حيدر إبراهيم علي المثقف الذي جعل الثقافة جزءاً من قضية السودان

مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م.عبدالله موسى احمد – باحث
csda22026@gmail.com
برحيل المفكر وعالم الاجتماع السوداني حيدر إبراهيم علي، يخسر السودان واحداً من أبرز أصواته الثقافية والفكرية خلال العقود الأخيرة. فقد جمع الراحل بين البحث الأكاديمي والكتابة والنشر والعمل العام وجعل من السودان محوراً ثابتاً في مشروعه الفكري.
لم يكتفِ حيدر بدور الأكاديمي والانعزال عن قضايا المجتمع، بل انخرط في أسئلة الدولة والديمقراطية والهوية والدين والسياسة والتنوع الثقافي والعلاقة بين المركز والأطراف. ومن خلال كتبه ومركز الدراسات السودانية ومجلته وندواته، ترك أثراً تجاوز حدود المؤلفات إلى الذاكرة الثقافية السودانية نفسها.
ومن بين كتبه المعروفة «أزمة الإسلام السياسي الجبهة الإسلامية القومية في السودان نموذجاً، الذي تناول تجربة الإسلام السياسي في السودان والديمقراطية المفهوم والإشكالات، الذي انشغل بقضايا الديمقراطية وتحدياتها. كما ارتبط اسمه بكتابات ودراسات تناولت المجتمع السوداني والدين والسياسة والتحولات الاجتماعية.
مركز الدراسات السودانية تجربة تتجاوز النشر،
لم يكن مركز الدراسات السودانية مجرد دار نشر أو مساحة للأنشطة، بل تحول إلى فضاء لتلاقي الأفكار والتجارب ومنصة لطرح الأسئلة التي شغلت المجتمع السوداني. نشر المركز مؤلفات وأعمالاً أدبية وفكرية متنوعة ونظم ندوات ناقشت قضايا السياسة والثقافة والمجتمع.
وكانت مجلة كتابات سودانية الواجهة الأبرز لهذه التجربة، فقد قدمت مواد بحثية وأدبية وفكرية وأبقت القضايا السودانية حاضرة في المشهد الثقافي. ومن بين الموضوعات التي عُرف بها المركز الديمقراطية والهوية والتنوع والإسلام السياسي والحرب والسلام، عبر الكتب والندوات والمواد المنشورة في المجلة.
لهذا لم تُقَس قيمة المركز بعدد إصداراته فقط، بل بما أحدثه من أثر في القراء والباحثين والطلاب. وقد اتخذ في ممارسته الثقافية موقفاً واضحاً من احتكار المعرفة ودافع عن تعدد الأصوات وحق النقاش العام. لكن ذلك لا يعني أن كل ما نُشر فيه يمثل موقفاً شخصياً لحيدر إبراهيم أو موقفاً رسمياً ثابتاً للمركز.
في مواجهة الشمولية، تبلورت تجربة حيدر في مرحلة سياسية شديدة التعقيد ولا سيما خلال سنوات حكم الإنقاذ، حين اتخذ موقفاً نقدياً من الشمولية واحتكار السلطة وتضييق المجال العام.
في ذلك المناخ، تجاوز الكتاب والندوة والمجلة وظيفة النشر التقليديةووتحولت إلى منافذ للتعبير والاطلاع في ظل ضغوط واسعة. لم يرَى حيدر الثقافة بديلاً من السياسة، بل شرطاً من شروطها، فالديمقراطية تحتاج إلى صحافة حرة وجامعة حية وكتاب يضع الواقع موضع المساءلة ومؤسسات تتيح تداول الأفكار.
وتتجلى هذه الروح في كتاباته عن الديمقراطية والإسلام السياسي، كما تظهر في طبيعة المنبر الذي مثله مركز الدراسات السودانية.
السودان في عيون حيدر، احتلت الهوية السودانية موقعاً مركزياً في مشروعه الفكري. فقد نظر إلى السودان بوصفه مجتمعاً متنوعاً في ثقافاته ولغاته وأديانه وتاريخه الاجتماعي، ورأى أن اختزاله في هوية واحدة لا يقود إلا إلى إقصاء أجزاء واسعة منه.
ومن هنا انشغل بقضايا المواطنة والتنوع الثقافي والعلاقة بين المركز والأطراف. وهي قضايا أثبتت الحرب الراهنة الحاجة اليها، بعدما كشفت هشاشة البناء الوطني، وكلفة التهميش، وخطورة تحويل الاختلاف إلى وقود للصراع.
الدين والسياسة واحدة من معاركه الفكرية،
كان نقد الإسلام السياسي أحد أبرز محاور إنتاجه الفكري. ويأتي كتابه أزمة الإسلام السياسي الجبهة الإسلامية القومية في السودان نموذجاً مثالاً مباشراً على ذلك، إذ جعل التجربة السودانية موضوعاً للتحليل والنقاش، لا مجرد مناسبة لموقف سياسي عابر.
تناول حيدر العلاقة بين الدين والسياسة من منظور اجتماعي وفكري، متوقفاً عند التجربة السودانية وتجارب العالمين العربي والإسلامي ومحللاً الإشكالات التي تنشأ حين ينتقل الخطاب الديني من المجال الدعوي إلى السلطة، بما يطال الدولة والمواطنة والحريات.
ومهما اختلف القراء حول أطروحاته، فقد أسهمت كتاباته في إبقاء القضية داخل صدارة النقاش السوداني. كما أدى مركز الدراسات السودانية دوراً مهماً، عبر نشر الكتب وتنظيم الندوات، في إبقاء هذا النقاش مفتوحاً، مع ضرورة التمييز بين رأي حيدر الشخصي والآراء المتعددة التي استضافها المركز.
الشباب والكتاب والمكتبة، اهتم حيدر بالبيئة التي ينشأ فيها الكاتب والباحث الشاب ورأى في المكتبة والندوة والنشر أدوات لفتح الطريق أمام أجيال جديدة وتعريفها بالأدب والعلوم الاجتماعية والتاريخ والسياسة.
ولا يمكن اختزال ثورة ديسمبر 2018 في مؤسسة أو شخصية واحدة فقد كانت ثمرة تراكم شاركت فيه قوى اجتماعية وسياسية ونقابية وشبابية ونسائية. غير أن التجارب الثقافية السابقة أسهمت في تهيئة أجيال اقتربت من قضايا الديمقراطية والحقوق والمواطنة، وقرأت تاريخ بلادها بعيداً عن الرواية الأحادية.
القاهرة محطة لم تطفئ صلته بالسودان، كانت القاهرة محطة رئيسية في حياة حيدر ومنها واصل جانباً مهماً من إنتاجه الثقافي والبحثي. غير أن وجوده خارج السودان لم يقطع صلته ببلده، فقد ظل منشغلاً بأحواله السياسية والاجتماعية، متابعاً تحولاته ومواصلاً نشاطه الثقافي.
ومنحتْه المسافة فرصة لرؤية المشهد السوداني من زاوية أوسع، من دون أن يفقد صلته العاطفية والفكرية ببلده.
المثقف الذي اختلف معه كثيرون، لم يكن حيدر شخصية توافقية ولم تكن أفكاره بمنأى عن الجدل. لكن أهمية المثقف لا تُقاس بعدد المتفقين معه، بل بقدرته على تحريك المياه الراكدة ومراجعة المسلمات، وفتح الأسئلة المؤجلة.
كان يكتب حين يصمت الآخرون ويناقش القضايا التي يفضل كثيرون تأجيلها ويضع التجربة السودانية في سياق اجتماعي وتاريخي أوسع.
إرث لا يختصره كتاب، لا يصح اختزال حيدر إبراهيم في كتاب واحد أو موقف سياسي محدد، فقد كان عالم اجتماع وكاتباً، وناشراً ومؤسس تجربة ثقافية وناقداً سياسياً ومتابعاً لتحولات المجتمع السوداني.
ويمثل مركز الدراسات السودانية ومجلة كتابات سودانية جانباً أساسياً من إرثه؛ إذ نقلا الثقافة من نشاط موسمي إلى عمل مؤسسي متواصل. وتبقى رسالته الأهم أن بناء الدولة لا يكتمل بإعادة المؤسسات السياسية والاقتصادية وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى الجامعة والمكتبة والمسرح والصحافة ومراكز البحث وكل المساحات التي تمنح المجتمع قدرته على التفكير والإبداع.
رحل حيدر إبراهيم علي، لكن سيرته بقيت جزءاً من تاريخ الثقافة السودانية الحديثة؛ سيرة رجل وضع قضايا بلاده في قلب مشروعه، وتعامل مع الثقافة باعتبارها شأناً عاماً يمس حياة الناس ومستقبل الدولة.
وفي بلد أنهكته الحرب والانقسامات، تبدو استعادة الحياة الثقافية ضرورة لا تقل أهمية عن إعادة بناء المؤسسات. لذلك لا يكون الوفاء لحيدر بكثرة المراثي، بل بإعادة الاعتبار إلى الكتاب والجامعة والمكتبة والمركز الثقافي والبحث الاجتماعي ومنح الأجيال الجديدة فرصة مواصلة ما بدأه السابقون.
رحم الله حيدر إبراهيم علي، فقد رحل الرجل، وبقي أثر تجربة ثقافية كاملة في ذاكرة السودان.




