السودان بين أزمة الهوية وأزمة المواطنة

بقلم / الدكتور الهادي صيام.
في السودان، نسمع كثيرًا عبارات تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل وراءها مشكلة أكبر تتعلق بكيف ننظر إلى وطننا وإلى بعضنا البعض.
من هذه العبارات:
نحن سودانيون، وغيرنا مختلف عنا.نحن وطنيون، ومن يختلف معنا خائن.
نحن مسلمون، ومن يخالفنا في الرأي عدو للدين.قد تبدو هذه العبارات مجرد تعبير عن الرأي، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول من التعبير عن الذات إلى وسيلة لإقصاء الآخرين.
أولًا: من هو السوداني؟
من الطبيعي أن يعتز الإنسان بوطنه وأن يقول: «أنا سوداني وأفتخر بسودانيتي». وهذا شعور جميل ومشروع.لكن السؤال المهم هو: من هو السوداني الأكثر أصالة؟
السودان بلد متنوع، عاش فيه وتعايش عبر تاريخه أناس من أصول وثقافات وقبائل ومناطق مختلفة. وتداخلت فيه التأثيرات الأفريقية والعربية والنوبية وغيرها عبر قرون طويلة. ولذلك من الصعب، بل من الخطأ، اختزال السودان في هوية واحدة فقط.
السودانية ليست مسابقة نبحث فيها عن صاحب الأصل الأكثر نقاءً، وليست امتيازًا تمنحه جماعة لجماعة أخرى.السودانية هي المواطنة والانتماء والمسؤولية تجاه الوطن.
والسؤال الأهم ليس: من السوداني الأكثر أصالة؟
كيف نبني دولة يشعر فيها كل سوداني بأنه مواطن كامل الحقوق والواجبات؟
ثانيًا: هل الاختلاف يعني الخيانة؟من أكثر العبارات التي أضرت بالحياة السياسية السودانية عبارة:
نحن وطنيون، وغيرنا خونة.من حق أي إنسان أن يقول إنه وطني ويحب بلده. لكن ليس من حقه أن يجعل وطنيته سببًا للحكم على الآخرين بالخيانة.
فالاختلاف مع الحكومة لا يعني الخيانة، والاختلاف مع الجيش لا يعني الخيانة، والاختلاف مع الأحزاب أو الحركات السياسية لا يعني الخيانة.وكذلك فإن انتقاد الإسلاميين أو القوى المدنية أو أي جهة سياسية لا يعني بالضرورة العمالة أو الخيانة.الاختلاف في الرأي جزء طبيعي من الحياة السياسية.أما الخيانة، فهي قضية خطيرة يجب أن تستند إلى أدلة ومعايير قانونية واضحة، وليست مجرد تهمة نوجهها إلى كل من يختلف معنا.
لقد عانى السودان كثيرًا من عقلية «نحن وهم»: نحن أصحاب الحق، وهم أعداء الوطن.وعندما يعتقد كل طرف أنه وحده يمثل السودان، يصبح الحوار صعبًا، ويتحول المختلف من شريك في الوطن إلى عدو.وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
ثالثًا: الدين والسياسة
هناك مشكلة أخرى عندما يتحول الخلاف السياسي إلى خلاف ديني.
من المهم أن نفرق بين الإسلام كدين وبين الإسلام السياسي كمشروع أو رؤية سياسية.فليس كل مسلم إسلاميًا سياسيًا، وليس كل من يختلف مع الإسلاميين عدوًا للإسلام.كما أن انتقاد حزب أو جماعة سياسية لا يعني انتقاد الدين نفسه.
المشكلة تبدأ عندما نستخدم الدين للحكم على الخصوم السياسيين، فنصف من يختلف معنا بأنه ملحد أو عدو للدين.
عندها لا يعود النقاش حول الاقتصاد أو الحكم أو الدستور أو الحريات، وإنما يتحول إلى سؤال خطير عن إيمان الناس وعقائدهم.
وهذا يضر بالمجتمع كله؛ لأن السياسة بطبيعتها تقوم على الاختلاف والحوار، بينما يؤدي تكفير الخصم إلى إغلاق باب الحوار.
لماذا وصلنا إلى هذه المرحلة؟هذه المشكلة لم تظهر من فراغ.هناك أسباب عديدة ساهمت في انتشار هذا النوع من الخطاب، منها ضعف مفهوم المواطنة، وطول الصراع على السلطة، والتهميش السياسي والاقتصادي، وتسييس القبيلة والمنطقة والدين، وعسكرة الحياة السياسية، إضافة إلى تأثير الحروب والإعلام والخطابات التي تقوم على التعبئة والاستقطاب.
وعندما يشعر الإنسان أن قبيلته أو منطقته أو هويته أو معتقده مهدد، فإنه غالبًا يبحث عن الحماية داخل جماعته.وبمرور الوقت، يبدأ في النظر إلى الآخرين باعتبارهم خطرًا عليه.
وهكذا تتحول الهوية من وسيلة للتعريف بأنفسنا إلى وسيلة لإقصاء الآخرين.
فما هو الحل؟الحل ليس في إلغاء الهويات المختلفة.فالسوداني يمكن أن يكون عربيًا أو أفريقيًا أو نوبيًا، ويمكن أن ينتمي إلى قبيلة أو منطقة أو ثقافة معينة. ويمكن أن يكون مسلمًا أو علمانيًا، أو ينتمي إلى تيار سياسي مختلف.كل هذه الانتماءات يمكن أن تتعايش داخل وطن واحد.المهم هو ألا تصبح هذه الانتماءات سببًا لحرمان الإنسان من حقوقه كمواطن.المواطنة يجب أن تكون الإطار الذي يجمع الجميع.نحن بحاجة إلى الانتقال من فكرة:
من ليس معنا فهو ضدنا وقديما قيل تناقشني اقنعك تقعني بقتلك
إلى فكرة أبسط وأكثر إنسانية:قد نختلف في السياسة، لكننا متساوون في الوطن.السودان ليس ملكًا لجماعة واحدة، ولا لحزب واحد، ولا لقبيلة واحدة، ولا لمنطقة واحدة، ولا لمؤسسة عسكرية أو سياسية بعينها.السودان ملك لجميع السودانيين.
ما هي الدولة التي نريد بناءها؟نحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يقوم على قواعد واضحة وبسيطة:
المواطنة المتساوية
لا يوجد مواطن من الدرجة الأولى ومواطن من الدرجة الثانية.الجميع متساوون في الحقوق والواجبات أمام الدولة. احترام الاختلاف والاختلاف السياسي ليس خيانة، والاختلاف الفكري ليس جريمة، والاختلاف الديني لا يجعل الإنسان عدوًا لوطنه.عدم احتكار الوطنية
لا يحق لأي جماعة أن تقول إنها وحدها تملك الوطنية، أو أن تمنح الآخرين صكوك الوطنية أو تسحبها منهم.عدم استخدام الدين لإقصاء الآخرين الدين له مكانته واحترامه، لكن الخلاف السياسي يجب أن يبقى مجالًا للنقاش والاجتهاد والاختلاف، دون تحويل الخصومة السياسية إلى اتهامات دينية. سيادة القانون لا يجب أن تكون القوة أو السلاح أو القبيلة أو الحزب فوق الدولة والقانون.الدولة القوية هي التي يخضع فيها الجميع للقانون.
السؤال الحقيقي
من هو السوداني الأكثر سودانية؟أو من هو الأكثر وطنية؟أو من هو الأكثر تدينًا؟السؤال الأهم هو كيف نستطيع أن نعيش معًا، رغم اختلافنا؟
فالسودان لن ينهض عندما يصبح جميع أبنائه نسخة واحدة من بعضهم البعض.
بل سينهض عندما ندرك أن اختلافنا يمكن أن يكون مصدر قوة، وأن الوطن يمكن أن يتسع للجميع.
نحن سودانيون، نعم، لكن سوداويتنا لا تعطينا الحق في إقصاء الآخرين.ونحن وطنيون، نعم، لكن وطنتينا لا تمنحنا الحق في تخوين من يختلف معنا.ونحن مسلمون، نعم، لكن إسلامنا لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لإخراج الآخرين من دائرة الوطن أو الحكم عليهم في عقيدتهم.
كلمة أخيرة المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط حول: من يحكم السودان؟
بل حول سؤال أكبر:
أي سودان نريد أن نبني؟
هل نريد سودانًا تحكمه الجماعة الواحدة، ويشعر فيه الآخر بأنه غريب؟
أم نريد سودانًا يكون فيه المواطن هو الأساس، ويتساوى فيه الجميع أمام القانون؟
ربما يكون الطريق إلى الاستقرار هو أن نتعلم أولًا كيف نختلف دون أن نتحول إلى أعداء، وكيف نحافظ على هوياتنا المختلفة دون أن نجعلها جدرانًا تفصل بين أبناء الوطن. فالسودان يستطيع أن يتسع للجميع، إذا اتفقنا على أن الوطن أكبر من الحزب، والقبيلة، والمنطقة، والمؤسسة، والتيار السياسي.السودان وطن الجميع، والمواطنة هي الجسر الذي يمكن أن يجمعهم.




