الفاشر بعد عام من السقوط دموع الفقد وأمل التعافي والسلام

مركز الاستدامة للتنمية والاستنار
م. عبدالله موسى أحمد – باحث
csda22026@gmail.com
عندما تبكي المدينة أبناءها، ليست كل الدموع تعبيراً عن الحزن وحده، فبعضها يحمل شهادة على الفقد ويحفظ ذاكرة مدينة جريحة ويوجه نداءً إلى وطن أنهكته الحرب. وحين ذرفت الدكتورة سعاد مصطفى دموعها في ذكرى مرور عام على سقوط الفاشر، لم يكن بكاؤها مجرد تعبير عن ألم شخصي، بل كان انعكاساً لمأساة تجاوزت حدود الأسرة إلى مدينة بأكملها ثم إلى السودان الذي فقد في هذه الحرب أبناءه ومدنه وأجزاءً عزيزة من روحه الوطنية.
في تلك الدموع اجتمع ألم فقد الأحبة ومرارة ما أصاب المدينة وأهلها، وذكريات الذين واجهوا الموت والجوع والنزوح بشجاعة وصبر. لكنها في الوقت نفسه طرحت سؤالاً يتجاوز الرثاء، فيه كيف يمكن لمدينة عرفت التلاقي والتواصل بين أبناء السودان أن تستعيد دورها في جمع ما فرقته الحرب وأن تتحول من شاهد على المأساة إلى منارة للسلام؟
الفاشر جرح يتجاوز حدود المدينة، مر عام على سقوط الفاشر، لكن مرور الزمن وحده لا يطوي صفحات المآسي ولا يعيد الغائبين ولا يمحو آثار الخوف والنزوح والحرمان من ذاكرة الناجين. فخلف الأرقام والأخبار حكايات أسر تفرقت وأطفال حُرموا الأمان ونساء تحملن أعباء النجاة ومسنون وجدوا أنفسهم أمام مصير لا يملكون تغييره.
جاءت هذه الفاجعة في سياق الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023، فامتدت آثارها إلى حياة السودانيين ومؤسساتهم وعلاقاتهم الاجتماعية وأثقلت كاهل مدن ظلت رغم اختلاف سكانها وتنوعهم أماكن للتجارة والتواصل وتبادل المنافع والخبرات.
لذلك، لا ينبغي النظر إلى الفاشر باعتبارها ساحة عسكرية فحسب، فهي مدينة ذات تاريخ ومكانة في وجدان دارفور والسودان. وما أصابها يرتبط بالحديث الأكبر حول مصير الدولة والمجتمع في ظل حرب أضعفت الثقة ووسعت دائرة المعاناة وهددت الروابط التي جمعت السودانيين على اختلاف أصولهم وثقافاتهم ومناطقهم.
إن استعادة هذه الحقيقة تقتضي ألا تتحول ذكرى السقوط إلى مناسبة لتبادل الاتهامات أو استعراض المواقف، بل إلى فرصة لمراجعة الخطاب الذي يبرر العنف ويمجد الحسم العسكري على حساب حياة المدنيين ويختزل الوطن في معسكرات متنازعة. فمسؤولية حماية الإنسان لا تسقط بسبب انتمائه ولا تتجزأ بحسب موقفه السياسي. كما أن الانتصار العسكري أياً كانت نتائجه لا يعوض مجتمعاً فقد أمنه وتماسكه.
دموع سعاد من الفقد الشخصي إلى الوجع الوطني، في دموع الدكتورة سعاد مصطفى تظهر صورة السودان الذي تحمله أمهات وآباء وأسر فقدوا أعزاءهم ولم يجدوا أمام فداحة المصاب سوى الصبر واستعادة الذكريات. فالحزن على أفراد الأسرة لا ينفصل عن الحزن على المدينة التي احتضنتهم ولا عن المجتمع الذي تشكلت داخله علاقاتهم وأحلامهم وذكرياتهم.
ولعل ما يمنح هذه الدموع معناها الأعمق أنها تكشف تداخل الخاص والعام في المأساة السودانية. فعندما تفقد الأسرة أبناءها وتفقد المدينة سكانها وأمانها، يتحول الفقد إلى جرح اجتماعي يمس الجميع حتى الذين لم تطأ أقدامهم أرض الفاشر.
ومع ذلك، فإن الوفاء للضحايا لا يكون بالبكاء عليهم وحده، بل بتحويل ذكراهم إلى التزام أخلاقي يمنع تكرار المأساة. فالذين فقدوا أرواحهم يستحقون أن تبقى قصصهم حاضرة في الذاكرة الوطنية وأن تُصان حقوق الناجين وأن يحصل المتضررون على العدالة والإنصاف بعيداً عن الانتقام الجماعي أو استغلال آلامهم في صراعات جديدة.
ومن الضروري أيضاً أن يجد الناجون مساحة آمنة للحزن والتعافي وأن يحصلوا على الدعم النفسي والاجتماعي وأن تتوافر لهم فرص العودة الطوعية والآمنة متى أمكن ذلك، إلى جانب إعادة بناء حياتهم وبيوتهم ومصادر رزقهم. فالتعافي لا يبدأ بإنكار الجراح، بل بالاعتراف بها وفهم أسبابها والعمل على تضميدها.
الفاشر التي كان يمكن أن تكون، لو لم تندلع هذه الحرب، لكان في مقدور الفاشر أن تواصل أداء دورها مدينةً تجمع ولا تفرق وتستقبل ولا تقصي وتمنح أبناء السودان مساحة للقاء والتجارة والتفاعل الاجتماعي والثقافي. فقد كانت المدن السودانية، رغم اختلاف تجاربها، أماكن للتعارف والتداخل تتجاوز فيها العلاقات اليومية كثيراً من الفوارق التي تستغلها السياسة في أوقات الصراع.
وكان من الممكن أن تتعزز مكانة الفاشر بوصفها مركزاً للحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في دارفور وأن تسهم مؤسساتها وأهلها في ترسيخ قيم التعايش وفتح آفاق أوسع للتعاون بين المجتمعات المحلية ومختلف أقاليم البلاد. غير أن الحرب بددت جانباً كبيراً من هذه الإمكانات ووضعت السكان أمام أولوية النجاة بدلاً من فرص التنمية والاستقرار.
لكن الحديث عما كان يمكن أن تكون عليه الفاشر ليس استسلاماً للحسرة، بل تذكيراً بما ينبغي أن تصبح عليه في المستقبل. فالمستقبل لا يُبنى بإعادة الماضي كما كان وإنما باستعادة عناصره الإيجابية وتصحيح ما شابه من اختلالات وتأسيس علاقات أكثر عدلاً وإنصافاً بين مكونات المجتمع.
وهنا تبرز مسؤولية أبناء الفاشر في الداخل والشتات إلى جانب مؤسسات الدولة والقوى المدنية والمجتمعات المحلية في حماية النسيج الاجتماعي من التمزق ورفض الانتقام على أساس العرق أو القبيلة أو الجهة والعمل على استعادة الثقة بين السكان. فالمدينة التي عانت من الحرب تحتاج إلى مشروع للتعافي لا يقتصر على تشييد المباني، بل يشمل إعادة بناء العلاقات الإنسانية وإحياء المدارس والمستشفيات والأسواق وصون التراث واستعادة الحياة الثقافية وفتح أبواب المشاركة أمام الشباب والنساء وسائر الفئات المتضررة.
من دموع التباكي إلى مسؤولية السلام، في خضم المأساة تبرز ضرورة التمييز بين الحزن الصادق الذي يعترف بآلام الضحايا والخطاب الذي يوظف المأساة سياسياً من دون مراجعة المواقف التي أسهمت في إطالة الحرب أو تبرير العنف. فالمواقف لا تُقاس بدموع أصحابها وحدها وإنما بمدى انسجام أقوالهم مع أفعالهم واستعدادهم لدعم وقف القتال وحماية المدنيين وفتح الطريق أمام الحل السلمي.
ولا يصح في المقابل، تحميل المسؤولية لأشخاص أو جهات بعينها من دون أدلة موثوقة، فالمحاسبة الجادة تتطلب توثيق الوقائع وإجراء تحقيق مستقل وتحديد المسؤوليات وفق القانون. أما إطلاق الأحكام الجماعية فقد يضيف إلى جراح المجتمع أسباباً جديدة للعداء ويجعل العدالة نفسها رهينة للاستقطاب.
إن السلام الذي تحتاج إليه الفاشر ليس مجرد توقف مؤقت لإطلاق النار ولا اتفاقاً سياسياً تتقاسمه القوى المسلحة والنخب بعيداً عن المواطنين. إنه سلام مستدام يقوم على حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية وتهيئة الظروف الآمنة لعودة النازحين واللاجئين واستعادة الخدمات الأساسية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وإصلاح المؤسسات التي يفترض أن تحمي المواطنين دون تمييز.
كما يتطلب السلام مساراً سياسياً يعيد الاعتبار للمجتمع المدني ولأصوات المتضررين ويعالج جذور النزاعات المرتبطة بالتهميش وضعف مؤسسات الدولة والتنافس على الموارد والسلطة. فلا يمكن بناء سلام متين ما لم يشعر أهل دارفور وسائر أقاليم السودان بأنهم شركاء متساوون في الوطن وأن حقوقهم ليست موضوعاً للمساومة وأن أمنهم لا يتوقف على موازين القوة بين المتحاربين.
الفاشر أمٌّ تنتظر عودة أبنائها، في المخيلة الوطنية تبدو الفاشر كأم أثقلها الحزن، لكنها لا تزال تتطلع إلى احتضان أبنائها جميعاً، على اختلاف تجاربهم ومواقفهم وانتماءاتهم. وهذه الصورة لا تعني أن التسامح هو التنازل عن الحقوق أو نسيان الضحايا، فالأم التي تضم أبناءها لا تطلب منهم إنكار جراحهم، بل تنتظر أن يتعلموا منها كيف يحمون بعضهم بعضاً وكيف يمنعون تكرار الفاجعة.
ولعل هذا هو الأمل الذي ينبغي أن تحمله ذكرى سقوط الفاشر هو من أن تتحول المدينة من ساحة للصراع إلى مساحة للمصالحة ومن رمز للفقد إلى عنوان للتعافي ومن مأساة محلية إلى درس وطني في خطورة إهدار التنوع وإضعاف مؤسسات الدولة واستبدال الحوار بالسلاح.
ولا يتحقق ذلك بالشعارات وحدها، بل بإرادة سياسية توقف الحرب، ومؤسسات عادلة تحمي الحقوق، ومبادرات مجتمعية تعيد بناء الثقة، وجهد وطني يضع كرامة الإنسان فوق اعتبارات الغلبة والانتقام.
هل تعود الفاشر إلى دورها؟ يا فاشر أبو زكريا ويا فاشر السلطان مر عام على سقوطك، لكن الحكاية لم تنتهِ والذاكرة لم تخمد جزوتها والأمل في التعافي لم يمت. ستظل دموع الأمهات والأسر المفجوعة تذكيراً بما خسره السودان حين ترك الحرب تلتهم مدنه وأحلام أبنائه، كما ستظل صرخة في وجه كل خطاب يجعل الموت ثمناً مقبولاً للصراع على السلطة.
إن استعادة الفاشر ليست مسؤولية أهلها وحدهم، بل مسؤولية وطن يحتاج إلى مدنه جميعها كي ينهض من الركام. وحين يعود إليها الأمان وتفتح مدارسها أبوابها وتستعيد أسواقها حركتها ويلتقي أهلها في فضاءات الحياة بلا خوف أو تمييز، عندها فقط يمكن القول إن التعافي بدأ يخطو خطواته الأولى.
أما دموع الدكتورة سعاد ودموع كل أسرة فقدت عزيزاً، فلن تجد عزاءها الكامل في الكلمات وإنما في سودان يتعلم من مأساته ويختار السلام بدلاً من الحرب والعدالة بدلاً من الانتقام والمواطنة بدلاً من الإقصاء.
ذلك هو الأمل المرتجى وهو أن تعود الفاشر مدينة تحتضن أبناءها ومنارة للتعايش في دارفور وشاهداً حياً على أن الشعوب مهما أثقلتها الجراح تستطيع أن تستعيد الحياة حين تتوافر الإرادة الصادقة لصنع السلام.




