الإنسان بأنه آمن وأن يمتلك حقه في الحياة والتعليم والعمل والحرية وأن يجد العدالة عندما تنتهك حقوقه وأن يستطيع أن يعيش مع المختلف عنه دون خوف أو كراهية.
كما أن العدالة ليست رغبة في الانتقام، بل طريق لاستعادة الثقة ومنع تكرار الانتهاكات والمصالحة لا تعني نسيان الألم أو محو الحقيقة وإنما مواجهة الماضي بصدق وإنصاف الضحايا ومحاسبة المسؤولين وفق القانون وفتح الطريق أمام مجتمع يستطيع أن يعيش دون أن يحمل جراح الحرب من جيل إلى آخر. إنني لا أعتقد أن مستقبل السودان يمكن أن يبنى بالسلاح وحده ولا بالانتصار الذي يترك خلفه مجتمعًا أكثر انقسامًا، المستقبل يبنى عندما يصبح الإنسان هو نقطة البداية والغاية عندما تصبح الحرية والعدالة والسلام حقوقًا يعيشها الناس وقبل أن نبحث عن المنتصر في الصراع، علينا أن نسأل: كم إنسانًا فقدناه؟ هذه هي الإنسانية في معناها السياسي والحقوقي فالإنسانية تجمعنا.




