حامد علي نور ومسيرة سودانى من الفاشر إلى الدرسة والعلوم فى بلغاريا

كلام الوطن عن ذاكرة رجال
حامد علي نور ومسيرة سودانى من الفاشر إلى الدرسة والعلوم فى بلغاريا
م. عبد الله موسى أحمد – باحث
ليست كل الشهادات على التاريخ متساوية. فهناك من يقرأ التاريخ من الكتب وهناك من يعيشه في الشارع والجامعة والاختلاط مع مجتمعات جديدة، ويحمله معه عقوداً طويلة حتى يكون جزءاً من تكوينه الشخصي. وحديث مثل هذا الإنسان عن وطنه، فإن حديثه لا يكون مجرد استعادة للذكريات، لكن محاولة لفهم كيف وصل الوطن إلى ما هو عليه.
من هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة الأستاذ حامد علي نور، الرجل الذي حملت مسيرته ملامح سودان كامل والفاشر التي صنعت بدايات الوعي فية وجامعة الخرطوم التي فتحت أبواب السياسة، وبلغاريا التي وسعت أفق المعرفة، ثم سنوات العمل العام التي جعلت منه شاهداً ومشاركاً في قضايا السودان الاجتماعية والسياسية والفكرية والثقافية.
وقد تكون شهادتي عنه مجروحة، فقد لازمت الأستاذ حامد أكثر من عقدين، وتعلمت منه الكثير في الحياة العامة والسياسة والمجتمع والفكر والثقافة. لكن الإنصاف يقتضي القول إن قيمة تجربته لا تكمن في علاقتي الشخصية به وحدها وإنما في ذلك المخزون المعرفي والإنساني الذي ظل يتيحه لمن حوله، وفي طريقته المختلفة في النظر إلى قضايا الوطن.
كان بيننا أشبه بموسوعة مفتوحة، ومكتبة حية لا تحتفظ بالمعرفة لنفسها، بل تدفع الآخرين إلى البحث والقراءة والسؤال. وكان يحثنا، نحن والأجيال الأصغر منا، على قراءة الكتب الفكرية، وعلى التعامل مع قضايا الدين والمجتمع والسياسة باعتبارها موضوعات تحتاج إلى الفهم والنقد، لا إلى التلقين والتعصب.
من الفاشر بدأت الحكاية، الفاشر بالنسبة إلى حامد علي نور ليست مجرد مكان للولادة والنشأة، لكنها هي الجذر الأولى لشخصيته ووعيه.
في تلك المدينة، التي تختزن تاريخ دارفور وتنوعها الاجتماعي والثقافي، تشكلت ملامح وعيه المبكر. ومنها خرج إلى فضاء أوسع، حاملاً معه أسئلة المكان والهامش والعلاقة بين المركز والأطراف، وهي أسئلة ظلت ترافقه في مراحل حياته المختلفة.
ولعل أهمية الفاشر في تجربته أنها جعلته يرى السودان من زاوية مختلفة عن تلك التي كانت تفرضها الخرطوم باعتبارها مركز الدولة والسياسة. فالسودان، في نظر أبناء الأقاليم، ليس هو العاصمة وحدها، ولا يمكن اختزال تاريخه في ما يحدث داخل مؤسسات الحكم أو النخب السياسية.
وهنا تبدأ واحدة من أهم القضايا التي تثيرها تجربته هى هل عرف السودانيون وطنهم كله، أم ظل كل إقليم يرى السودان من نافذته الخاصة؟
الجامعة والسياسة عندما يصبح الوعي امتحاناً، عندما التحق بجامعة الخرطوم عام 1968، كانت الجامعة واحدة من أهم مسارح الصراع الفكري والسياسي في السودان. وبعد عام واحد فقط جاء انقلاب مايو 1969، لتدخل البلاد مرحلة جديدة من تاريخها المضطرب.
في ذلك المناخ، وجد الشاب نفسه منخرطاً في العمل السياسي والنشاط العام. ولم يكن ذلك النشاط مجرد انتماء تنظيمي، بل تجربة عملية أعادت تشكيل رؤيته للحياة والمجتمع والدولة.
لكن السياسة جاءت بثمنها الأكاديمي. فقد أدى انخراطه الواسع في النشاط السياسي إلى تراجع تحصيله، ثم نشأ الصدام الذي انتهى بفصله من الجامعة.
قد تبدو تلك الحادثة في ظاهرها خسارة أكاديمية، لكنها تحولت في مسار حياته إلى باب آخر للمعرفة والتجربة.
بلغاريا البلد الذي تحول إلى جامعة أخرى، جاءت المنحة الدراسية إلى بلغاريا لتفتح أمامه طريقاً جديداً. هناك درس اقتصاديات النقل والمواصلات، في تخصص نادر في ذلك الوقت وأصبح واحداً من القلائل الذين حملوا هذا التخصص إلى السودان. لكن الأهم من الشهادة كان الاحتكاك بمجتمع مختلف.
في بلغاريا وجد نفسه داخل مجتمع اشتراكي، وبين طلاب وفلاحين وبيئة اجتماعية وثقافية مختلفة عن السودان. وكان وسط مئات الطلاب السودانيين تقريباً، لكنه ظل ابن دارفور الوحيد بينهم، حتى ارتبط به لقب حامد الغرّباوي.
تلك التجربة لم تمنحه معرفة تخصصية فحسب، لكن ساعدته على اكتشاف السودان من خارجه.
فالإنسان لا يرى وطنه أحياناً بوضوح إلا عندما يبتعد عنه. وعندما يقارن المجتمع الذي خرج منه بمجتمع آخر، تبدأ الأسئلة الكبرى لماذا تتقدم مجتمعات وتتأخر أخرى؟ لماذا تفشل الدولة في إدارة التنوع؟ ولماذا تتحول الاختلافات الطبيعية بين الناس إلى صراعات سياسية؟
المعرفة عنده ليست ترفاً، ربما كان أكثر ما ترك أثراً فينا، نحن الذين اقتربنا منه طريقته في التعامل مع المعرفة. كان يحثنا على القراءة ولا سيما الكتب الفكرية. وكان من الأسماء الكتب التي شجعنا على قراءتها منهم محمد شحرور وسيد محمود القمنى ومحمد اركون الجزائرى وغيرهما من المفكرين، مع التأكيد على أن القضايا الإسلامية يمكن تناولها بالعقل والتحليل والفهم الاجتماعي والفكري، بعيداً عن الجمود الذي يحول الدين إلى شعارات مغلقة. وكانت هذه الطريقة في التفكير جزءاً من شخصيته العامة لا تقبل الفكرة لأنها شائعة، ولا ترفضها لأنها مختلفة، اقرأ أولاً ثم ناقش ثم كوّن موقفك.
وهذه قيمة نحتاج إليها بشدة في السودان اليوم، حيث أصبح الاختلاف الفكري والسياسي في كثير من الأحيان سبباً للقطيعة، بدلاً من أن يكون وسيلة لتوسيع المعرفة.
من نقد النخبة إلى سؤال الدولة، في رؤيته للسودان، انه يضع مسؤولية كبيرة على النخبة التي أدارت البلاد منذ الاستقلال. وهو نقد يمكن الاختلاف معه في بعض تفاصيله، لكنه يطرح سؤالاً لا يمكننا تجاهله الا هو لماذا عجزت الدولة السودانية طوال عقود الاستقلال عن بناء وتاسيس وجدان وطني يتجاوز الانتماءات الأولية؟ فالسودان لم يكن فقيراً في الموارد البشرية أو الطبيعية ولم يكن خالياً من المتعلمين والمثقفين والسياسيين. لكن المشكلة ظلت في القدرة على تحويل هذا التنوع إلى مشروع وطني مشترك.
ومن هنا يأتي نقده لما يسميه دولة 56، أي الدولة التي نشأت بعد الاستقلال ولم تستطع في تقديره، أن تؤسس وجداناً وطنياً جامعاً يعترف بكل السودانيين على قدم المساواة.
قد يختلف الناس حول هذا التوصيف، لكن الوقائع التي عاشها السودان تجعل السؤال مشروعاً لماذا ظلت الدولة تعيد إنتاج أزماتها نفسها؟ ولماذا بقيت مناطق واسعة من البلاد تشعر بأنها خارج دائرة الاهتمام السياسي والاقتصادي؟
فالهامش ليس جغرافيا فقط، من أهم ما يميز تجربته أنه لم يتعامل مع قضية الهامش بوصفها قضية جغرافية تخص دارفور أو الشرق أو جبال النوبة أو النيل الأزرق وحدها. كان يرى أن الهامش مفهوم سياسي واجتماعي يتعلق بطريقة توزيع السلطة والثروة والفرص والاعتراف بالاخر.
ومن هنا جاءت علاقته الواسعة بالمنظمات السياسية والاجتماعية والمدنية والثقافية. لم يكن يرى أن الاختلاف التنظيمي يجب أن يتحول إلى خصومة شخصية، ولا أن الانتماء الإثني يمكن أن يكون أساساً لبناء دولة. لكن كان، في ممارسته اليومية، أقرب إلى تقريب المسافات بين المختلفين، وإتاحة المعرفة لمن يطلبها، ومد الجسور بين الناس مهما اختلفت مواقعهم. وهذه ربما واحدة من أهم سمات تجربته وهى الانحياز إلى الإنسان قبل التنظيم، وإلى الوطن قبل الجماعة.
دارفور حين يصبح التاريخ حاضراً، لا يمكن قراءة تجربته من دون التوقف عند دارفور.
فدارفور بالنسبة إليه ليست عنواناً سياسياً طارئاً، وإنما تاريخ طويل من العلاقات الاجتماعية والتجارة والهجرة والتداخل القبلي والثقافي. لكن هذا التاريخ تعرض، في مراحل مختلفة لتدخلات سياسية وعسكرية عميقة، أسهمت في تحويل بعض الاختلافات الاجتماعية إلى صراعات دامية. ومن هنا تأتي نظرته إلى قضية الرق وتبعاته الاجتماعية وإلى التغيرات الديموغرافية وتسليح القبائل وتطور ظاهرة الجنجويد سابقا وما تبع ذلك من جرائم وانتهاكات واسعة.
وحتى عندما يتحدث عن الحرب الراهنة، فإنه لا يراها حادثاً منفصلاً عن الماضي، لكن امتداداً لتراكمات لم تعالج في وقتها.
وهنا تكمن أهمية شهادته عن الحرب في نظره، ليست فقط مواجهة عسكرية بين أطراف متحاربة وإنما نتيجة تاريخ طويل من الاختلالات السياسية والاجتماعية.
الإسلاميون قراءة في تجربة سياسية، ينظر ته اليهم بحدة، وإلى تجربة الإسلاميين في الحكم ويحملها مسؤولية كبيرة عن الفساد والعنف وتفكيك الدولة وإضعاف النسيج الاجتماعي.
قد تكون بعض أحكامه محل نقاش، شأنها شأن أي قراءة سياسية لكن التجربة السودانية نفسها تستحق مراجعة جادة، لا دفاعاً أعمى ولا إدانة انفعالية.
فالبلاد تحتاج إلى أن تسأل عن ماذا حدث للدولة خلال سنوات الحكم الطويل؟ كيف تغيرت مؤسساتها؟ ماذا حدث للخدمة المدنية؟ وكيف أثرت الأيديولوجيا السياسية في المجتمع والدولة؟
هذه الأسئلة لا تخص الإسلاميين وحدهم، إنها تخص السودان كله، لأن أخطاء أي تيار سياسي عندما يتحول إلى سلطة تصبح جزءاً من تاريخ الدولة، ويصبح تقييمها واجباً وطنياً.
الهوية السودان أكبر من الثنائية، من القضايا التي ظلت حاضرة في فكره مسألة الهوية.
فالسودان لا يمكن اختزاله في ثنائية عربي أم أفريقي. هذه الثنائية في حد ذاتها تبدو أضيق من الواقع السوداني. السودانيون يحملون تاريخاً مركباً من الثقافات واللغات والهجرات والممالك القديمة والإسلام والتصوف والعروبة والأفريقية والتقاليد المحلية. وهذه العناصر لم تعش منفصلة، لكنها تداخلت عبر قرون.
المشكلة لم تكن في وجود هذه المكونات وإنما في تحويل بعضها إلى أدوات للهيمنة السياسية أو الإقصاء الاجتماعي.
ولهذا فإن مشروع الدولة الحديثة لا ينبغي أن يطلب من السوداني أن يتخلى عن جزء من هويته حتى يصبح مواطناً كاملاً، بل عليه أن يبني دولة تتسع لكل هذه الهويات من دون أن تجعل أياً منها معياراً للمواطنة.
السلام يبدأ من الاعتراف، في النهاية تقودنا تجربته إلى قضية السلام. فالسلام ليس مجرد اتفاق توقعه البنادق المتحاربة ولا مؤتمر سياسي يجلس حوله قادة الفصائل والأحزاب. السلام الحقيقي يبدأ عندما يعترف السودانيون بأن ما حدث لم يكن وليد اللحظة. هناك مظالم قديمة ومناطق مهمشة وذاكرة مثقلة بالعنف وثقة مفقودة بين الدولة والمجتمع.
ولذلك فإن وقف الحرب ضرورة عاجلة، لكنه ليس كافياً وحده. المطلوب بعد إسكات السلاح هو بناء دولة جديدة على أساس المواطنة والعدالة وسيادة القانون، مع مراجعة عميقة للعلاقة بين المركز والأقاليم وإعادة بناء المؤسسات وفتح المجال أمام حوار سوداني واسع لا يحتكر فيه طرف الحديث باسم الوطن.
رجل واحد وذاكرة وطن، بعد أكثر من عقدين من معرفتي به، أستطيع أن أقول إنني لم أتعلم منه موقفاً سياسياً بعينه بقدر ما تعلمت منه طريقة التفكير. تعلمت أن السياسة ليست شعارات وأن الوطنية ليست هتافاً وأن المعرفة لا قيمة لها إذا بقيت حبيسة صاحبها وأن الاختلاف لا ينبغي أن يفسد العلاقات الإنسانية.
رأيته قريباً من الناس، شغوفاً بالمبادرة، مستعداً لتقديم العون للمنظمات السياسية والمدنية والاجتماعية والثقافية، ومؤمناً بأن المعرفة يجب أن تكون متاحة لأبناء السودان جميعاً.
ولهذا فإن الحديث عنه لا ينبغي أن يتحول إلى سيرة تمجيد لشخص، وإنما إلى مناسبة لقراءة تجربة جيل كامل عاش تقلبات السودان، من الاستقلال إلى الانقلابات، ومن صراعات المركز والهامش إلى الحروب، ومن الأحلام الكبيرة إلى خيبات الواقع.
قد نختلف معه في بعض قراءاته للتاريخ والسياسة، وقد نتفق معه في بعضها الآخر. لكن الأهم أن نسمح للشهادة بأن تؤدي وظيفتها أن تفتح باب السؤال. والسودان اليوم لا يحتاج فقط إلى من يملك الإجابات، بل إلى من يجرؤ على طرح الأسئلة الصحيحة.
السؤال الذي يتركه حامد وراءه ليس هو من كان على حق اومن كان على خطأ؟
لكن كيف نبني وطناً لا يحتاج فيه السوداني إلى أن يكون من المركز أو الهامش، عربياً أو أفريقياً، شمالياً أو غربياً، إسلامياً أو علمانياً، حتى يشعر أن الدولة دولته؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي الذي فشلنا فيه طوال عقود. وربما تكون الحرب الحالية بكل مآسيها، قد وضعت السودان أمام مرآته الأخيرة إما أن نعيد إنتاج الماضي بكل انقساماته، أو نتعلم أخيراً أن الوطن لا يبنى بانتصار جماعة على أخرى وإنما باتفاق الجميع على دولة تتسع للجميع.
وهنا تصبح سيرة رجل مثله أكثر من سيرة شخصية، تصبح جزءاً من الذاكرة السودانية نفسها، وشهادة على جيل ظل يبحث رغم الخيبات عن السودان الذي لم يكتمل بعد.
فالوطن لا يحتاج إلى صوت واحد يتحدث باسمه، لكنه يحتاج إلى آلاف الأصوات المختلفة التي تتفق على شيء واحد أن السودان ملك لجميع أبنائه.



