مقالات

كيف ينبغي أن يتفاوض السودان على ثرواته المعدنية؟ من الامتيازات التقليدية إلى الشراكة الاستراتيجية

شرق السودان أرياب بين ثروة النحاس واختبار الحوكمة (٣-٣)
كيف ينبغي أن يتفاوض السودان على ثرواته المعدنية؟ من الامتيازات التقليدية إلى الشراكة الاستراتيجية

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
م.عبدالله موسى احمد

لم يعد التفاوض على الثروات الطبيعية مجرد عملية تجارية بين حكومة وشركة بل أصبح قراراً سيادياً يرسم مستقبل الاقتصاد الوطني لعقود طويلة. فكل بند في عقد التعدين يحدد بصورة مباشرة حجم الإيرادات العامة وفرص العمل ونقل التكنولوجيا وحماية البيئة ونصيب الأجيال القادمة من الموارد غير المتجددة.


ولهذا، فإن الدول التي نجحت في إدارة قطاع التعدين لم تكن تمتلك أفضل الجيولوجيا فقط وإنما امتلكت أيضاً أفضل فرق التفاوض وأقوى المؤسسات القانونية والاقتصادية.
التفاوض ليس صراعاً بل هو صناعة للمصالح، من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن نجاح الدولة يعني إضعاف المستثمر أو أن نجاح المستثمر يعني خسارة الدولة. فالتجارب الدولية أثبتت أن العقود الأكثر استقراراً هي تلك التي تحقق توازناً بين حقوق الطرفين وتوفر للمستثمر عائداً مجزياً مقابل رأس المال والمخاطر وفي الوقت نفسه تضمن للدولة نصيباً عادلاً من قيمة المورد الذي تملكه.
فالعقد غير المتوازن قد يحقق مكسباً سريعاً لكنه غالباً ما ينتهي إلى نزاعات وتحكيم دولي أو إعادة تفاوض وهو ما يضر بسمعة الدولة والاستثمار معاً.


ماذا ينبغي أن يتضمن أي عقد تعدين حديث؟


أصبحت الممارسات الدولية تميل إلى تضمين مجموعة من المبادئ الأساسية، من أهمها إتاوة واضحة تُحتسب على الإنتاج أو القيمة بحيث تحصل الدولة على إيرادات منذ بدء الإنتاج. نظام ضريبي عادل ومتدرج يراعي تقلبات الأسعار العالمية. مشاركة وطنية في المشروع بصورة تتفق مع القانون والقدرة المؤسسية للدولة.ةالتزام بنقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر الوطنية. نسب محددة للمحتوى المحلي بما يشجع الشركات الوطنية والخدمات المحلية. اشتراطات صارمة لحماية البيئة وإعادة تأهيل مواقع التعدين بعد انتهاء النشاط. آليات مراجعة دورية للعقد إذا طرأت تغيرات جوهرية في الأسواق أو التشريعات.


إن هذه المبادئ لا تعرقل الاستثمار لكن تمنحه إطاراً قانونياً مستقراً يقلل من النزاعات المستقبلية.
القيمة المضافة الحلقة المفقودة، ظل كثير من الاقتصادات النامية يعتمد على تصدير المواد الخام. بينما تحقق الدول الصناعية الجزء الأكبر من الأرباح عبر التصنيع.


وفي حالة النحاس، يمكن أن يبدأ السودان بتطوير صناعات مرتبطة بإنتاج الكابلات الكهربائية والمحولات ومكونات الطاقة الشمسية وبعض الصناعات المعدنية الأخرى بدلاً من الاكتفاء بتصدير الخام أو المركزات. فكل مرحلة تصنيع جديدة تعني وظائف إضافية وخبرات وطنية وزيادة في الصادرات ذات القيمة العالية.
التعدين والتنمية المحلية، نجاح أي مشروع تعدين لا يُقاس فقط بما يدخل خزينة الدولة بل أيضاً بما يتركه من أثر إيجابي في المجتمعات المحيطة.


ولذلك أصبح من المعتاد في كثير من الدول تخصيص نسبة من عائدات التعدين لتنمية المناطق المنتجة من خلال إنشاء المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والطرق ودعم التعليم الفني وتمويل المشروعات الصغيرة. وعندما يشعر المواطن بأن الثروة الطبيعية انعكست على حياته اليومية يتحول التعدين من مصدر للتوتر إلى محرك للتنمية والاستقرار.


أهمية الشفافية والمساءلة، لم تعد الشفافية شعاراً سياسياً لكنها أصبحت أحد معايير جذب الاستثمار المسؤول. فالعقود الواضحة والإفصاح عن البيانات الأساسية وخضوع المشروعات للمراجعة المستقلة ونشر التقارير المالية والبيئية كلها أدوات تعزز الثقة بين الدولة والمجتمع والمستثمر.
كما أن وجود مؤسسات رقابية مستقلة وقضاء قوي يقلل من مخاطر الفساد ويضمن استدامة الاستثمار.


الرؤية للمستقبل، إذا أحسن السودان إدارة موارده المعدنية فإن قطاع التعدين يمكن أن يصبح ركيزة رئيسية لإعادة بناء الاقتصاد بعد سنوات الحرب والأزمات. غير أن ذلك يتطلب رؤية وطنية تتجاوز التفكير في الإيرادات السريعة إلى بناء اقتصاد منتج يعتمد على التصنيع والابتكار وتنمية الإنسان وتطوير المؤسسات. فالثروات الطبيعية تنضب مع الزمن أما الاستثمار في التعليم والتقنية والمؤسسات فهو الذي يصنع التنمية المستدامة.


قد تكون أرياب واحدة من أهم الفرص الاقتصادية في تاريخ السودان الحديث لكن قيمة هذه الفرصة لن تُقاس بحجم الاحتياطي وحده وإنما بقدرة الدولة على تحويله إلى تنمية وعدالة واستقرار.
إن العقود الرشيدة والمؤسسات القوية والشفافية، والتخطيط طويل الأمد هي الضمان الحقيقي لأن تصبح ثروات السودان نعمة للأجيال القادمة لا عبئاً جديداً يضاف إلى سجل الفرص المهدرة.


ويبقى الدرس الأهم أن الموارد الطبيعية ليست غاية في ذاتها وإنما وسيلة لبناء دولة قوية واقتصاد متنوع ومجتمع ينعم بالرخاء والعدالة وهي مسؤولية مشتركة تتطلب توافقاً وطنياً يعلو فوق المصالح الضيقة والاعتبارات الآنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى