السودان بين إرث التمكين ومخاطر الارتهان للخارج وتتحول معركة إسقاط الكيزان إلى معركة على الدولة

مركز الاستدامة للتنمية والاستنار
م. عبدالله موسى أحمد – باحث
csda22026@gmail.com
ثمة مفارقة مؤلمة في المشهد السوداني الراهن وهى تتمثل في أن بعض القوى التي انطلقت من موقف رافض للاستبداد والفساد وجدت نفسها، تحت وطأة الخصومة السياسية أمام استعداد لتبرير الاستقواء بالخارج أو التغاضي عن مخاطره، باعتباره طريقاً للخلاص من نظام الإنقاذ وإرث الحركة الإسلامية. وهنا تبرز واحدة من أعقد إشكاليات الوعي السياسي السوداني وهو كيف يمكن مقاومة مشروع استبدادي دون الوقوع في تبعية مشروع آخر؟ وكيف يمكن إسقاط منظومة التمكين دون الإسهام بقصد أو بغير قصد في تقويض ما تبقى من الدولة؟
إن اختزال أزمة السودان في وجود الكيزان رغم مسؤوليتهم التاريخية والسياسية عن جانب كبير من المأساة الوطنية لا يقدم تفسيراً كافياً لجذور الأزمة ولا يفتح وحده الطريق نحو معالجتها. فالمسألة لا تتعلق بحزب حكم البلاد ثلاثة عقود فحسب وإنما بمشروع سياسي واجتماعي أعاد تشكيل مؤسسات الدولة وأخضع قطاعات واسعة منها لمنطق الولاء التنظيمي حتى أصبح التمكين أحد أبرز سمات إدارة السلطة والمجتمع.
لقد تجاوز مشروع الإنقاذ حدود السيطرة على الحكم إلى إعادة هندسة المجال العام وفق تصورات أيديولوجية محددة. فمن خلال التمكين السياسي والإداري أُعيد تشكيل الخدمة المدنية والمؤسسات الاقتصادية والتعليمية والأمنية وأصبح الانتماء والولاء في كثير من المواقع معياراً للتقدم والاحتفاظ بالمواقع على حساب الكفاءة والاستقلال المهني. ولم يكن ذلك مجرد خلل في التوظيف أو الإدارة بل تحول تدريجي إلى بنية مصالح وشبكات نفوذ امتدت إلى مفاصل الدولة ومؤسسات المجتمع.
ولعل أخطر ما خلفته هذه التجربة أنها لم تكتف بإضعاف استقلال المؤسسات وإنما ساهمت في إضعاف فكرة الدولة نفسها عندما جرى الخلط بين شرعية التنظيم وشرعية الحكم وبين الولاء السياسي والواجب الوطني. فأصبحت مؤسسات يفترض أن تخدم جميع المواطنين عرضة للتوظيف في حماية السلطة ومشروعها وتراجعت الحدود الفاصلة بين الحزب والدولة وبين الدعوة الدينية والعمل السياسي وإدارة الشأن العام.
من التمكين السياسي إلى إعادة تشكيل المجتمع، لم يكن مشروع الحركة الإسلامية سياسياً وإدارياً فقط بل حمل تصوراً اجتماعياً وأخلاقياً ودينياً أراد من خلاله إعادة صياغة المجتمع وفق رؤية أيديولوجية بعينها. والمشكلة هنا ليست في حضور الدين في حياة المجتمع أو في القيم الدينية والأخلاقية التي تشكل وجدان السودانيين وإنما في توظيف المقدس داخل الصراع على السلطة وتحويل الاختلاف السياسي إلى معيار للفرز الأخلاقي والديني.
فحين تحتكر جماعة ما الحديث باسم الدين وتضع نفسها في موقع الوصي على المجتمع، يصبح الاختلاف معها قابلاً للتصنيف باعتباره انحرافاً أخلاقياً أو خروجاً عن الثوابت. وهكذا تتراجع قيمة التعدد والتسامح وقبول الآخر ويصبح الولاء للمشروع السياسي أقرب إلى امتحان للانتماء الاجتماعي والأخلاقي.
وقد تركت هذه الممارسات آثاراً عميقة في الحياة العامة، شملت تسييس التعليم والخطاب الديني وإضعاف استقلال المؤسسات الثقافية والمهنية وتعميق الاستقطاب بين مكونات المجتمع. كما أسهمت في تكريس ثقافة الإقصاء والشك المتبادل بحيث لم يعد الاختلاف مجرد تنوع طبيعي في الرؤى والمواقف بل تحول في أحيان كثيرة إلى خصومة تمس هوية الأفراد ووطنيتهم ومكانتهم الاجتماعية.
ولذلك فإن تجاوز إرث الإنقاذ لا يتحقق بمجرد إبعاد رموزها من السلطة وإنما يتطلب مراجعة شاملة للبنية المؤسسية والثقافية التي أنتجها التمكين واستعادة استقلال الدولة وتحرير الدين من الاستخدام السياسي وإعادة الاعتبار للمواطنة باعتبارها أساس الحقوق والواجبات لا الانتماء الحزبي أو الأيديولوجي.
بين مقاومة التمكين ومخاطر الاستقواء بالخارج، غير أن مقاومة هذا الإرث لا ينبغي أن تقود إلى خطأ معاكس يتمثل في اعتبار كل من يعادي الكيزان حليفاً وطنياً بالضرورة أو افتراض أن القوى الخارجية التي تعلن دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان تتحرك بدوافع تتطابق مع مصالح الشعب السوداني.
فالتجارب الدولية تقدم دروساً تستحق التأمل. العراق على سبيل المثال شهد سقوط نظام صدام حسين عبر الغزو الأمريكي عام 2003، لكن انهيار النظام لم يؤد تلقائياً إلى بناء دولة مستقرة بل أعقبته سنوات من الاحتلال والعنف الطائفي وتفكك مؤسسات الدولة. وفي أفغانستان انتهت عشرون عاماً من التدخل العسكري الأمريكي بانسحاب القوات وعودة طالبان إلى الحكم عام 2021، بعد أن تحمل المجتمع الأفغاني كلفة إنسانية وسياسية هائلة. أما الصومال فقد أدى انهيار نظام سياد بري عام 1991 إلى فراغ سياسي وصراعات ممتدة تداخلت فيها العوامل الداخلية والتدخلات الخارجية.
ولا تعني هذه التجارب أن ظروف السودان مطابقة لتلك البلدان أو أن جميع أشكال التعاون الدولي مرفوضة لكنها تؤكد أن إسقاط الأنظمة لا يكفي وحده لتحقيق التحرر وأن التدخل الخارجي لا يمكن التعامل معه باعتباره ضمانة لبناء الديمقراطية أو حماية وحدة الدول.
فالعلاقات الدولية محكومة بالمصالح وليس من الحكمة افتراض أن القوى الكبرى أو الإقليمية ستضع مستقبل السودان فوق حساباتها الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية. ومن ثم فإن التعاون مع المجتمع الدولي والاستفادة من الضغوط الدبلوماسية والآليات القانونية والإنسانية يختلف جذرياً عن تسليم القرار الوطني أو تحويل التناقضات الداخلية إلى أوراق تفاوض في صراعات الآخرين.
حرب 15 أبريل حصاد اختلال الدولة، ولعل حرب الخامس عشر من أبريل 2023 تكشف بوضوح حجم الاختلال الذي أصاب بنية الدولة السودانية. فهذه الحرب ليست حدثاً منفصلاً عن تاريخ عسكرة السياسة وتعدد مراكز القوة وتضخم الأجهزة الأمنية والعسكرية وتآكل المؤسسات المدنية، كما لا يمكن فصلها عن الترتيبات التي صاحبت سقوط نظام الإنقاذ وما أعقبها من تعثر الانتقال السياسي وفشل معالجة ملف إصلاح القطاع الأمني والعسكري. لقد أسهم نظام الإنقاذ في بناء منظومة عسكرية وأمنية متعددة المراكز وفتح المجال أمام تمدد التشكيلات المسلحة حتى أصبحت القوة خارج المؤسسة العسكرية النظامية جزءاً من معادلة الحكم والنفوذ. وكان الدعم السريع أحد أبرز تجليات هذه السياسة التي اعتمدت على توظيف التشكيلات المسلحة في إدارة الصراعات الداخلية قبل أن تتحول لاحقاً إلى قوة ذات نفوذ اقتصادي وعسكري وسياسي مستقل نسبياً. وبعد سقوط النظام لم تنجح القوى السياسية والعسكرية في تفكيك هذه البنية أو إخضاعها لمشروع وطني متوافق عليه. بل استمرت التناقضات داخل السلطة الانتقالية وتفاقمت المنافسة على النفوذ حتى انفجرت في مواجهة عسكرية مدمرة بين الجيش والدعم السريع.
ومن هنا، فإن تحميل الكيزان وحدهم مسؤولية كل ما جرى بعد أبريل 2023 لا يعفي بقية الأطراف من مسؤولياتها، كما أن تجاهل دورهم التاريخي في صناعة البيئة التي مهدت للحرب يمثل إنكاراً لجانب أساسي من الحقيقة. فالمسؤولية التاريخية شيء والمسؤولية المباشرة عن قرارات الحرب والانتهاكات التي ارتكبت خلالها شيء آخر ولكل منهما مقتضياته في المحاسبة والتقييم.
لقد دفعت البلاد ثمناً باهظاً لهذه الاختلالات، دمار المدن وانهيار الخدمات وتشريد الملايين وتفكك شبكات الإنتاج وتراجع مؤسسات التعليم والصحة فضلاً عن الانتهاكات الواسعة التي طالت المدنيين. والأخطر أن الحرب فتحت المجال أمام تدخلات إقليمية ودولية متزايدة وأصبحت المصالح الخارجية حاضرة في حسابات استمرار الصراع وتسويته بما يهدد استقلال القرار السوداني ويعقد فرص الوصول إلى سلام مستدام.
المعركة الحقيقية هي استعادة الدولة، إن المعضلة التي تواجه السودان اليوم ليست الاختيار بين الكيزان والجيش والدعم السريع، ولا بين القوى المدنية المتنافسة على تمثيل المستقبل وإنما كيفية الانتقال من دولة اختُطفت مؤسساتها لصالح التنظيمات ومراكز القوة إلى دولة المواطنة والمؤسسات والقانون.
وهذا يقتضي موقفاً وطنياً واضحاً لا حصانة للجيش من المساءلة عن الانتهاكات ولا شرعية لقوة مسلحة تفرض سلطتها بالعنف وتروع المدنيين ولا إعفاء للحركة الإسلامية وقيادات نظام الإنقاذ من المسؤولية عن جرائم التمكين وتقويض مؤسسات الدولة. كما لا يجوز أن تتحول القوى المدنية إلى واجهات لتبرير التدخلات الخارجية أو التنازل عن استقلال الإرادة الوطنية.
إن محاسبة المسؤولين عن الجرائم والفساد والانتهاكات ليست انتقاماً سياسياً وإنما شرط لإقامة دولة القانون. وتفكيك منظومة التمكين لا يعني تفكيك الخدمة المدنية أو إقصاء المواطنين بسبب انتماءاتهم بل استعادة المؤسسات إلى وظيفتها العامة وإخضاع التعيين والترقي والمساءلة لمعايير الكفاءة والنزاهة وسيادة القانون.
كذلك فإن بناء الدولة الجديدة يتطلب مراجعة المشروع الاجتماعي الذي كرس الإقصاء والاستقطاب وإعادة الاعتبار للتعدد الثقافي والديني والفكري وضمان استقلال المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية بحيث لا تكون أدوات في خدمة حزب أو جماعة أو سلطة عسكرية.
أما القوى المدنية، فإن مسؤوليتها التاريخية تقتضي تجاوز الحسابات الضيقة وبناء مشروع وطني يستوعب تنوع السودانيين، ويضع وقف الحرب وحماية المدنيين ووحدة البلاد واستقلال قرارها في مقدمة الأولويات دون أن يتحول ذلك إلى غطاء لإعادة إنتاج النظام القديم أو شرعنة الانقلابات ومراكز القوة المسلحة.
السودان أكبر من خصومات نخبه، إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الشعوب ليس فقط استبداد الحكام وإنما عجز النخب عن التمييز بين عدوها السياسي ومصلحة وطنها الاستراتيجية. فحين تصبح الكراهية بديلاً عن التفكير يتحول الخصم الداخلي إلى مبرر للتنازل عن السيادة ويصبح الاستقواء بالخارج مقبولاً لمجرد أنه يستهدف الطرف الذي نعارضه.
الحديث إذن ليس من يخلصنا من الكيزان؟ فالشعب السوداني بما يمتلكه من وعي وتجارب وتضحيات قادر على استعادة حقه في اختيار حكامه ومحاسبتهم. وإنما الحديث الأهم هو أي دولة نريد أن نبني بعد كل هذه المآسي؟ وهل نريد دولة مستقلة تحكمها المؤسسات والقوانين أم ساحة تتنازعها التنظيمات والجيوش ومصالح القوى الإقليمية والدولية؟
إن السودان لا يحتاج إلى استبداد جديد باسم الخلاص من الاستبداد القديم ولا إلى وصاية خارجية باسم الديمقراطية ولا إلى تسوية تعيد إنتاج أسباب الحرب. إنه يحتاج إلى مشروع وطني يعالج جذور الأزمة ويفكك بنية التمكين ويعيد بناء المؤسسات على أساس المواطنة والكفاءة والعدالة.
فالكيزان ليسوا السودان والجيش ليس ملكاً لقياداته والدعم السريع ليس تعبيراً عن إرادة الشعب، كما أن أي قوة مدنية لا تملك تفويضاً مفتوحاً للتصرف في سيادة البلاد.
السودان أكبر من الكيزان وأبقى من صراعات السلطة وأغلى من أن يكون ثمناً لتحالفات لا ترى فيه سوى ساحة للمصالح والنفوذ. فلا تجعلوا معركة إسقاط التمكين مدخلاً لإسقاط الوطن.




