مقالات

من صواميل تشيخوف إلى أزمات السودان عندما يصبح الخلل الصغير نذيراً بالانهيار

مركز الاستدامة للتنمية والاستنار
م. عبدالله موسى أحمد – باحث
csda22026@gmail.com

تبدأ الكوارث أحياناً بتجاوز يبدو محدوداً ثم يتكرر في ظل الصمت وغياب المحاسبة حتى يتحول إلى عادة لا تثير القلق. في قصة المجرم لأنطون تشيخوف، ينتزع رجل صواميل تثبيت قضبان السكك الحديدية ليستخدمها أثقالاً في شباك الصيد من دون أن يدرك أن منفعة صغيرة قد تهدد حياة ركاب قطار كامل.
تتجاوز دلالة الحكاية سرقة قطعة حديد، فهي تكشف كيف يسمح الفقر وضعف المؤسسات وتراجع الثقة بالقانون بتطبيع الخلل ثم تحويله إلى خطر عام. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة أزمة السودان فالحرب لم تكن حادثاً منفصلاً لكنها نتيجة تراكم طويل من الاختلالات السياسية والاجتماعية والمؤسسية التي لم تجد من يوقفها.

المحور الأول من المخالفة الفردية إلى الخلل الاجتماعي لا يرى من ينتزع الصامولة نفسه مجرماً بالضرورة فهو يقيس فعله بمنفعته المباشرة ولا يرى أثره على المصلحة العامة. لكن الخطر يتضاعف حين يصبح السلوك شائعاً ويجد صاحبه من يشاركه أو يتغاضى عنه أو ينتفع من استمراره. عندئذ تتحول المخالفة من فعل فردي إلى عرف غير مكتوب. فالطفل الذي يرى والده وجيرانه ينتزعون الصواميل من دون اعتراض يتعلم أن ما يفعله الكبار مقبول حتى إن كان مخالفاً للقانون. ومع مرور الوقت تتراجع حساسية المجتمع تجاه الخطر ويصبح الالتزام بالنظام استثناءً. لا يعني ذلك إعفاء الفرد من المسؤولية لكن يوضح أن المسؤولية مركبة. فالفرد مسؤول عن فعله لكن الأسرة والمدرسة والمجتمع والدولة تشارك في تشكيل البيئة التي تجعل الفعل ممكناً أو مألوفاً أو قابلاً للتكرار.
الفقر يفسر الجذور ولا يلغي المسؤولية
لا يمنح الفقر الإنسان حق الاعتداء على الممتلكات العامة أو تعريض حياة الآخرين للخطر، لكن معاقبة الفاعل وحده لا تعالج البيئة التي أنتجت السلوك. فغياب التعليم والعمل والخدمات والحماية الاجتماعية يجعل بعض الأفراد أكثر عرضة لممارسات تفرضها الضرورة أو تشجعها البيئة المحيطة. وهنا يظهر مفهوم العنف البنيوي وهو أضرار تنتج عن اختلال المؤسسات والنظم حتى من دون فاعل يتعمد إلحاق الأذى. لذلك لا يتحقق احترام القانون بالعقوبة وحدها بل بإقامة بيئة تجعل احترام الحقوق والممتلكات العامة مصلحة مشتركة لا عبئاً تتحمله الفئات الأضعف وحدها.

المحور الثاني السودان قبل الحرب تراكم الصواميل السياسية، تساعدنا استعارة الصواميل على فهم أن الانهيار لا يبدأ لحظة سقوط البناء بل حين تتراكم الاختلالات التي لا تجد من يوقفها. وفي السودان ظهر ذلك في الفجوة بين قطاعات من النخبة والمجتمع وفي عجز بعض النخب عن قراءة التحولات الاجتماعية والاقتصادية ومطالب المواطنين خارج دوائر السلطة والنفوذ.
فالثورة بوصفها إنذاراً اجتماعياً، بعد ثورة ديسمبر 2018 وسقوط نظام الإنقاذ في أبريل 2019، حاولت بعض القراءات اختزال ما حدث في صراع داخل السلطة أو خيانة ارتكبتها اللجنة الأمنية، مع التقليل من حجم الفعل الشعبي وحصر الاحتجاجات في أحياء محددة من العاصمة وربطها بفئات اجتماعية بعينها.
لكن الثورة لم تكن حدثاً عابراً في الخرطوم، بل حصيلة تراكم طويل من الأزمات الاقتصادية والسياسية والحروب والتهميش والاحتجاجات الشعبية. كانت عطبرة والقضارف وبورتسودان ومدني والجنينة وغيرها من المدن والأقاليم حاضرة في المشهد، كما امتدت جذور المقاومة إلى سنوات طويلة من الرفض المدني والسياسي.
لذلك فإن اختزال الثورة في تحرك محدود لا يمثل قراءة ناقصة للتاريخ فحسب، بل يكشف قصوراً في فهم المجتمع السوداني وتعدد مكوناته ومراكز تأثيره. فالنخبة التي لا ترى المجتمع إلا من نافذة السلطة تفاجئها التحولات التي يصنعها الشارع، لأنها لا تستمع إليه إلا عندما يتحول صوته إلى أزمة تهدد مواقع النفوذ.
من فشل الانتقال إلى اندلاع الحرب، كشفت الثورة أن أزمة السودان لا تتعلق بتبديل الحكام وحده، بل ببنية دولة اختلت فيها العلاقة بين المركز والأقاليم، وتفاوت توزيع السلطة والثروة والخدمات. ثم جاءت الحرب في 15 أبريل 2023 لتؤكد أن إسقاط رأس النظام، من دون تفكيك البنية التي أنتجت الاستبداد وتعدد مراكز القوة، لا يكفي لحماية الدولة من الانهيار.
فالحرب لم تكن مجرد خلاف عسكري مفاجئ، رغم أهمية الصراع بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع وتداعياته المباشرة. لقد جاءت في سياق ضعف المؤسسات واختلال العلاقة بين المدني والعسكري وتسييس أجهزة الدولة وتعدد مراكز القوة وغياب التوافق على أسس مستقرة لإدارة السلطة والثروة والتنوع.
نجحت ثورة ديسمبر في إسقاط رأس النظام لكنها لم تتمكن من تفكيك بنيته السياسية والمؤسسية، كما لم ينجح الانتقال في تأسيس سلطة مدنية مستقرة تحتكر فيها الدولة الشرعية استخدام القوة. وبدلاً من تحويل الثورة إلى فرصة لإعادة بناء المؤسسات، استنزفت الخلافات السياسية والتنافس على السلطة وضعف الثقة بين القوى المدنية والعسكرية فرص الانتقال. وهنا تتضح الصلة بين الصواميل وأزمة السودان لم ينهَر البناء الوطني بسبب خلل واحد بل لأن صواميل كثيرة انتُزعت تدريجياً، تراجعت هيبة المؤسسات وغابت المساءلة وتعددت مراكز القوة حتى لم يعد البناء قادراً على الاحتمال.

المحور الثالث من وقف الحرب إلى إعادة تأسيس الدولة، لا يمكن أن يقتصر الخروج من الأزمة على وقف القتال أو تغيير النخب الحاكمة. فالمطلوب إعادة تأسيس الدولة على قاعدة تعالج اختلالات المركز والأقاليم وتمنع احتكار السلطة وتربط الشرعية بالمواطنة والقانون.
الفيدرالية والمواطنة المتساوية، تطرح الفيدرالية مدخلاً ممكناً لمعالجة الاختلالات التاريخية، بشرط ألا تتحول إلى شعار أو إعادة توزيع إداري محدود. فهي تقوم على تقاسم دستوري واضح للسلطات والمسؤوليات والموارد بين مستويات الدولة، بما يضمن مشاركة الأقاليم في صناعة القرار ويحمي حقوق المواطنين بصرف النظر عن مواقعهم الجغرافية أو انتماءاتهم. لكن نجاحها يحتاج إلى دستور واضح ومؤسسات مستقلة وحكومات محلية منتخبة ونظام مالي عادل وقضاء يحمي الحقوق وآليات رقابة تمنع إعادة إنتاج الاستبداد محلياً. كما ينبغي ألا تتحول معالجة التهميش إلى تفكيك للدولة أو استبدال مركزية الخرطوم بمراكز نفوذ جديدة، بل إلى بناء دولة وطنية تقوم على الوحدة الطوعية والمواطنة المتساوية.
شروط السلام المستدام، إن إنهاء الحرب نقطة بداية لا نهاية. فإعادة النازحين واللاجئين،
وإعمار المدن واستعادة الخدمات وإصلاح المدارس والمستشفيات والطرق، استحقاقات عاجلة لكنها لا تضمن سلاماً مستداماً من دون معالجة الأسباب السياسية والمؤسسية والاجتماعية للصراع. ويأتي في مقدمة ذلك بناء جيش وطني مهني واحد وإصلاح القطاع الأمني وإخضاع المؤسسات العسكرية والمدنية للقانون والرقابة الدستورية. كما لا بد من مسار جاد للعدالة الانتقالية يحقق في الانتهاكات وينصف الضحايا ويجبر الضرر ويمنع الإفلات من العقاب فالسلام الذي يتجاهل حقوق الضحايا يؤجل انفجار الصراع. ويظل التعليم والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي جزءاً من حماية الدولة. فالمدرسة تربي على احترام القانون والمصلحة العامةووالتنمية العادلة تقلل دوافع التهميش وتوسيع فرص العمل والخدمات يمنح المواطنين مصلحة حقيقية في حماية مؤسساتهم. فالسلام ليس غياب الرصاص فقط وبل وجود مؤسسات عادلة وفرص متكافئة وشعور بأن الدولة تحمي الجميع.
النخبة والشارع، من احتكار التمثيل إلى ثقافة الاستماع، تحتاج العلاقة بين النخبة والمجتمع إلى إعادة بناء. فالمواطنون ليسوا جمهوراً كاقطيع ينبغي توجيهه بل شركاء في صناعة القرار. والنخبة التي ترى الاحتجاج مؤامرة أو تهديداً تفقد قدرتها على قراءة الواقع كما أن احتكار تفسير التاريخ والادعاء بامتلاك الحق الحصري في تمثيل الشعب يعيدان إنتاج الأزمة.
لكن الاعتراف بدور الشارع لا يعني منحه حصانة من النقد، فالحركات الشعبية تحتاج أيضاً إلى رؤية وتنظيم وبرامج قادرة على تحويل المطالب إلى سياسات. والدولة الديمقراطية لا تخشى مواطنيها، بل تنظم العلاقة معهم عبر الدستور والانتخابات والمشاركة والمساءلة.

حماية الصواميل قبل خروج القطار عن مساره
لا تكمن دلالة حكاية تشيخوف في البحث عن الشخص الذي انتزع الصامولة الأخيرة وتحميله وحده مسؤولية الكارثة، بل في السؤال عن البيئة التي جعلت انتزاع الصواميل سلوكاً مألوفاً وعن المؤسسات التي عجزت عن الحماية والمحاسبة.
وبالمثل، لا تقتصر مسؤولية السودانيين بعد حرب 15 أبريل 2023 على وقف القتال ومحاسبة المسؤولين عن إشعاله والانتهاكات المصاحبة له، رغم أن ذلك ضرورة عاجلة بل تشمل معالجة البيئة السياسية والمؤسسية والاجتماعية التي سمحت بإنتاج الأزمة.
لا يمكن بناء دولة سلام بعقلية الحرب ولا دولة مواطنة بمنطق الامتياز والإقصاء ولا دولة قانون بمؤسسات تخضع للولاءات الضيقة. المطلوب ليس تغيير الأشخاص وحدهم، بل تغيير القواعد التي تنتج الاستبداد والفساد والعنف وبناء عقد اجتماعي يجعل الحرية والعدالة والمساواة أساس العلاقة بين الدولة والمواطنين.
فالصامولة الصغيرة قد تكون عنصراً أساسياً في حماية حياة مجتمع بأكمله وكذلك المؤسسة التي يبدو التهاون فيها محدوداً قد تصبح مع تكرار الخلل تهديداً لبنية الدولة ومستقبلها.
والسؤال الحاسم ليس فقط من تسبب في خروج القطار عن مساره؟ لكنه كيف نبني دولة تحمي قضبانها وتصون مؤسساتها وتمنع تكرار الكارثة قبل وقوعها؟
فالأوطان لا تسقط دائماً بضربة واحدة، أحياناً تبدأ خسارتها حين يعتاد الناس انتزاع صواميلها وحين تعجز النخبة عن رؤية الخطر وحين تتخلى الدولة عن مسؤوليتها في حماية الصالح العام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى