من أزمة الحرب إلى أزمة البنية الاقتصادية: السودان إلى أين؟

بقلم/ ايوب محمد عبد الرحمن ( مجنق )
في الوقت الذي يستمر فيه الصراع المسلح في السودان منذ أبريل 2023، يبدو أن الاقتصاد السوداني قد تجاوز مرحلة الصدمة الأولى للحرب ليغرق في أزمة بنيوية أعمق، تكشف عن هشاشة تراكمية استمرت عقودًا. لم تعد الأزمة مجرد انعكاس للدمار المادي أو فقدان الإيرادات، بل تحولت إلى انهيار هيكلي في الإنتاج والحوكمة، حيث أصبحت الزراعة – عماد الاقتصاد التقليدي – مشلولة، وسعر الصرف غير مستقر، والتضخم يلتهم القدرة الشرائية للمواطن العادي. هل يمكن للسودان الخروج من هذه الدوامة دون إعادة بناء جذري للبنية الاقتصادية؟
جذور الأزمة قبل الحرب
لم تبدأ كارثة الاقتصاد السوداني مع اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل هي امتداد لسنوات من الاعتماد على الاقتصاد الريعي، الذي يرتكز على تصدير المواد الخام مثل الذهب والنفط والقطن دون تطوير صناعي حقيقي. قبل 2023، كان السودان يعاني من انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى 12% سنويًا، مع تضخم تجاوز 100% في بعض الفترات، نتيجة لفصل الجنوب وفقدان 75% من احتياطي النفط، بالإضافة إلى عقوبات دولية وفساد إداري. الحرب لم تخلق المشكلة، بل كشفتها: فقدان 80% من الإنتاج الزراعي في المناطق المتضررة، وتوقف المصانع، وهروب رؤوس الأموال، مما جعل الاقتصاد يعتمد على التحويلات المالية والمساعدات الإنسانية كبديل مؤقت.
آثار الحرب: الانهيار السريع
مع تصاعد القتال، انهار الاقتصاد السوداني بنسبة 40% في الناتج المحلي خلال عامين فقط، حيث دُمرت البنية التحتية في الخرطوم ودارفور والجزيرة، وهي مراكز الإنتاج الرئيسية. ارتفع سعر الدولار إلى أكثر من 2000 جنيه سوداني في السوق السوداء، ووصل التضخم إلى 300%، مما أدى إلى تفاقم الفقر المدقع الذي يشمل اليوم أكثر من 50% من السكان. الزراعة، التي كانت توفر 30% من الوظائف، توقفت تمامًا في المناطق الزراعية الرئيسية مثل الجزيرة، مما أثار أزمة غذائية تهدد 25 مليون شخص. هنا، تتحول الأزمة من عسكرية إلى اقتصادية بحتة، حيث أصبحت الجماعات المسلحة نفسها جزءًا من النهب الاقتصادي عبر السيطرة على مناجم الذهب والطرق التجارية.
البنية الاقتصادية الهشة: المشكلة الأساسية
الأخطر أن الأزمة الحالية تكشف عن بنية اقتصادية غير مستدامة، مبنية على الريع بدل الإنتاج. السودان يمتلك إمكانات هائلة: أراضي خصبة تمتد على 84 مليون هكتار، احتياطي ذهب يقدر بـ1500 طن، وموقع استراتيجي يربط أفريقيا بالعالم العربي. لكن الاعتماد على تصدير الذهب غير الرسمي – الذي يشكل 90% من الصادرات – يغذي الفساد ويمنع التنويع. كما أن غياب الاستقرار السياسي حال دون جذب الاستثمارات الأجنبية، وأدى إلى هجرة الكفاءات، مما يجعل التعافي أكثر صعوبة. اليوم، مع توقف الضرائب والإيرادات الحكومية، أصبح الاقتصاد رهينة للمساعدات الدولية، التي لا تتجاوز 2 مليار دولار سنويًا مقابل احتياجات تصل إلى 10 مليارات.
إلى أين يتجه السودان؟
السؤال الحاسم: هل يمكن للسودان النهوض؟ التعافي لا يبدأ بالسلام وحده، بل بإصلاح بنيوي جذري: أولًا، إعادة إحياء الزراعة من خلال مشاريع طوارئ للري والتوزيع، ثانيًا، توحيد سعر الصرف ومكافحة التهريب، ثالثًا، بناء حوكمة اقتصادية شفافة تعتمد على الضرائب والاستثمار في الصناعات التحويلية. يجب على القوى السياسية والمجتمع المدني الضغط لتشكيل حكومة انتقالية اقتصادية تركز على الإنتاج لا الريع. بدون ذلك، ستظل الحرب مجرد ذريعة، والأزمة ستستمر إلى أجيال قادمة.
في الختام
السودان ليس فقيرًا بالموارد، بل فقيرًا بالإدارة والإرادة. الخروج من أزمة الحرب إلى أزمة البنية الاقتصادية يتطلب قرارًا وطنيًا بإعادة بناء الاقتصاد كأولوية قصوى، قبل فوات الأوان.



