استراحة الجمعة: فى الفن والابداع والشجن .. الفنان صالح الضي غناءه ذاكرة وطنية (1)

ممركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م.عبدالله موسى احمد – باحث
csda22026@gmail.com
هناك فنانون يعتبرون تاريخ الغناء وآخرون يتركون فيه زمناً كاملاً. فكان صالح الضي من الفئة الثانية. إذ لم يكن مجرد مطرب صاحب صوت عذب، لكنه فناناً متكاملاً جمع بين الكتابة والتلحين والأداء واستطاع أن يحول الحب والحنين والانتظار إلى جزء من الذاكرة الوجدانية للسودانيين.
وُلد صالح الضي آدم رمضان في مدينة بارا عام 1936م ونشأ في بيت ارتبط بالموسيقى، إذ كان والده الضي آدم رمضان من العازفين المعروفين في القوات المسلحة. انتقلت الأسرة إلى الأبيض وهناك بدأ تعليمه قبل أن يعمل في صناعة الأثاث، ثم قادته موهبته إلى الغناء، خصوصاً بعد انتقاله إلى بورتسودان في خمسينيات القرن الماضي.
كانت بورتسودان نقطة التحول الأهم في مسيرته. ففيها نضجت موهبته وبدأ يكتب ويلحن ويغني قبل أن ينتقل إلى الخرطوم، حيث اتسعت تجربته وتعرف إلى عدد كبير من أبرز رموز الأغنية السودانية بينهم محمد الأمين وخليل إسماعيل وأبو عركي البخيت والشاعر إسحاق الحلنقي. وفي عام 1962م شارك في مهرجان المديريات ممثلاً للمديرية الشرقية، فانتقل من الانتشار المحلي إلى حضور أوسع في الساحة السودانية.
تميز صالح الضي بقدرته على صناعة الأغنية من داخلها. يكتب النص ويضع اللحن، ثم يمنحه بصوته حياة جديدة. وبرز ذلك في أعمال مثل يا عيني، والميعاد، وليالي الحب ويا جميل يا حلو، ونهر الحب، إلى جانب أعمال أخرى شكلت رصيداً مهماً في الأغنية السودانية الحديثة.
كما أسهم تعاونه مع شعراء مثل إسحاق الحلنقي وأبو آمنة حامد وبابكر عبد الرحمن ومحمد علي أبو قطاطي وخليفة الصادق في تنويع تجربته وإثرائها. وكانت علاقته بإسحاق الحلنقي نموذجاً بارزاً لتكامل الشعر واللحن والصوت، بينما أظهرت أعماله مع أبي آمنة حامد قدرته على التعامل مع النصوص ذات الكثافة العاطفية والصور الشعرية.
أما سر تطريبه، فلم يكن في استعراض الإمكانات الصوتية وإنما في الإحساس والاقتصاد والقدرة على وضع الكلمة في مكانها الصحيح. كان يعرف متى يمد الجملة ومتى يمنحها مساحة ومتى يجعل صوته في خدمة المعنى. لذلك بدا أداؤه قريباً من المستمع وكأن الأغنية تحكي تجربته الشخصية.
وتأتي أغنية رسالة ومثالاً واضحاً على هذه القدرة. فقد حول فيها الغياب والاشتياق وانتظار الأخبار إلى صورة غنائية بسيطة وعميقة، تعكس تجربة السفر والاغتراب وعلاقة الإنسان السوداني بالبيت والأهل. وبذلك تجاوزت الأغنية حدود العاطفة الخاصة لتصبح تعبيراً عن تجربة اجتماعية واسعة.
ولم يكن انتقاله إلى القاهرة في نهاية الستينيات مجرد محطة خارجية، بل كان امتداداً لحضوره الفني بين السودانيين في المهجر. حمل صوته معه وظل يقدم الأغنية السودانية لجمهور يعيش بعيداً عن الوطن، فصار الغناء بالنسبة إليه وسيلة لاستعادة المكان والذاكرة.
تكمن قيمة صالح الضي في أنه لم يسع إلى تقليد غيره، بل صنع لنفسه شخصية فنية واضحة تجمع البساطة والعذوبة والشجن. ولذلك بقيت أعماله حاضرة رغم تغير الأجيال والأذواق. لأنها لم تعتمد على جمال اللحن وحده وإنما خاطبت مشاعر إنسانية لا يطويها الزمن.
رحل صالح الضي لكن صوته بقي. ومع كل استماع إلى رسالة أو لميعاد أو ليالي الحب، لا يعود المستمع إلى أغنية قديمة فحسب، لكن إلى زمن وذكريات وأحاسيس ارتبطت بها.
لهذا فإن صالح الضي ليس مجرد اسم في سجل المطربين السودانيين، بل أحد الذين أسهموا في تشكيل ملامح الأغنية الحديثة وجعلوا من الصوت واللحن والكلمة وسيلة لحفظ الذاكرة. وقد يرحل الفنان عن الحياة، لكن حين تصبح أغنياته جزءاً من وجدان الناس، فإنه يظل حاضراً بينهم؛ وهذا هو المعنى الحقيقي لأن يتحول الغناء إلى ذاكرة وطنية.
صالح الضي والبساطة فيناً (2)
لم يكن صالح الضي مجرد صوت جميل في مسيرة الغناء السوداني بل كان صاحب تجربة فنية متكاملة، جمع فيها بين التلحين والأداء والعزف، واستطاع أن يصنع لنفسه أسلوباً يصعب الخلط بينه وبين غيره. قوته لم تكن في استعراض قدراته الصوتية وإنما في قدرته على تحويل الكلمة إلى إحساس يصل إلى المستمع بسهولة.
في التلحين اتكأ صالح الضي على روح الموسيقى السودانية وسلّمها الخماسي لكنه لم يتعامل معه كقالب جامد. كان يميل إلى الجملة اللحنية الواضحة والقريبة من الأذن ويمنح الكلمة مساحة كافية للتعبير. لذلك بدت ألحانه بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل حساً عاطفياً عميقاً وهو ما جعل كثيراً منها قابلاً للبقاء في الذاكرة.
أما التطريب فكان أحد أسرار تجربته. لم يعتمد على قوة الصوت أو المبالغة في المدّ والصعود لكن على النبرة والإحساس وتوقيت الجملة. كان يعرف متى يرفع صوته ومتى يخفضه ومتى يترك للكلمة أن تتقدم على اللحن. ولهذا بدا شجنه هادئاً وحزنه رقيقاً وفرحه بعيداً عن الصخب.
وفي الأداء امتلك شخصية صوتية واضحة. فصوته لم يكن مجرد أداة لغناء اللحن لكنه جزءاً من معناه. كان يغني بطريقة حميمة تجعل المستمع يشعر بأن الأغنية موجهة إليه وحده وهي خاصية ساعدته على تحويل موضوعات الحب والانتظار والفراق والحنين إلى تجارب إنسانية مشتركة.
وتكشف المقارنة مع معاصريه اختلاف المدارس أكثر مما تكشف صراعاً على الأفضلية. فـمحمد الأمين اتجه إلى البناء الموسيقي الواسع والجمل الطويلة والتصاعد الدرامي وجعل الفرقة الموسيقية شريكاً أساسياً في صناعة العمل. أما أبو عركي البخيت فوسّع مساحة الأغنية لتصبح أكثر ارتباطاً بالإنسان والمجتمع والموقف، بينما تميز خليل إسماعيل بحضور الصوت الشجي وقدرته على حمل الحزن والتأمل.
أما صالح الضي فاختار طريقاً آخر هو الاقتصاد في الوسيلة والعمق في الإحساس. لم يكن يسعى إلى إبهار المستمع بقدر ما كان يريد الوصول إليه. ولذلك ظلت أغنيته قريبة من الوجدان، سهلة التلقي وقادرة على استعادة الذكريات بعد عقود من ظهورها.
وتكمن أهمية تجربته أيضاً في كونه فناناً متعدد المواهب. فقد ارتبط بالغناء والتلحين والعزف، وتعامل مع شعراء بارزين، كما حمل تجربته إلى القاهرة واحتك بوسط فني عربي أوسع دون أن يفقد خصوصيته السودانية.
في النهاية لا تصح مقارنة صالح الضي بمحمد الأمين أو خليل إسماعيل أو أبي عركي على أساس من الأفضل. فلكل واحد منهم مشروعه وصوته الجمالي. لكن صالح الضي ترك بصمته من خلال قدرته على إعطاء البساطة قيمة فنية وتحويل التطريب إلى إحساس وجعل الأغنية تبدو سهلة دون أن تكون سطحية.
محمد الأمين يأخذك إلى اتساع اللحن وأبو عركي إلى عمق المعنى وخليل إسماعيل إلى مساحة الشجن، بينما يأخذك صالح الضي إلى ذاكرة الإحساس نفسه.
وهذه ربما هي إحدى أهم أسرار بقائه في وجدان السودانيين.



