مقالات

حين تتسع مساحة التلاقي.. حوار «شبكة النساء السودانيات» و«سكة تسامح» بحثا عن جسور السلام

كتب / النور عبدالله محمدين

لم تكن فعالية اليوم العالمي للسلام التي نظمتها «شبكة النساء السودانيات» بالتعاون مع شبكات «سكة تسامح» في العاصمة الأوغندية كمبالا في 21 سبتمبر 2026م بالنسبة لي مجرد مناسبة فحسب بل تجربة حوارية طرحت سؤال ظل حاضر في ذهني هل يستطيع السودانيون تحويل اختلافاتهم من مصدر للصراع إلى مساحة للتفاهم؟

شاركت في جلسة حوارية جمعت نحو 30 شخصية سودانية من خلفيات وتجارب مختلفة ولم يكن اللافت بالنسبة لي فقط تنوع المشاركين وإنما الطريقة التي أُدير بها الحوار مساحة للاستماع وأخرى للاختلاف وثالثة للبحث عن نقاط الالتقاء دون محاولة فرض تطابق مصطنع في الرؤى.

حيث ناقشت الجلسة محاور الخطاب الديني والإعلام والإبداع والعمل الإنساني وقضايا النساء قبل الانتقال إلى مجموعات عمل بحثت في تحويل النقاش إلى توصيات عملية من بينها دعم الخطاب الديني الداعي للسلام واستخدام الإعلام والفنون في نشر ثقافة التعايش ومواجهة خطاب الكراهية وتوسيع مشاركة النساء في عمليات السلام وصناعة القرار.

بالنسبة لي كانت الرسالة الأهم أن السلام لا يمكن أن يظل مهمة السياسيين وحدهم أو ملف مغلق داخل غرف التفاوض وبالتالي فالإعلامي والفنان والقيادي الديني والمرأة والشاب والناشط ومنظمات المجتمع المدني جميعهم أطراف في عملية بناء السلام وإعادة الثقة بين الناس.

وفي المساء أخذت الفعالية بعد ثقافي وفني بحضور المئات من النساء والرجال والأطفال حيث تداخلت التلاوات من القرآن الكريم والكتاب المقدس مع الترانيم والمدائح والأغاني الوطنية بمشاركة كورال الحارسات والفنان مصطفى بكري.

كان المشهد بالنسبة لي أكثر من برنامج فني كان صورة مصغرة لما يمكن أن يكون عليه السودان حين يصبح التنوع جزء من الحياة لا ذريعة للصراع.

ثم جاء «نداء السلام» الذي صيغ على ضوء مداولات الجلسة ووقع عليه نحو 250 من الحضور ليعبر عن موقف مجتمعي يدعو إلى وقف الحرب ورفض خطاب الكراهية وتعزيز التعايش والحرية والعدالة والكرامة الإنسانية ولكنني أعتقد أن القيمة الحقيقية لأي فعالية سلام تبدأ بعد انتهائها.

فكم من مؤتمر انتهى بتوصيات وكم من نداء للسلام بقي حبيس الأوراق؟

وبالتالي يظل التحدي الاكبر هو تحويل الأفكار إلى مبادرات والمبادرات إلى عمل مستمر والعمل إلى أثر ملموس في حياة الناس.

وهنا تكمن أهمية مثل هذه المساحات التي تتيح للسودانيين المختلفين أن يجلسوا معاً لا للاتفاق على كل شيء وإنما للتعلم من الاختلاف وإدارته دون أن يتحول إلى كراهية أو إقصاء.

عموما خرجت من تجربة حوار شبكة النساء السودانيات وشبكات سكة تسامح بقناعة أن السلام يبدأ أيضاً من الطريقة التي نتحدث بها مع بعضنا حين نسمح للآخر بأن يختلف معنا دون أن نحوله إلى خصم وحين نرفض أن تكون الهوية الدينية أو القبلية أو الإثنية حكم مسبق على الإنسان.

فالسودان اليوم يحتاج إلى وقف الحرب لكنه يحتاج كذلك إلى سلام اجتماعي يعيد بناء الثقة وإلى إعلام لا يغذي الكراهية وخطاب ديني يفتح أبواب التعايش وفن يعيد للناس قدرتهم على الحلم ومجتمع مدني قادر على الحركة ونساء وشباب يشاركون في صناعة المستقبل.

علي أية حال .. حين تتسع مساحة التلاقي يصبح الاختلاف أقل شبه بخطوط الانقسام وأكثر شبه بالجسور وربما هنا يكمن أحد أهم معاني السلام أن نختلف دون أن نتحارب وأن نتعدد دون أن نتفرق وأن نبحث عن وطن يتسع للجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى