أموال في الحسابات… وأزمة في الجيوب: من يدفع ثمن شح السيولة في السودان؟

بقلم: أيوب محمد عبد الرحمن
ليست قسوة الأزمة دائماً في أن يخلو حسابك من المال، بل في أن يكون فيه رصيد لا تستطيع تحويله إلى خبز أو دواء أو أجرة مواصلات. عندها تصبح المسافة بين الحساب المصرفي والجيب أكبر من مجرد رحلة إلى البنك؛ تصبح مسافة بين حقٍّ مثبت على الشاشة وحاجة لا تحتمل الانتظار.
هذه هي المفارقة التي تضعها أزمة السيولة في السودان أمام المواطن: أن يمتلك المال، ثم يضطر إلى البحث عمن يمكّنه من استخدامه. وقد وصفت تقارير عن الأزمة تزامن شح النقد مع اتساع الاعتماد على التطبيقات المصرفية في البيع والشراء، بينما يضغط تراجع الجنيه وارتفاع الأسعار على القدرة الشرائية للأسر.
والسؤال الذي ينبغي أن يتقدم النقاش ليس فقط: أين ذهبت الأوراق النقدية؟ بل: من يتحمل كلفة غيابها؟ وهل يُعقل أن يدفع المواطن ثمن تعطل النظام الذي أودع فيه ماله، ثم يدفع مرة أخرى ثمن تراجع قيمة ذلك المال؟
الرصيد ليس بديلاً عن القدرة على الدفع
تؤدي النقود وظيفتها حين يستطيع الناس استخدامها في الوقت والمكان اللذين يحتاجون إليها فيهما. أما الرصيد الذي يتعذر الوصول إليه، أو لا تقبله الجهة التي تقدم سلعة ضرورية، فلا يحقق لصاحبه الطمأنينة التي يفترض أن يمنحها المال.
من هنا، لا يصح قياس الأزمة بما يظهر في الحسابات وحدها. المعيار الأصدق هو ما يستطيع صاحب الحساب فعله برصيده: هل يمكنه شراء حاجته؟ هل يستطيع دفع أجر عامل؟ وهل يصل إلى ماله من دون أن يخسر جزءاً منه أو يقضي وقتاً طويلاً بحثاً عن وسيلة للسحب؟
إذا لم تكن الإجابة واضحة، فإن المشكلة تتجاوز نقص الأوراق إلى كفاءة الخدمة وعدالتها. فالمصرف ليس مخزناً للأرقام، بل مؤسسة تقوم علاقتها بالمودع على التزام أساسي: أن يكون المال متاحاً وفق شروط معلومة، لا أن يتحول الوصول إليه إلى مفاجأة يومية.
من يدفع الثمن؟
لا تتوزع أعباء شح السيولة بالتساوي. فمن يملك أكثر من وسيلة للدفع، ويمكنه تأجيل مشترياته، ليس كمن يحتاج إلى مبلغ صغير لتلبية حاجة عاجلة. ومن يستطيع التعامل مع التطبيقات المصرفية ليس كمن لا تتوافر له أدوات استخدامها.
وحين يصبح الحصول على النقد خدمة مستقلة لها كلفتها، تظهر أسئلة العدالة بوضوح: لماذا يُطلب من صاحب المال أن يتحمل خسارة إضافية كي يصل إليه؟ وأين تنتهي الرسوم المشروعة، وأين يبدأ استغلال الحاجة؟
ينبغي ألا يكون المواطن الحلقة التي تستقر عندها جميع الخسائر. فلا يجوز أن يتحمل وحده ضعف الخدمة، وكلفة الانتظار، وصعوبة التحويل بين وسائل الدفع، ثم يُلام لأنه يفضّل الاحتفاظ بالنقد خارج المصارف.
إن الدفاع عن المودع ليس دفاعاً عن مصلحة فردية ضيقة؛ إنه دفاع عن الأساس الذي يحتاجه أي نظام مصرفي كي يعمل: الثقة.
التكنولوجيا وسيلة، لا إعفاء من المسؤولية
قدّمت التطبيقات المصرفية مساراً لاستمرار المعاملات في ظل شح النقد، وأصبحت عنصراً مهماً في حركة البيع والشراء. لكن الاعتراف بأهميتها لا يعني اعتبارها جواباً كاملاً عن كل أوجه الأزمة.
التحول الرقمي ينبغي أن يوسّع الخيارات أمام المواطن، لا أن يضعه أمام خيار وحيد. والنجاح لا يقاس بعدد المعاملات الإلكترونية فقط، بل بقدرة مختلف الفئات على إجرائها، وبوضوح تكلفتها، وبوجود بديل عملي عندما يتعذر استخدامها.
لسنا أمام مفاضلة بين النقد والتكنولوجيا. المطلوب منظومة تتكامل فيها الوسيلتان، وتحمي حق الناس في الدفع والتحصيل من دون أن تجعل امتلاك هاتف مناسب أو اتصال مستقر شرطاً للوصول إلى ضرورات الحياة.
كما ينبغي ألا تتحول الدعوة إلى الدفع الإلكتروني إلى وسيلة لتجاهل السؤال الأصعب: لماذا لا يستطيع المودع الحصول على نقده عندما يحتاج إليه؟
شح النقد وغلاء المعيشة: أزمتان تتقاطعان
من المهم ألا نخلط بين نقص السيولة وتراجع قيمة العملة. فقد يجد المواطن وسيلة لسحب ماله، ثم يكتشف أن المبلغ لم يعد يشتري ما كان يشتريه من قبل. وقد يحتفظ بقيمة في حسابه، لكنه يعجز عن استخدامها في معاملة تحتاج إلى النقد.
وقد أبرزت تغطيات حديثة ارتفاع أسعار الغذاء والخبز وتآكل القدرة الشرائية في السودان، بالتوازي مع الضغوط التي يفرضها تراجع الجنيه. لذلك، فإن توفير الأوراق النقدية، على ضرورته، لا يكفي وحده لاستعادة الأمان المعيشي.
أي معالجة جادة ينبغي أن تتحرك في اتجاهين: تسهيل وصول الناس إلى أموالهم، والعمل على حماية قدرتهم على شراء احتياجاتهم. النجاح في أحدهما وإهمال الآخر يترك المواطن داخل الأزمة، وإن تغيّر شكلها.
ماذا نطلب من السلطات والمصارف؟
لا تحتاج البداية إلى وعود فضفاضة، بل إلى التزامات يمكن للناس فهمها ومراقبتها.
أولها الشفافية: أن تُعلن قيود السحب، وأسبابها، وآليات مراجعتها، بدلاً من ترك المودعين أمام إجابات متفاوتة وتوقعات مجهولة.
وثانيها العدالة: أن تكون قواعد الحصول على النقد واضحة، وألا يتقدم صاحب النفوذ على صاحب الحاجة، أو تتحول الخدمة المصرفية الأساسية إلى امتياز.
وثالثها حماية المودع: عبر إتاحة قنوات للشكاوى، والإفصاح عن الرسوم، والتعامل الجاد مع الممارسات التي تستغل حاجة الناس إلى تحويل أرصدتهم إلى نقد.
ورابعها إصلاح أوسع لا يفصل العملة عن الاقتصاد الذي يسندها. فلا يمكن مطالبة الجنيه بأن يستعيد قوته بينما تظل الحرب وتعطل الإنتاج وضعف الصادرات تضغط على مقوماته؛ وهي صلة أكّدتها تحليلات حديثة للأزمة الاقتصادية السودانية.
هذه ليست وصفة سريعة، لكنها معايير للمساءلة. فمن حق المواطن أن يعرف ما الذي يُفعل، ولماذا، ومتى تظهر آثاره في حياته اليومية.
المال حق قابل للاستخدام
لا يُطلب من المصارف أن تصنع المعجزات في ظروف الحرب، ولا يمكن إنكار تعقيد الأزمة. لكن الاعتراف بصعوبة الظروف لا ينبغي أن يتحول إلى إعفاء دائم من المسؤولية، أو إلى مطالبة الناس بالتكيف بلا نهاية مع تراجع حقوقهم.
المواطن ليس رقماً في كشف حساب. وراء كل رصيد التزام ينتظر الوفاء: علاج، أو غذاء، أو إيجار، أو أجر مستحق. وحين يتعطل الوصول إلى المال، لا تتعطل معاملة مصرفية فحسب؛ قد تتعطل حاجة أساسية في حياة إنسان.
لهذا، يجب أن يكون معيار الإصلاح بسيطاً وواضحاً: هل أصبح الناس أقدر على استخدام أموالهم بأمان وكلفة معقولة؟
إلى أن تصبح الإجابة نعم، ستظل الأرقام في الحسابات عاجزة عن إخفاء الأزمة في الجيوب، وسيبقى السؤال موجهاً إلى أصحاب القرار: لماذا يدفع المواطن ثمن مالٍ يملكه بالفعل؟




