هل يصنع السلام اتفاقاً سياسياً ومجتمعاً بلا مؤسسات؟

هل يصنع السلام اتفاقاً سياسياً ومجتمعاً بلا مؤسسات؟
رؤية نقدية وتحليلية من وقف الحرب إلى استعادة الحياة المدنية في السودان تحقيق سلام مستدام
مركز الاستدامة للتنمية والاستنار
م. عبدالله موسى أحمد – باحث
csda22026@gmail.com
كثيرين يتحدوثنا عن وقف الحرب، ويعتبرنها هى بداية السلام لا نهايته،قد تتوقف الحرب باتفاق بين قادتها وقد تتوافق القوى السياسية على ترتيبات انتقالية، لكن ذلك لا يصنع سلاماً مستداماً في بلد تراجعت فيه المؤسسات المدنية وضعفت الأحزاب وانحسرت أدوار النقابات ومنظمات المجتمع المدني وتعرضت الروابط الاجتماعية لضغوط الحرب والاستقطاب. فوقف القتال ضرورة عاجلة، لكنه لا يضمن وحده استقرار السودان ما لم يصاحبه مشروع واضح لإعادة بناء الدولة والمجتمع والمؤسسات.
تستند هذه الرؤية إلى ثلاث حقائق مترابطة: أولها أن الاتفاقات السابقة تعثرت لأن تنفيذها افتقر إلى مؤسسات مستقلة وضمانات فعالة، وثانيها أن ضعف الأحزاب والمجتمع المدني حرم المواطنين من التمثيل والرقابة وثالثها أن السلام الحقيقي يحتاج إلى مشاركة اجتماعية واسعة وعدالة تعالج جذور المظالم ومؤسسات تدير الخلاف بعيداً عن السلاح.
لذلك، لا ينبغي أن ينحصر حديثنا في كيفية وقف الحرب، بل في كيفية بناء نظام سياسي واجتماعي يمنع عودة العنف ويمنح المواطنين القدرة على المشاركة في إدارة شؤونهم وتحديد مستقبلهم.
أولاً دروس التجربة السودانية لماذا لا يكفي الاتفاق؟ تثبت التجربة السودانية أن الاتفاقات السياسية مهما بدت مهمة عند توقيعها، لا تعالج وحدها أزمات الدولة والمجتمع. فقد شهد السودان تسويات واتفاقات سلام وفترات انتقالية متعددة، لكن كثيراً من أسباب الصراع ظل قائماً. إذ استمرت اختلالات توزيع السلطة والثروة واتسعت الفجوة بين المركز والأقاليم ولم تتطور المؤسسات السياسية بما يكفي لاستيعاب التنوع وإدارة الخلاف.
ومن أبرز الأمثلة اتفاق أديس أبابا عام 1972، الذي أنهى الحرب الأهلية الأولى ومنح الإقليم الجنوبي حكماً ذاتياً ضمن السودان الموحد. غير أن الاتفاق لم يستند إلى ضمانات مؤسسية راسخة وظلت قضايا تقاسم السلطة والثروة والهوية والعلاقة بين المركز والأقاليم معلقة. ثم أدى تقليص الحكم الذاتي وإعادة تقسيم الإقليم الجنوبي وإعلان قوانين سبتمبر عام 1983 إلى تقويض الثقة، فانهارت التسوية وعادت الحرب.
وتكرر التعثر في اتفاقية السلام الشامل عام 2005 بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان. فقد أوقفت الاتفاقية الحرب الطويلة ووضعت ترتيبات لتقاسم السلطة والثروة ونصت على استفتاء تقرير المصير للجنوب، لكنها لم تنجح في بناء دولة اتحادية عادلة أو معالجة النزاعات في جنوب كردفان والنيل الأزرق وأبيي. كما جاء تنفيذ بنودها بطيئاً وانتقائياً وتركزت السلطة داخل النخب الحاكمة، بينما بقيت مؤسسات الرقابة والتمثيل الشعبي ضعيفة. وانتهى المسار بانفصال جنوب السودان عام 2011، من دون حل جميع القضايا العالقة بين الدولتين أو جذور النزاعات في المناطق الطرفية.
أما اتفاق أبوجا للسلام عام 2006، المعروف باتفاقية سلام دارفور ، فقد وقعته الحكومة مع فصيل حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، بينما رفضته فصائل رئيسية. وتعثر الاتفاق بسبب محدودية المشاركة وضعف ترتيبات تقاسم السلطة والثروة وغياب آليات تنفيذ فعالة. فلم يتحول إلى تسوية شاملة واستمرت الحرب في دارفور، فيما بقيت المجتمعات المتضررة خارج دائرة التأثير الحقيقي.
وينطبق الأمر نفسه على وثيقة الدوحة للسلام في دارفور، التي اعتُمدت عام 2011 إطاراً للتسوية، لكنها لم تشمل الحركات المسلحة الرئيسية في الإقليم. لذلك لم تنجح في إنهاء الصراع، بسبب غياب أطراف أساسية وضعف التمويل والتنفيذ واستمرار التنافس بين المركز والأقاليم وعدم معالجة قضايا الأرض والعدالة والتهجير ونزع السلاح بمعالجة عملية.
كما واجه اتفاق جوبا لسلام السودان، الموقع في أكتوبر 2020 بين الحكومة الانتقالية وعدد من الحركات المسلحة، مشكلات تتعلق بالشمول والتنفيذ والتمويل. فقد بقيت حركتا تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور والحركة الشعبية لتحرير السودان شمال بقيادة عبد العزيز الحلو خارج الاتفاق وتأخر تنفيذ الترتيبات الأمنية واستمر التنافس بين المكونات العسكرية والمدنية ولم تُنفذ بنود أساسية بالسرعة والعمق المطلوبين.
وتكشف هذه التجارب أن تعثر السلام لم يكن سببه غياب النصوص وحده، بل ضعف المؤسسات التي يفترض أن تنفذها وتحميها. فقد غابت آليات مستقلة للمراقبة والتحكيم، ولم تُربط الالتزامات بجداول زمنية واضحة أو عقوبات عند الإخلال بها، كما طغت المحاصصة النخبوية على المشاركة الشعبية. وأدت الانقلابات وتبدل موازين القوة وتنافس النخب العسكرية والمدنية إلى إضعاف الثقة، بينما حالت الانقسامات داخل الحركات والأحزاب دون تكوين جبهة وطنية قادرة على حماية الاتفاقات.
وتكشف الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 خطورة هذا المسار، إذ لم يقتصر أثرها على تدمير المدن والبنية التحتية وتشريد المواطنين، بل امتد إلى إضعاف المجال العام وتفكيك شبكات التضامن وتعطيل المؤسسات وتوسيع دائرة الخوف والاستقطاب.
ثانياً أزمة التمثيل المدني واحتكار مراكز القوة للمستقبل، إذا كان الاتفاق السياسي يحتاج إلى مؤسسات تحميه، فإن هذه المؤسسات لا تنشأ من فراغ. وتحتل الأحزاب السياسية موقعاً أساسياً في أي نظام ديمقراطي. فهي تنظم المصالح الاجتماعية وتصوغ البرامج وتؤهل القيادات وتتيح للمواطنين المشاركة في الشأن العام. لكن الأحزاب السودانية تواجه أزمة ممتدة تتصل ببنيتها الداخلية وتجديد قياداتها وقدرتها على التواصل مع المجتمع وتحويل أفكارها إلى برامج عملية.
وقد أسهمت الانقلابات العسكرية والقمع، وضعف الممارسة الديمقراطية داخل بعض التنظيمات واستمرار الخلافات القيادية في تعميق هذا التراجع. وأظهرت الحرب أيضاً محدودية قدرة كثير من القوى السياسية على التأثير المستقل، في ظل استقطاب يدفعها إلى الاقتراب من أحد المعسكرات أو الارتهان لحساباته، بدلاً من بناء موقف مدني يضغط من أجل وقف القتال وحماية المواطنين.
ولا تقتصر المشكلة على الأحزاب، لكن تشمل النقابات المهنية والعمالية، والجمعيات الخيرية والتطوعية، والاتحادات الطلابية والشبابية والنسوية والمنظمات الحقوقية والتنموية والروابط المهنية والمجتمعية والإدارات الأهلية. وقد أظهرت الحرب أهمية هذه الشبكات في توفير الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، لكنها كشفت في الوقت نفسه حاجتها إلى الحماية والموارد والتنظيم المؤسسي.
إن غياب هذه المؤسسات يفتح المجال أمام القوى الأكثر تسليحاً وتنظيماً وامتلاكاً للموارد لتحديد مستقبل البلاد، بينما تتراجع أصوات النازحين واللاجئين والنساء والشباب والعمال والمزارعين والفئات محدودة الدخل. وقد يتحول الحوار في هذه الحالة إلى تفاوض بين مراكز القوة لا إلى عملية وطنية تعبر عن المجتمع.
لذلك، يجب التمييز بين ضرورة التعامل مع الأطراف العسكرية لوقف الحرب وبين منحها حق تحديد مستقبل السياسة السودانية أو اقتسام السلطة بحكم امتلاك السلاح. فالمشاركة المدنية لا تتحقق بمجرد توجيه الدعوات، بل تحتاج إلى مؤسسات تختار ممثليها ديمقراطياً وتحدد أولوياتها وتحاسب من يتحدث باسمها.
ثالثاً إعادة بناء المجتمع والدولة شرط لاستدامة السلام، إن معالجة التردي الذي أصاب المنظومات المدنية ليست مهمة مؤجلة إلى ما بعد الحرب، بل ينبغي أن تبدأ بالتوازي مع جهود وقف القتال. فالمجتمع الذي يفقد مؤسساته المستقلة يصبح أكثر عرضة للاستقطاب وأقل قدرة على مراقبة السلطة وأكثر اعتماداً على الأفراد ومراكز النفوذ.
وتتطلب إعادة البناء مراجعة قوانين العمل الحزبي والنقابي والطوعي بما يضمن حرية التنظيم والاستقلال ووقف التدخلات التي تحول المؤسسات إلى أدوات للسلطة أو واجهات للقوى المتنافسة. كما تستلزم دعم المبادرات المحلية وتطوير قدرات المنظمات في الإدارة والتمويل والشفافية وتوسيع مشاركة الشباب والنساء، وإتاحة المجال أمام القيادات الجديدة.
وتحتاج الأحزاب إلى تجديد برامجها وهياكلها والانتقال من الصراع حول المواقع إلى التنافس على تقديم الحلول. وتحتاج النقابات إلى استعادة استقلالها المهني، بينما ينبغي أن تتطور الجمعيات الخيرية من الاستجابة الطارئة إلى برامج تنموية مستدامة. كما يجب أن تعمل الإدارات المجتمعية على تعزيز التعايش وحل النزاعات وفق قواعد تحترم المواطنة والحقوق.
ولا يمكن تحقيق ذلك بقرارات حكومية وحدها. لأن استقلال المجتمع المدني يعني الاعتراف بحق المواطنين في التنظيم والعمل والمساءلة. فالدولة المطلوبة ليست التي تهيمن على المجتمع، بل التي توفر له القانون والحماية والمساحة اللازمة ليكون شريكاً في التنمية وصناعة القرار.
رابعاً برنامج عملي لتحويل السلام إلى مسار مستدام، لتحويل السلام من اتفاق مؤقت إلى نظام مستدام، ينبغي اعتماد برنامج عملي يتضمن الخطوات الآتية:
- إدراج ضمانات تنفيذ ملزمة في أي اتفاق سلام جديد، تشمل جداول زمنية معلنة ومؤشرات قياس وهيئة مستقلة للمراقبة وآلية تحكيم وعقوبات واضحة عند الإخلال بالالتزامات.
- توسيع المشاركة في مفاوضات السلام عبر تمثيل النازحين واللاجئين والنساء والشباب والمجتمعات المحلية والنقابات والمهنيين، مع نشر معايير اختيار الممثلين ومحاضر الاجتماعات والنتائج الأساسية.
- إنشاء آلية مدنية مستقلة لمراقبة تنفيذ الاتفاقات تضم ممثلين عن المجتمع المدني والأقاليم والجهات المهنية وتصدر تقارير دورية علنية عن التقدم والتعثر والتمويل.
- إصلاح القوانين المنظمة للأحزاب والنقابات والمنظمات الطوعية بما يضمن حرية التنظيم ويمنع تدخل الأجهزة الأمنية ويُلزم المؤسسات بالشفافية المالية والانتخابات الداخلية والتداول القيادي.
- توفير صندوق دعم شفاف للمبادرات المدنية المحلية يمول الخدمات الطارئة وبرامج المصالحة والتعليم والصحة، مع إخضاعه لتدقيق مستقل ونشر بيانات التمويل والمستفيدين.
- إطلاق برامج لإعادة بناء الثقة والمصالحة المحلية تبدأ بتوثيق الانتهاكات والاستماع إلى الضحايا وتسوية نزاعات الأرض والموارد وربط المصالحة بالعدالة لا بالعفو غير المشروط.
- إعادة هيكلة القطاع الأمني تدريجياً عبر إخضاع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية لسلطة مدنية وقانونية وتوحيد مراكز القرار العسكري وربط نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج ببرامج اقتصادية واجتماعية قابلة للقياس.
- إلزام الأحزاب بإصلاح داخلي قابل للتحقق يشمل انتخابات دورية ونشر اللوائح والبرامج وتحديد مدد القيادة وإتاحة مشاركة النساء والشباب وربط التمويل بالإفصاح والمساءلة.
- حماية المجال العام والإعلام المستقل عبر ضمان حرية الصحافة والوصول إلى المعلومات ومواجهة خطاب الكراهية والتحريض ودعم منصات تحقق مستقلة تميز بين الوقائع والدعاية.
- ربط إعادة الإعمار بالعدالة الإقليمية من خلال توجيه الموارد إلى المناطق الأكثر تضرراً واعتماد معايير معلنة لتوزيع الخدمات وإشراك المجتمعات المحلية في تحديد الأولويات ومراقبة التنفيذ.
- تحديد مؤشرات سنوية لقياس نجاح السلام، مثل انخفاض العنف المحلي وعودة النازحين طوعاً وتحسن الوصول إلى الخدمات وزيادة مشاركة النساء والشباب، وارتفاع نسبة تنفيذ بنود الاتفاقات.
- إجراء مراجعة دورية شاملة لمسار السلام كل ستة أو اثني عشر شهراً، بمشاركة مستقلة من المجتمع المدني والجهات الأكاديمية والضحايا، مع تعديل السياسات عند ظهور إخفاقات جديدة.
وعلية من الهدنة إلى الدولة، لن يتحقق السلام المستدام في السودان بمجرد إسكات البنادق، كما لن تصنعه اتفاقات تتقاسم بموجبها النخب مواقع السلطة بعيداً عن المواطنين. فوقف الحرب ضرورة عاجلة، لكن نجاحه يتوقف أيضاً على بناء حياة مدنية قادرة على حماية الاتفاقات ومراقبة السلطة وإدارة الاختلاف ومنع عودة العنف.
إن ضعف الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والنقابات والاتحادات والإدارات المجتمعية ليس مسألة هامشية يمكن تجاوزها بعد التسوية، بل تحدٍّ أساسي أمام مستقبل البلاد. ومعالجته لا تعني إحياء هياكل فقدت فاعليتها، وإنما تجديدها لتصبح مؤسسات مستقلة وديمقراطية ومرتبطة بحاجات الناس.
فالسودان لا يحتاج إلى سلام ينهي الحرب فحسب، لكن إلى مجتمع يمتلك مؤسساته، ومواطنين يشاركون في صناعة مستقبلهم ودولة لا تقوم شرعيتها على السلاح وإنما على القانون والمواطنة والمساءلة. وعندها فقط يصبح السلام أكثر من هدنة مؤقتة. يصبح أساساً لحياة سياسية واجتماعية جديدة، تمنع إعادة إنتاج الأزمة وتفتح الطريق أمام دولة تسع جميع السودانيين.




