الطبيعية والبيئة ( 2-2) : الغابات السودانية ثروة خضراء قادرة على إعادة بناء الاقتصاد بعد الحرب

الطبيعية والبيئة ( 2-2 )
الغابات السودانية ثروة خضراء قادرة على إعادة بناء الاقتصاد بعد الحرب
كيف تتحول الثمار الغابية إلى صناعة وطنية تقود التنمية، وتعزز السلام، وتنهض بالثروة الحيوانية؟
مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م. عبد الله موسى أحمد – باحث
اعتاد كثيرون عند الحديث عن ثروات السودان أن يركزوا على الذهب أو النفط أو الأراضي الزراعية، بينما بقيت الغابات، بما تزخر به من أشجار وثمار ومنتجات طبيعية، خارج دائرة الاهتمام رغم أنها تمثل أحد أهم الموارد القادرة على تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة.
فالغابة ليست مجرد مصدر للأخشاب، بل منظومة إنتاجية متكاملة توفر الغذاء والدواء والأعلاف والعسل والزيوت والصموغ والمواد الخام التي تقوم عليها صناعات عديدة. وإذا أُحسن استثمار هذه الموارد، فإنها يمكن أن تصبح ركيزة أساسية لإعادة بناء الاقتصاد السوداني في مرحلة ما بعد الحرب وتسهم في ترسيخ السلام وخلق فرص العمل، وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
ثروة طبيعية تنتظر الاستثمار،
يمتلك السودان واحداً من أكبر الأغطية الغابية في أفريقيا حيث تمتد الغابات والمراعي عبر مساحات واسعة من ولايات النيل الأزرق وسنار والقضارف وجنوب وغرب كردفان ودارفور والنيل الأبيض وغيرها من المناطق.
وتحتضن هذه الغابات تنوعاً نباتياً غنياً يضم عشرات الأنواع من الأشجار والثمار والصموغ والزيوت الطبيعية، إلا أن معظم هذه المنتجات لا تزال تُستهلك محلياً أو تُصدر خاماً دون تصنيع وهو ما يحرم الاقتصاد الوطني من القيمة المضافة التي تمثل أساس التنمية الصناعية الحديثة.
ثمار الغابات من صناعات واعدة، تمتلك الثمار الغابية السودانية إمكانات كبيرة لإقامة صناعات غذائية ودوائية وتجميلية قادرة على المنافسة في الأسواق المحلية والعالمية، ومن أبرزها
الهجليج (اللالوب) يدخل في الصناعات الغذائية والدوائية ويستخرج منه زيت عالي الجودة كما تستخدم بذوره في إنتاج الأعلاف.
لتبلدي (الباوباب) يعد من أغنى الثمار الطبيعية بفيتامين (C) ويمكن تصنيع العصائر والمركزات والمشروبات الصحية ومساحيق التغذية منه.
النبق (السدر) ستخدم في صناعة المربى والعصائر، كما تدخل أوراقه في مستحضرات التجميل ويتميز عسله بجودة عالية.
الدوم ستخدم في إنتاج العصائر والدقيق الغذائي والمشروبات الصحية.
ولا تقتصر الثروة الغابية على الثمار، بل تشمل أيضاً الصمغ العربي واللبان والمر والعسل الطبيعي والزيوت النباتية وهي منتجات تتمتع بطلب متزايد في الأسواق العالمية ويمكن أن تحقق عوائد اقتصادية كبيرة إذا جرى تصنيعها وفق معايير الجودة الحديثة.
التصنيع مفتاح القيمة المضافة ،تكمن الفرصة الحقيقية في الانتقال من تصدير المواد الخام إلى تصنيعها داخل السودان. فكل مرحلة من مراحل التصنيع، بدءاً من الفرز والتجفيف والتعبئة وانتهاءً بإنتاج السلع النهائية تضيف قيمة اقتصادية وتوفر وظائف جديدة وتزيد من عائدات الصادرات.
كما أن إنشاء مصانع بالقرب من مناطق الإنتاج يسهم في تقليل الفاقد وتحفيز التنمية الريفية وتشجيع الاستثمار وتحسين دخول المجتمعات المحلية، بما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني.
الغابات والثروة الحيوانية بينهم علاقة تكامل، ترتبط الغابات ارتباطاً وثيقاً بتنمية الثروة الحيوانية فهي توفر المراعي الطبيعية وتحمي التربة من التدهور وتوفر الظل ومصادر الغذاء للحيوانات كما يمكن الاستفادة من مخلفات الثمار والأوراق والبذور في إنتاج أعلاف ذات قيمة غذائية مرتفعة.
وسيساعد تطوير صناعة الأعلاف على خفض تكلفة الإنتاج وزيادة إنتاج اللحوم والألبان والانتقال تدريجياً من تصدير الحيوانات الحية إلى تصدير اللحوم والمنتجات الحيوانية المصنعة، بما يحقق عائداً اقتصادياً أكبر.
السلام أساس الاستثمار، أثبتت حرب 15 أبريل أن التنمية لا يمكن أن تزدهر في ظل الصراع. فقد تضررت الغابات وتراجعت الأنشطة الزراعية والرعوية وتعطلت حركة التجارة والاستثمار.
ومن هنا يصبح تحقيق السلام شرطاً أساسياً لاستعادة النشاط الاقتصادي وإعادة إعمار الريف وتشجيع الاستثمار في الصناعات الغابية وتمكين المجتمعات المحلية من إدارة مواردها بصورة مستدامة تحقق التنمية وتحافظ على البيئة.
تنظيم الرعي وحماية الموارد، يشكل الرعاة والعرب الرحل جزءاً مهماً من النسيج الاجتماعي والاقتصادي في السودان، غير أن غياب التخطيط أدى في كثير من الأحيان إلى احتكاكات مع النشاط الزراعي واستنزاف بعض الموارد الطبيعية.
ويمكن معالجة هذه التحديات عبر تنظيم مسارات الرعي وإنشاء مراعٍ محسنة وزراعة الأشجار العلفية وحصاد المياه وإقامة محميات رعوية، مع إشراك الإدارات الأهلية والمجتمعات المحلية في إدارة الموارد، بما يعزز التعايش السلمي ويحد من النزاعات.
نحو اقتصاد أخضر ومستدام، يتجه العالم اليوم إلى الاقتصاد الأخضر القائم على الاستغلال الرشيد للموارد الطبيعية والسودان يمتلك كل المقومات ليكون من الدول الرائدة في هذا المجال.
فبناء سلاسل قيمة متكاملة تبدأ بحماية الغابات وتمر بجمع المنتجات وتصنيعها وتعبئتها وتنتهي بتسويقها داخلياً وخارجياً سيحول الموارد الطبيعية إلى محرك رئيسي للنمو الاقتصادي ويعزز قدرة المنتجات السودانية على المنافسة في الأسواق العالمية.
ولتحقيق ذلك يحتاج السودان إلى رؤية وطنية تقوم على حماية الغابات والتوسع في التشجير وإنشاء الصناعات التحويلية وتطوير صناعة الأعلاف ودعم المشروعات الريفية الصغيرة وتشجيع الاستثمار وفتح أسواق جديدة للصادرات.
تمثل الغابات السودانية ثروة استراتيجية لا تقل أهمية عن المعادن أو الأراضي الزراعية فهي مورد متجدد قادر على دعم الأمن الغذائي وتنمية الصناعات الوطنية وتوفير فرص العمل وزيادة الصادرات وتطوير الثروة الحيوانية.
ومع استعادة الأمن وتحقيق السلام بعد حرب 15 أبريل، يمكن أن تصبح الغابات نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من التنمية المستدامة، تقوم على الإدارة الرشيدة للموارد الطبيعية وإضافة القيمة للمنتجات المحلية وبناء اقتصاد أخضر يحقق الازدهار ويحافظ على البيئة ويجعل من ثروات السودان الطبيعية أساساً للتنمية والاستقرار للأجيال القادمة.



