مقالات

من عنتيبي إلى بورتسودان.. مناوي يكسر الجليد

من عنتيبي إلى بورتسودان.. مناوي يكسر الجليد


*بقلم: أ. محمد المصطفى أوسكار
Mohamedmustafa3242@yahoo.com
12 اغسطس 2026

قبل أن نبدأ في تحليل خطاب حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي أمام أبناء الجالية السودانية المقيمين في جمهورية أوغندا دعونا نعود إلى الوراء قليلاً ولكن ليس بعيداً.

ففي 20 فبراير 2026 التقى قائد قوات الدعم السريع في قصر الضيافة بعنتيبي بالرئيس الأوغندي يوري موسيفيني. ولا نعلم على وجه الدقة ماذا دار في ذلك اللقاء لكن المؤكد أن التحرك الأوغندي تجاه الملف السوداني لم يمر مروراً عابراً على الخرطوم وأعقبه حراك دبلوماسي وسياسي سوداني رفيع المستوى كان من أبرز محطاته زيارة نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار إلى أوغندا في 14 فبراير 2026 والتي يمكن قراءتها باعتبارها محاولة لكسر حالة الجمود وإعادة ضبط مسار العلاقات بين البلدين.

ثم تواصلت الزيارات والاتصالات رفيعة المستوى وصولاً إلى زيارة رئيس جهاز المخابرات العامة والسفير الأوغندي لدى السودان في سياق يؤكد أن العلاقة السودانية الأوغندية لم تعد مجرد علاقة ثنائية تقليدية وإنما أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بالتطورات السياسية والأمنية والإقليمية المحيطة بالحرب السودانية.

ومن هنا تأتي أهمية زيارة مناوي إلى أوغندا فالمتابع للمشهد السوداني يعلم علم اليقين بأن المسؤولين لا يتحركون من فراغ ولا يقررون من غير حسابات ومخطئ من ظن أن مناوي انتقل من قلب الخرطوم إلى قلب عنتيبي فقط من أجل تنوير أبناء السودان بمجريات الميدان.

مناوي بلا أدنى شك تلقى دعوة رسمية من الحكومة الأوغندية لزيارة أوغندا والرجل يعتبر أكثر من حاكم إقليم وقائد حركة مسلحة وفاعل سياسي في المشهد ويمكن قراءة حضوره في المشهد الأوغندي باعتباره شخصية سياسية لديها قنوات تواصل مهمة مع القيادة الأوغندية.

لماذا مناوي هو من يكسر الجليد
في مقدمة مقالي قلت بأن مناوي من قلب الخرطوم إلى عنتيبي لكسر الجليد فالرجل عالم بتداعيات المشهد السوداني وحاضر في قلب العاصفة التي ضربت السودان لما يقارب الأربع سنوات ابتداءً من الاتفاق الإطاري وما صاحبه من تجاوزات سياسية.

وإني أرى في منظوري الشخصي بأن مناوي قدم شرحاً منفصلاً للوضع في السودان وطبيعة الصراع ومن الصعب افتراض أن الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني بخبرته الطويلة في ملفات الإقليم لا يدرك خطورة الرسائل التي حملها خطاب مناوي.

ولهذا فإن ما يقوله مناوي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد مناورة سياسية أو كسب سياسي وإنما باعتباره رسالة سياسية تحمل في داخلها الكثير من المعاني.

الخطر الإقليمي
قدم مناوي شرحاً مفصلاً للرئيس موسيفيني حول رؤيته لطبيعة الصراع في السودان مشيراً إلى أن ما يجري لا يمكن النظر إليه باعتباره صراعاً داخلياً فقط وإنما خطر إقليمي مدعوم من أطراف إقليمية ودولية لها مصالح مباشرة في استمرار الحرب.

وبحسب القراءة التي قدمها مناوي فإن ما يجري في السودان قد يتجاوز حدود الصراع الداخلي إلى مشروع توسع إقليمي أوسع تدعمه أيادٍ داخلية وخارجية.

والشاهد على ذلك استجلاب المرتزقة من دول مختلفة ومن بينها عناصر كولومبية وغيرها مما جعل الحرب السودانية تتجاوز في بعض جوانبها حدود الإقليم.

فالسودان يقع في موقع جغرافي حساس تتصارع فيه الأقطاب ويرتبط بالقرن الأفريقي والبحر الأحمر ووسط أفريقيا وشمالها وأي تغيير في موازين القوى داخله ستكون له انعكاسات تتجاوز الحدود السودانية.

ومن هنا تأتي الرسالة الأهم عبر تنوير أبناء الجالية السودانية في أوغندا.

مناوي من شرح الأزمة إلى كسر الجليد
اللافت في خطاب مناوي أنه لم يكتف بالحديث عن الحرب وتطوراتها العسكرية وإنما حاول أن يضع الأزمة السودانية في سياقها التاريخي والسياسي مؤكداً أن جذور الأزمة أقدم من الحرب الحالية وأن قوات الدعم السريع وفق رؤيته ليست أصل الأزمة وإنما واحدة من أعراضها.

وقفة الحداد رسالة ومدرسة
استهل مناوي اللقاء بالوقوف دقيقة حداداً على أرواح شهداء السودان وليس دارفور وحدهم في رسالة واضحة بأن الجرح واحد أراد من خلالها التأكيد على أن الحرب مهما اختلفت المواقف حول أسبابها ومساراتها خلفت واقعاً إنسانياً لا يمكن تجاهله.

جذور الأزمة
انتقل إلى جذور الأزمة مشيراً إلى تراكم المشكلات السياسية والتنموية وعدم قدرة الحكومات المركزية المتعاقبة على معالجتها بصورة جذرية الأمر الذي أسهم بحسب رؤيته في الوصول إلى الوضع الراهن.

وهنا تكمن إحدى أهم نقاط خطاب مناوي والتي أتفق فيها معه وهي أن السودان لا يستطيع معالجة أزمته الحالية بمجرد انتهاء القتال لأن إيقاف الرصاص لا يعني بالضرورة إنهاء أسباب الحرب.

ثورة ديسمبر البداية
توقف مناوي عند منعطف جوهري وسؤال حقيقي من اختطف ثورة ديسمبر مشيراً إلى أن بداياتها انطلقت من الدمازين ثم عطبرة والخرطوم وانتشرت في مختلف أنحاء السودان لكن الثورة بذاتها كانت مدعومة من دول تعتبر صديقة للسودان واختطفت من قبلهم.

كما تناول الاعتصام أمام القيادة العامة متحدثاً عن تدخلات خارجية مشيراً إلى أن الثورة بحسب توصيفه انتُزعت من أصحابها وأن عناصر غير ثورية تصدرت المشهد عقب سقوط النظام.

وهذه النقطة تحديداً تفتح واحداً من أكبر الأسئلة التي لم تجد إجابة حتى الآن.

هل كانت المشكلة في الثورة نفسها أم في الطريقة التي أُديرت بها المرحلة الانتقالية بعد الثورة؟

فالسودان ظل ينتقل من أزمة إلى أخرى دون أن ينجح في بناء نظام سياسي مستقر قادر على إدارة التنوع السياسي والاجتماعي والإقليمي.

الطلقة الأولى
من أطلق الطلقة الأولى يرى مناوي بأن الأهمية لا تكمن في السؤال بل في التفاصيل وهنا أتفق مع مناوي في أن السؤال الجوهري من بدأ التصعيد أولاً تجد الإجابة على من أطلق الطلقة الأولى فخلال السرد الذي قدمه مناوي في حلقة في تلفزيون السودان وحجم الشاحنات القادمة من الغرب تجد الإجابة.

كما تناول مناوي سؤالاً جوهرياً هل الدعم السريع عرض للأزمة أم أصلها حديث مناوي عن قوات الدعم السريع من أكثر أجزاء الخطاب وضوحاً.

فقد اعتبرها أحد أعراض الأزمة السودانية وليس أصل المشكلة لكنه في الوقت ذاته رفض محاولات الدعم السريع تقديم نفسه ممثلاً لقضايا الهامش متهماً إياها بارتكاب انتهاكات قديمة متجددة بحق أبناء الهامش وتدمير العاصمة الخرطوم.

وهنا يجب التوقف عند الفكرة الأساسية فإذا كانت الحرب الحالية نتيجة تراكمات تاريخية فإن إنهاء الحرب وحده لن يكون كافياً لبناء السودان الجديد.

المطلوب هو معالجة جذور الأزمة والتهميش والتنمية غير المتوازنة وأزمة السلطة والثروة وشكل الدولة والعلاقة بين المركز والأقاليم.

الشرارة الأولى والحشد العسكري
تحدث مناوي عن الحشود العسكرية التي شاهدها قبل اندلاع الحرب محذراً من محاولات إحداث تغيير ديموغرافي في السودان وداعياً السودانيين إلى العودة إلى بلادهم والمساهمة في إعادة إعمارها وعدم السماح لأي جهة بفرض واقع ديموغرافي جديد.

وهنا في تقديري أن مناوي يضع يده على ملف شديد الحساسية فالحرب لا تغير السيطرة على الأرض فقط بل قد تغير التركيبة السكانية إثر النزوح واللجوء إذا لم تتم معالجة آثار النزوح واللجوء والتهجير بصورة عادلة.

زمزم والأمريكان
أرى أن مناوي طرق الحديد وهو حامٍ حيث تطرق إلى نقطة ربما تكون من أخطر النقاط في حديثه وخصوصاً قبل سقوط زمزم مشيراً إلى اتصالات تلقاها من جهات دولية بينها الولايات المتحدة بشأن ترتيبات إيصال المساعدات الإنسانية من طويلة إلى المعسكر.
وهنا يكمن الخطر الدولي فالوعود التي تلقاها لم تكن سوى على ورق راح ضحيتها نفر كريم.

كما تحدث عن الهدنة الإنسانية لا تكون إلا بعد تقدم القوات في كثير من المحاور دليلاً على أن اللوبي الدولي لا يريد للقوات الانتصارات على الدعم السريع ويوقفهم بذريعة الهدنة الإنسانية.

وبغض النظر عن اختلاف الروايات حول تفاصيل هذه الأحداث فإن الرسالة الأهم التي ينبغي التوقف عندها هي أن الانتصار العسكري لا يمكن أن يكون بديلاً عن المعالجة الإنسانية.

فعودة النازحين واللاجئين وفتح المدارس وإعادة الخدمات الأساسية وتأمين المدن والقرى كلها جزء من معركة ما بعد الحرب.

خميس أبكر والتطهير العرقي للمساليت ملف لا يمكن تجاوزه
وحقيقة أن حديث مناوي بصورة واضحة أن الدعم السريع في أيامه الأولى لم يطلق طلقة واحدة تجاه الجيش بل توجه بصورة مباشرة صوب قبيلة المساليت لمدة ثمانية وخمسين يوماً.
بل إن هذه الأحداث لم تكن الأولى فمنذ تقاسم الرجل السلطة مع الرئيس قام بعدد من الأحداث منها أحداث الجبل وكرينك وكريندك ومستري مشدداً بأن كل هذه الأحداث كانت بسلاح الدولة ذاتها بذريعة التطهير العرقي والتغيير الديموغرافي مطلقاً ألفاظاً عنصرية واضحة.

ومن الملفات المهمة التي أثارها مناوي حديثه عن لقائه بعبد الرحيم دقلو في أنجمينا بعد نحو شهرين من اندلاع الحرب مشيراً إلى أنه ناقش معه قضية مقتل والي ولاية غرب دارفور خميس عبدالله أبكر.

وأكد مناوي أن التبريرات التي قدمت بشأن مقتله لم تكن مقنعة بالنسبة له مشيراً إلى معرفته بما حدث.

وهنا تبرز قضية العدالة باعتبارها واحدة من أخطر ملفات المرحلة القادمة.
فالسودان لا يستطيع أن يبني سلاماً مستقراً فوق مقابر جماعية ولا يمكن أن تكون المصالحة بديلاً عن العدالة كما لا يمكن أن تتحول العدالة إلى أداة للانتقام.
المطلوب هو عدالة مستقلة وشفافة تشمل الجميع دون استثناء أو حصانة سياسية.

في رأي الشخصي بأن الرسالة الواضحة بأن السودان يواجه واحدة من أخطر أشكال العنصرية والعنف اللفظي وخطاب الكراهية الممنهج الذي إذا لم يتم التعامل معه بحسم ربما يؤدي إلى ما لا يحمد عقباه.

الحوار السوداني
دعا مناوي إلى حوار سوداني شامل يقود إلى إقامة حكومة ونظام فدرالي حقي معالجة جذور الأزمة السياسية والتنموية وعدم الاكتفاء بالحلول المؤقتة.

أرى أن الدعوة إلى حوار سياسي إن لم تكن مربوطة بتنازلات حقيقية من كل الأطراف تعتبر مناورة سياسية في غير موضعها الصحيح. إن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى عقلاء يقدمون المصلحة الوطنية على المصلحة الشخصية فالسودان بلد متنوع ويعتبر بوابة العالم أجمع إذا أحسن التعامل مع موارده وموقعه.

وفي ختام حديثه طرح رؤية تقوم على وحدة السودان مع مركزية ملفات محددة أبرزها السياسة الخارجية والدفاع والبنك المركزي مقابل منح الأقاليم صلاحيات واسعة في التنمية والخدمات.

وهذه الرؤية تفتح الباب أمام سؤال جوهري هل يحتاج السودان إلى إعادة توزيع السلطة أم إلى إعادة تعريف الدولة نفسها؟

فالمشهد السوداني لا ينبغي قراءته بمعزل عن التحركات السياسية والدبلوماسية التي سبقت خطاب مناوي.

أوغندا دولة مؤثرة في محيط السودان والجالية السودانية فيها تمثل جسراً اجتماعياً مهماً ولذلك فإن مخاطبة مناوي للسودانيين هناك لم تكن مجرد مناسبة جماهيرية بل حملت رسائل سياسية متعددة أن الحرب ليست نهاية الطريق ورسالة إلى دول الإقليم بأن السودان يريد علاقات قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل ورسالة إلى المجتمع الدولي بأن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً فقط.

ورسالة إلى السودانيين في الخارج بأن دورهم لا ينبغي أن ينتهي عند حدود اللجوء وإنما يمكن أن يتحولوا إلى قوة مدنية واقتصادية تساهم في إعادة بناء وطنهم.

ولعل أهم ما في خطاب مناوي أنه حاول كسر حالة الجمود ليس فقط في العلاقة السودانية الأوغندية وإنما في طريقة التفكير في الأزمة السودانية نفسها.

السودان لا يحتاج إلى منتصر جديد بل إلى دولة جديدة
في نهاية المطاف فإن أخطر ما يواجه السودان ليس فقط استمرار الحرب وإنما العودة بعد الحرب إلى الأسباب التي صنعت الحرب.

إذا انتهت المعارك وبقي التهميش فستعود الحرب.

وإذا توقف إطلاق النار وبقيت المظالم فلن يكون السلام سوى هدنة.

وإذا عادت الدولة المركزية القديمة بعقلية الماضي فستظل الأقاليم تشعر بأن السودان يُدار من المركز ولأجل المركز.

لذلك فإن حديث مناوي عن الفدرالية والعدالة وعودة النازحين واللاجئين وإعادة الإعمار ومعالجة جذور الأزمة يجب أن يتحول من شعارات سياسية إلى مشروع وطني قابل للتنفيذ.

أما أوغندا فإن المطلوب من الخرطوم وكمبالا هو الانتقال من مرحلة الشكوك والاتهامات إلى مرحلة الحوار والمصالح المشتركة.

فالسودان لن ينتصر فقط عندما تتوقف الحرب بل عندما يصبح قادراً على منع اندلاع حرب جديدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى