احتفال الولايات المتحدة بمرور ربع ألفية على استقلالها (٢-٢)

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
م.عبدالله موسى احمد- باحث
من الحلم الأمريكي إلى قلق القوة وعلى امتداد القرن العشرين شكّل الحلم الأمريكي أحد أكثر الأفكار تأثيرًا في العالم. فقد آمن ملايين البشر بأن الولايات المتحدة هي الأرض التي يستطيع فيها الإنسان بغض النظر عن أصله أو طبقته الاجتماعية أن يصنع مستقبله بالعلم والعمل والاجتهاد.
ولم يكن هذا الحلم مجرد شعار سياسي . لكنه أصبح أحد أهم مصادر القوة الناعمة الأمريكية. ولكن هذا الحلم يواجه اليوم اختبارات غير مسبوقة. فارتفاع تكاليف التعليم والرعاية الصحية والإسكان واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء وتصاعد الاستقطاب السياسي والثقافي كلها عوامل دفعت كثيرًا من الباحثين إلى التساؤل هل ما يزال الحلم الأمريكي قادرًا على استعادة زخمه أم أنه بدأ يفقد بريقه؟
ويذهب عالم الاجتماع الأمريكي روبرت بوتنام في كتابه اطفالك إلى أن اتساع فجوة الفرص بين الطبقات الاجتماعية يهدد أحد أهم المبادئ التي قامت عليها الولايات المتحدة وهو تكافؤ الفرص لأن المجتمع الذي تتحدد فيه فرص النجاح بمكان الميلاد ومستوى دخل الأسرة يفقد تدريجيًا أحد أهم مصادر شرعيته الأخلاقية.
وهنا هل صعود الشعبوية تعتبر أزمة قيادة أم أزمة مجتمع؟
لم تكن ظاهرة دونالد ترامب سببًا للأزمة الأمريكية بقدر ما كانت في نظر عدد من الباحثين نتيجة لتحولات اقتصادية وثقافية تراكمت لعقود. فقد أدت العولمة إلى انتقال ملايين الوظائف الصناعية إلى الخارج وبينما ولدت الثورة الرقمية طبقة اقتصادية جديدة تتركز فيها الثروة بصورة غير مسبوقة.
ويرى المفكر البريطاني ديفيد غودهارت أن الانقسام في المجتمعات الغربية لم يعد بين اليمين واليسار فقط وإنما بين من يستفيدون من العولمة والانفتاح ومن يشعرون بأنهم تُركوا خارج مسار التنمية. ومن هنا برزت الشعبوية بوصفها تعبيرًا عن احتجاج اجتماعي وثقافي أكثر من كونها مجرد برنامج سياسي.
وفي المقابل يحذر الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس من أن الديمقراطية لا يمكن أن تستمر إذا فقد الفضاء العام قدرته على إنتاج حوار عقلاني قائم على الحقائق لأن انتشار المعلومات المضللة والخطابات الانفعالية يضعف قدرة المواطنين على اتخاذ قرارات واعية.
هل الذكاء الاصطناعي يمثل الثورة التي قد تعيد تعريف الإنسان؟
إذا كانت الثورة الصناعية قد غيرت علاقة الإنسان بالآلة. فإن ثورة الذكاء الاصطناعي قد تغير علاقة الإنسان بالعقل نفسه. فلم يعد السؤال ماذا تستطيع الآلة أن تفعل؟ لكن أصبح ما الذي سيبقى حكرًا على الإنسان؟
ولهذا تتنافس الدول الكبرى على امتلاك البنية التحتية للذكاء الاصطناعي إدراكًا منها أن القيادة في هذا المجال ستحدد موازين القوة الاقتصادية والعسكرية والعلمية خلال العقود المقبلة.
غير أن هذه الثورة تحمل في الوقت نفسه تحديات أخلاقية عميقة تتعلق بالخصوصية وفرص العمل والانحياز الخوارزمي والسيطرة على البيانات واحتمال استخدام الذكاء الاصطناعي في مراقبة المجتمعات أو توجيه الرأي العام أو تطوير أسلحة ذاتية التشغيل.
ولذلك لم يعد النقاش حول الذكاء الاصطناعي نقاشًا تقنيًا فحسب بل أصبح نقاشًا فلسفيًا يتعلق بمستقبل الحرية الإنسانية نفسه.
هل يتجه العالم إلى نظام جديد؟
تتزامن هذه التحولات مع تغيرات جيوسياسية واسعة. فالنظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية يتعرض لضغوط متزايدة نتيجة صعود قوى اقتصادية جديدة وتراجع الإجماع الغربي وتعدد بؤر الصراع وعودة المنافسة بين القوى الكبرى.
ولم تعد الحروب تُخاض بالسلاح التقليدي وحده لكنها أصبحت تشمل الفضاء السيبراني والاقتصاد، والطاقة وسلاسل الإمداد والعملات والبيانات والإعلام والذكاء الاصطناعي.
إنها حروب على النفوذ قبل أن تكون حروبًا على الأرض وعلى المعرفة قبل أن تكون حروبًا على الموارد.
ربع ألفية تعتبر لحظة مراجعة لا لحظة احتفال
ربما يكون السؤال الحقيقي الذي تطرحه الذكرى المائتان والخمسون لاستقلال الولايات المتحدة هو هل تستطيع الديمقراطية الأمريكية أن تجدد نفسها كما فعلت في محطات تاريخية سابقة؟
لقد تجاوزت الولايات المتحدة الحرب الأهلية والكساد العظيم والحربين العالميتين وأزمات سياسية واقتصادية عديدة لأنها كانت تمتلك مؤسسات قادرة على التصحيح الذاتي.
أما اليوم فإن التحدي يبدو أكثر تعقيدًا لأنه لا يتعلق بأزمة اقتصادية أو صراع عسكري فحسب بل بتحول شامل في طبيعة السلطة وفي مفهوم الدولة وفي العلاقة بين المواطن والتكنولوجيا وبين السياسة ورأس المال.
ولهذا فإن احتفال واشنطن بربع ألفية الاستقلال لن يكون مجرد احتفال بتاريخ مضى بل استفتاءً مفتوحًا على المستقبل.
وسيظل السؤال حاضرًا أمام الأمريكيين والعالم بأسره هل ستقود الولايات المتحدة ثورة ديمقراطية جديدة تتكيف مع العصر الرقمي أم ستدخل مرحلة يصبح فيها النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي أكثر تأثيرًا من المؤسسات السياسية التقليدية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل الولايات المتحدة وحدها بل قد تحدد أيضًا شكل النظام العالمي خلال العقود المقبلة في زمن تتداخل فيه السياسة مع التكنولوجيا والاقتصاد مع الأمن والإعلام مع الذكاء الاصطناعي بصورة لم يعرفها التاريخ من قبل.




