نقد الفضاء المدني! من الخائن؟

نقد الفضاء المدني! من الخائن؟
كتب | منذر مصطفي
مع دخول الحرب في البلاد عامها الـ4، يصبح من الضروري تجاوز التوصيفات الأخلاقية المباشرة نحو تحليل البُنى التي تنتج العنف وتعيد إنتاجه.. فالحرب الدائرة منذ 15 أبريل 2023 تحولت لـ نظام متكامل لإدارة الإدراك العام، حيث يُعاد تشكيل الوعي الجمعي عبر خطاب يقوم على التخوين والاستقطاب كـ أداة وظيفية ضمن منظومة أوسع تسعى لـ التحكم في المجال السياسي وإعادة تعريف حدود المقبول والمرفوض داخله.
تُنتج أطراف الصراع سردية مبسطة تقوم على ثنائية: “معنا أو ضدنا”، وهذه الثنائية ليس بالضرورة توصيف لـ الواقع، فهي تُقصي طيفاً واسعاً من الفاعلين – خاصة مجموعات النساء والشباب – عبر نزع الشرعية عن أي موقع لا يندرج ضمن معسكري الحرب لـ إعادة هندسة للمجال السياسي بحيث يصبح الانخراط في أحد معسكري القوة المسلحة هو الخيار الوحيد المتاح للتمثيل.
رغم الخطاب الذي يقدّم الحرب كصراع بين قوى متعارضة، فإن قراءة أكثر تدقيقاً تكشف عن استمرارية بنيوية.. فالأطراف الرئيسية في النزاع ترتبط، بدرجات متفاوتة، بالبنية السلطوية التي تشكلت منذ 1989، والتي قامت على دمج العنف بالمؤسسة السياسية، وبالتالي، فإن ما يبدو كصراع هو، في أحد أبعاده، إعادة توزيع للقوة داخل نفس الإطار، لا خروجاً عليه.
خطاب الكراهية والتخوين لا يعمل فقط على مستوى النخب، بل يمتد لـ القاعدة الاجتماعية عبر آليات متعددة: الخوف، الحاجة الاقتصادية، والانتماءات المحلية، وقدم لنا الباحثان باول كوليير وأنكه هوفلر في دراستهما الموسومة بـ الجشع والمظلمة في الحرب الأهلية، المنشورة في مجلة أوراق أكسفورد الاقتصادية 2005، خلاصة مهمة: الانخراط في الحرب لا يعكس دائماً اقتناعاً أيديولوجياً، بل كثيراً ما يكون نتيجة لضغوط بنيوية تحدّ من الخيارات المتاحة للأفراد، وبهذا المعنى، فإن ما يُقدَّم كـ”تعبئة شعبية” هو في جزء منه عملية إنتاج للامتثال تحت شروط قسرية.
استخدام تهمة “الخيانة” يتجاوز كونه أداة خطابية؛ إنه آلية لإغلاق المجال السياسي، أي محاولة لطرح بدائل -خصوصاً تلك التي تدعو لـ إنهاء الحرب – تُواجَه بنزع الشرعية، ما يسمح بإبقاء المجال العام محصوراً بين خيارات محددة سلفاً، وهذا الإغلاق لا يخدم فقط أطراف الصراع المباشرة، بل يتقاطع مع مصالح قوى إقليمية ودولية تستفيد من استمرار حالة السيولة وعدم الاستقرار.
السؤال “من الخائن؟” يفترض إطاراً مفاهيمياً صُمم أصلاً لخدمة منطق الحرب، والأجدى هو مساءلة هذا الإطار نفسه: من يملك سلطة تعريف الخيانة؟ ولأي غرض؟، وإعادة فتح المجال السياسي تتطلب استعادة المساحات التي تم إلغاؤها قسراً: مساحات العمل المدني، والتنظيم المجتمعي، والخطاب الذي يرفض الانخراط في ثنائيات الحرب.. دون ذلك، ستظل الخيارات المتاحة محكومة بالبنية ذاتها التي أنتجت الصراع.
ولكن افتراض أن البنية التي أنتجت الصراع هي وحدها المستفيدة من تقييد الفضاء المدني يظل افتراضاً ناقصاً، فهو يُغفل واقع الانقسام السياسي الراهن، بما في ذلك داخل الكتلة التي قادت الثورة والمرحلة الانتقالية، وهذا الانقسام تحول من اختلاف في التقدير السياسي لـ إعادة إنتاج لآليات الإقصاء ذاتها التي يُفترض أنه يعارضها في بعض حالاته.
في هذا السياق، يمكن قراءة ما حدث خلال موكب التضامن مع نساء السودان في معسكر كرياندنغو بجمهورية يوغندا – الذي دعا إليه ونظمه برلمان الشباب-السودان -بوصفه مؤشراً دالاً، لا حادثة معزولة، فقد كشف الحدث عن نمط من الاستقطاب “المدني” الذي يتحرك، وظيفياً، في اتجاه موازٍ لسردية الحرب: تضييق المجال، نزع الشرعية، وإعادة تعريف من يملك حق التمثيل.
هذا النمط وإن كان مفزعاً، لا يتطابق بالطبع مع خطاب أطراف النزاع من حيث اللغة أو المبررات، لكنه يتقاطع معه في النتائج، فالخلاف كان في جوهره حول من يحق له احتكار الحديث باسم الضحايا، ومن يملك تعريف الأولويات، ومن يُقصى باعتباره “غير ممثل” أو “غير منسجم” مع الخط العام.
بعبارة أخرى، ما شهدناه في معسكر كرياندنغو مثال صارخ لنجاح توطين خطاب ميدان الحرب بالفضاء المدني، وداخل معظم شبكات الفاعلين المدنيين في سياقات اللجوء حيث تتكثف الضغوط وتضعف الضوابط المؤسسية.
هذه الحادثة تمظهر صارخ لحالة أوسع داخل قطاعات معتبرة من التفاعلات السياسية المدنية في مناطق اللجوء، فقد تأثرت هذه التفاعلات، بدرجات متفاوتة، بسلوك أطراف الحرب ومنطقها المركزي: أولوية تجميع الموارد والرمزية السياسية، حتى عندما يكون ذلك جزئياً أو حتى متخيلاً، على حساب بناء توافقات حقيقية تستجيب لاحتياجات السودانيين.
وقدم كاتب المقال في ورقة “إعادة بناء الفضاء المدني”، اثناء فترة قيادته لمركز الدراسات السودانية 2022، ملاحظة يعتبرها مهمة مفادها أن منطق “الندرة” – سواء كانت ندرة موارد، أو منصات، أو اعتراف دولي – يعمل كعامل ضاغط يدفع بعض الفاعلين المدنيين إلى تبني سلوكيات إقصائية، فيتحول التنافس المشروع إلى صراع صفري، وتُعاد صياغة الفضاء المدني ذاته من مساحة لـ التعدد لـ ميدان هيمنة.
وما أفرذته هذه الصيغة حتى الآن، لم يكن سوى تضييق إضافي للمجال العام، لكن هذه المرة ليس فقط بفعل القوى المسلحة، بل أيضاً عبر ممارسات مدنية تستبطن – بوعي أو بدونه – نفس الأدوات التي تُنتجها الحرب، وهو ما يعقّد أي محاولة لإعادة بناء فضاء سياسي مفتوح، لأن العائق أصبح متجذراً جزئياً داخل البنية المدنية ذاتها.
من هنا، فإن تفكيك خطاب الاستقطاب يتطلب مساءلة عن الممارسات المدنية التي تعيد إنتاجه، فاستعادة “المنطقة الوسطى” تقتضي كذلك مقاومة الإغراء المستمر بتحويل الفضاء المدني لـ امتداد لصراعات المليشيات، حتى عندما تُدار بلغة مختلفة، وليس الإكتفاء برفض الانخراط في معسكري القتال.
ويُعاد اليوم حسب الشواهد الماثلة تدوير “دمي ضجيج” بذات الأساليب التى قطعت الطريق على قيادات ثورة ديسمبر الشابة أثناء التجربة الانتقالية الاخيرة لـ “ملشنة” خطاب المناهضين للحرب، في استمرارية لنهجٍ يسعى لتزييف التمثيل الشعبي وإسكات الأصوات المدنية غير المنسجمة مع سردية هذا الطرف او ذاك.
دون هذه المراجعة، سيظل المجال المدني عرضة لأن يُعاد تشكيله وفق نفس المنطق الذي غذّى الحرب: منطق الإقصاء، واحتكار التمثيل، وتحويل الاختلاف إلى تهديد وجودي، بما في ذلك تنامي أسلوب التصفية الجسدية خارج نطاق القضاء وبدوافع سياسية.. وفي هذه الحالة، لن يكون السؤال: كيف تنتهي الحرب، بل كيف تستمر بأشكال أخرى.
منذر مصطفى
باحث | معهد السياسات العامة – السودان
17 ابريل 2026



