ما بعد 15 أبريل هل تبدأ البراغماتية عصراً جديداً في السياسة السودانية؟

ما بعد 15 أبريل هل تبدأ البراغماتية عصراً جديداً في السياسة السودانية؟
ويمكن أن تصبح بداية لفصل جديد من السياسة السودانية.
مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م. عبدالله موسى أحمد – باحث
كانت السياسة السودانية، لعقود طويلة، أسيرة الشعارات والأيديولوجيات والاستقطاب الحاد. بينما ظلت المسافة واسعة بين ما تقوله الأحزاب والقوى السياسية وما تستطيع فعله على أرض الواقع. ولذلك جاءت حرب 15 أبريل 2023 لتكشف بصورة قاسية، أن أزمة السودان لم تكن مجرد خلاف بين قوى سياسية أو عسكرية وإنما أزمة أعمق تتصل ببنية الدولة وطبيعة النخب وضعف المؤسسات واختلال توزيع السلطة والثروة وعجز القوى السياسية عن بناء مشروع وطني جامع.
ومن هنا تبرز أهمية البراغماتية السياسية وهي في أصلها مشتقة من الكلمة اليونانية براغما، أي العمل والفعل. وتقوم فكرتها الأساسية على أن قيمة الأفكار والسياسات تُختبر بقدرتها على تحقيق نتائج عملية. فالسياسي البراغماتي لا يتمسك بوسيلة لمجرد أنها تنسجم مع موقف أيديولوجي سابق، وإنما يسأل هل تحقق هذه الوسيلة الهدف الذي نريده أم لا؟
لكن البراغماتية لا تعني الانتهازية ولا تعني بيع المبادئ أو تبديل المواقف من أجل المصلحة الشخصية. فالانتهازي يغير موقفه بحثاً عن مكسبه، بينما البراغماتي الحقيقي يغير الوسيلة عندما يكتشف أنها لا تحقق الهدف، مع الحفاظ على المبادئ والغايات الكبرى. وهذا التمييز مهم جداً في الحالة السودانية.
حرب 15 أبريل واختبار الواقع قبل الحرب، كانت القوى السياسية تتحدث كثيراً عن الديمقراطية والدولة المدنية والسلام والعدالة، لكن الواقع كشف ضعفاً كبيراً في تحويل هذه الشعارات إلى مؤسسات وسياسات وبرامج قابلة للتنفيذ.
وجاءت الحرب لتضع الجميع أمام سؤال مختلف ماذا نستطيع أن نفعل؟
فالمواطن الذي فقد منزله أو عمله أو أمنه لا تكفيه الخطب السياسية. والذي نزح من مدينته لا يريد سماع شعارات جديدة، بل يريد أن يعرف متى يعود إلى بيته وكيف يعيش وكيف يتعلم أبناؤه وكيف يحصل على العلاج والعمل والأمان.
وهنا أصبحت السياسة مطالبة بالانتقال من لغة الشعارات إلى لغة النتائج.
الأحزاب أمام امتحان تاريخي، الحرب كشفت أيضاً أن الشرعية التاريخية وحدها لم تعد كافية. فالحزب الذي يمتلك تاريخاً طويلاً أو الحركة التي تمتلك رصيداً نضالياً أو التيار الذي يرفع شعاراً جذاباً، سيُسأل جميعاً عن برنامجهم للمستقبل.
لم يعد المواطن يريد أن يعرف فقط من كان على حق في الماضي بل يريد أن يعرف ماذا سيحدث غداً؟ وكيف ستُبنى الدولة؟
كيف سيُعاد الاقتصاد؟ وكيف ستُنظم العلاقة بين المدني والعسكري؟ وكيف ستُعالج قضية المركز والهامش؟ وكيف ستُحقق العدالة؟ وكيف يمكن منع تكرار الحرب؟ وهذه الأسئلة لا تجيب عنها الشعارات وإنما تحتاج إلى برامج ومؤسسات وكفاءات وقدرة على التنفيذ.
من الصراع الأيديولوجي إلى المصلحة الوطنية، لا يعني ذلك أن السودان يجب أن يتخلى عن الفكر أو المبادئ. فالدولة تحتاج إلى قيم والمجتمع يحتاج إلى مشروع والسياسة تحتاج إلى رؤية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأيديولوجيا إلى قيد يمنع صاحبها من رؤية الواقع.
فالسودان بلد شديد التنوع ولا يمكن إدارته بعقلية اللون الواحد أو الحزب الواحد أو الرؤية الواحدة. ولذلك فإن السياسة الجديدة يجب أن تنتقل من سؤال من معنا ومن ضدنا؟ إلى سؤال أكثر نضجاً ما الذي يجمعنا؟ وكيف نستطيع أن نعيش ونعمل معاً رغم اختلافاتنا؟
وهنا تصبح البراغماتية الوطنية ضرورة لأنها تسمح للقوى المختلفة بالحوار والتفاوض والتحالف حول المصالح المشتركةةدون أن يعني ذلك ذوبان كل طرف في الآخر.
هل تعني البراغماتية التخلي عن المبادئ؟
بالعكس السياسة الناضجة هي التي تميز بين المبدأ والوسيلة. فالسلام مبدأ لكن طرق الوصول إليه متعددة. والديمقراطية مبدأ لكن بناءها يحتاج إلى مؤسسات وقوانين وثقافة سياسية. والعدالة مبدأ لكنها تحتاج إلى قضاء مستقل وآليات واضحة. والدولة المدنية مبدأ لكنها لا يمكن أن تقوم من دون اقتصاد ومؤسسات وأجهزة دولة مهنية.
لذلك، فإن الخطأ ليس في التمسك بالمبادئ وإنما في الإصرار على وسيلة فاشلة فقط لأنها أصبحت جزءاً من الخطاب السياسي.
15 أبريل هو فاصل تاريخي أم مجرد صفحة جديدة من الحرب؟ قد تكون 15 أبريل لحظة فاصلة في تاريخ السودان لكنها لن تصبح كذلك بمجرد وقوع الحرب.
الفاصل التاريخي الحقيقي هو ما ينتج عنها من تحول في الوعي والممارسة.
إذا انتهت الحرب وعادت الأحزاب إلى الأساليب القديمة نفسها وإلى الصراع على السلطة والتخوين والاستقطاب والزعامة الفردية والشعارات الكبيرة والبرامج الضعيفة، فإن 15 أبريل ستصبح مجرد حلقة أخرى في سلسلة أزمات السودان.
أما إذا أنتجت الحرب مراجعة حقيقية للسياسة وأفرزت جيلاً جديداً من السياسيين وأعادت الاعتبار للمؤسسات ودفعت الأحزاب إلى الديمقراطية الداخلية والبرامج الواقعية والتعاون الوطني، فإن 15 أبريل يمكن أن تصبح بالفعل بداية عصر سياسي جديد.
السياسة التي يحتاج إليها السودان اليوم، يحتاج إلى خمسة تحولات أساسية
أولاً الانتقال من سياسة الأشخاص إلى سياسة المؤسسات.
ثانياً الانتقال من الشعارات إلى البرامج القابلة للتنفيذ.
ثالثاً الانتقال من الاستقطاب والتخوين إلى الحوار والتوافق.
رابعاً معالجة جذور التهميش وعدم العدالة في توزيع السلطة والثروة.
خامساً بناء براغماتية وطنية تجعل المصلحة العامة معياراً للموقف السياسي، لا المصلحة الحزبية أو الشخصية. وهذا لا يعني إلغاء الاختلاف السياسي، فالديمقراطية لا تقوم من دون اختلاف. لكنها تقوم على إدارة الاختلاف بطريقة سلمية وعلى قبول الآخر وعلى الاحتكام إلى المؤسسات والقانون.
المواطن هو الحكم، ربما يكون المواطن السوداني هو أكبر قوة يمكن أن تدفع السياسة إلى هذا التحول. فالحرب جعلت المواطن أكثر وعياً بكلفة الصراع السياسي عندما يتحول إلى صراع على الدولة نفسها. ولهذا لن يكون السؤال في المرحلة المقبلة من صاحب الخطاب الأفضل؟، بل من يستطيع أن ينجز؟ لن تكون قيمة الحزب في عدد بياناته وإنما في برنامجه. ولن تكون قيمة الزعيم في طول بقائه وإنما في قدرته على بناء المؤسسات وإعداد جيل جديد. ولن تكون الوطنية في الكلمات الكبيرة وإنما في حماية الدولة والمجتمع والإنسان.
فالسودان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من السياسيين بقدر ما يحتاج إلى سياسة أفضل. سياسة تعرف أن الدولة أهم من الحزب وأن المواطن أهم من الزعيم وأن المؤسسة أبقى من الفرد وأن الحوار أفضل من التخوين وأن النتيجة العملية أهم من جمال الشعار.
وإذا كان السودان قد دفع ثمناً باهظاً بسبب صراعات السياسية فإن أقل ما يمكن أن يخرج به من هذه المأساة هو أن يتعلم كيف يدير اختلافاته دون أن يحولها إلى حرب.
لذلك، فإن البراغماتية التي يحتاج إليها السودان ليست براغماتية الانتهازية والمساومة على المبادئ وإنما براغماتية وطنية تربط المبادئ بالواقع والأهداف بالوسائل والسياسة بالإنجاز.
وقد تكون حرب 15 أبريل هي اللحظة التي دفعت السودانيين إلى إدراك هذه الحقيقة القاسية. لا يكفي أن تكون على حق في السياسة، المهم أن تعرف كيف تحول ما تؤمن به إلى دولة يستفيد منها الناس.
فإذا نجح السودانيون في تحويل مأساة الحرب إلى مراجعة عميقة لطريقة التفكير والممارسة السياسية، فإن 15 أبريل لن يكون مجرد تاريخ اندلاع حرب، بل يمكن أن يصبح بداية لفصل جديد من السياسة السودانية، فصل تتراجع فيه سلطة الشعارات وتتقدم فيه سلطة العقل والمؤسسة والبرنامج والمصلحة الوطنية.




