لماذا تساعد ألمانيا السودان؟

منذر | مصطفي
تتجه الأنظار اليوم نحو العاصمة الألمانية لمتابعة مخرجات “مؤتمر برلين”، ويبدو أن الحدث قد تجاوز إطاره التقني ليتحول إلى ساحة اشتباك سياسي محموم بدأت ضجيجه قبيل التئام جلساته.
إذ يواجه المؤتمر حملات رقمية وميدانية شرسة يقودها تيار محسوب على “الإخوان المسلمين”، يرى في هذا الانخراط الدولي تهديداً لموازين القوى القائمة ومحاولة لإعادة هندسة المشهد السياسي الداخلي، بنما ترى تيارات مدنية بأن المؤتمر رافعة لمشروعها السياسي.
هذا الاستقطاب الحاد حول “المساعدة الدولية” يطرح تساؤلاً جوهرياً يتجاوز اللحظة الراهنة: لماذا تضع ألمانيا ثقلها الدبلوماسي اليوم خلف الأزمة السودانية؟ وهل هي مجرد استجابة إنسانية لنداء الاستقرار، أم أن هناك طبقات من الذاكرة السياسية المنسية تعيد تشكيل علاقة “المانح” و”المتلقي”؟ لفهم هذا الانخراط الألماني المكثف، لا بد من العودة 80 عاماً لـ الوراء؛ ما بعد الحرب العالمية الثانية، حين كان السودان شريكاً فاعلاً في إنقاذ ألمانيا نفسها من خطر الانهيار الشامل.
يُقدَّم هذا الانخراط، كما يتجلى في مؤتمر برلين حول السودان، ضمن لغة مألوفة: دعم إنساني، وساطة سياسية، ومساعٍ لـ إنهاء الحرب، غير أن هذه اللغة، رغم وجاهتها الظاهرية، لا تفسر وحدها لماذا يتحول السودان – في هذه اللحظة تحديداً – لـ موضوع تعبئة دولية، أي بعد 3 سنوات من الحرب، ولماذا تتكثف الجهود حوله مقارنة بأزمات أخرى لا تقل حدة.
المؤتمر نفسه لم يكن حدثاً تقنياً معزولًا، بل سبقه حراك تعبوي واسع: مشاركة عشرات الشخصيات السودانية، جلسات حشد إقليمي – منها ما نظمته “الخماسية” في إثيوبيا – وحملات رقمية وميدانية متعارضة تعكس انقسام المجال السياسي السوداني، وهذه التفاصيل تكشف أن “المساعدة” جزء من الصراع على تعريف الأزمة نفسها.
لفهم أعمق، لا بد من العودة إلى ما وراء اللحظة الراهنة، إلى طبقات أقل تداولاً في الذاكرة السياسية، فـ في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حين كانت أوروبا في حالة انهيار شامل، لعبت منظمة الأمم المتحدة للإغاثة والتأهيل “أونرا” دوراً محورياً في الإغاثة الأولية، ضمن هذا الإطار، ساهم السودان – بموارده – في دعم عمليات الإمداد عبر الحبوب والمواد الخام وخدمات النقل، في وقت كانت فيه هذه الموارد شحيحة عالمياً.
ويشير تقرير المدير العام لـ “أونرا” لعام 1946، والذي قدمه المدير العام هربرت ليمانشكلت مساهمة مباشرة لـ السودان بـ3% من اجمالي انفاقه العام ما يعدل 50% من انفاق الدولة على التعليم أنذاك، مع حزمة مساعدات عينية ضخمة للغاية، ووفرت هذه المساهمة إمدادات حيوية لمناطق منكوبة في أوروبا، بما في ذلك مناطق داخل ألمانيا، ومع انتقال الجهود إلى مرحلة إعادة الإعمار الأوسع، التي ارتبطت لاحقاً بـ خطة مارشال، استمر تدفق المواد الخام من السودان، لدعم القطاعات الإنتاجية وبأسعار رمزية ومعظمها ديون ثنائية.
في ذلك الوقت، كانت ألمانيا نفسها كياناً منهاراً: ملايين اللاجئين، بنية تحتية مدمرة، وانقسام إداري تحت سلطة الحلفاء، حيث شمال وغرب ألمانيا كان تحت إدارة المارشال البريطاني برنارد مونتغمري (وهو النطاق الذي استفاد أكثر من غيره من منح ومحاصيل السودان)، وجنوب ألمانيا وكان يقوده الجنرال الأمريكي جوزيف ماكنارني (خلفاً لإيزنهاور)، وشرق ألمانيا: بقيادة المارشال السوفيتي جيورجي جوكوف، وجنوب غرب ألمانيا بقيادة الجنرال الفرنسي جان دي لاتر دي تاسيني، ولم تكن الدولة الألمانية آنذاك أكثر تماسكاً مما يبدو عليه السودان اليوم.
غير أن ما يهم في هذه المقارنة ليس دقتها التاريخية بقدر ما تكشفه: أن عمليات التعافي الكبرى لم تكن نتاج الموارد وحدها، بل نتاج كيفية إدارتها ضمن مشروع سياسي ومؤسسي متماسك، وإذا عدنا لـ الحاضر، نجد السودان في وضع يعكس – ولو بشكل مختلف بعض ملامح ذلك الانهيار: تعدد مراكز السيطرة العسكرية، اقتصاد متداعٍ، وأزمة إنسانية واسعة النطاق مع ملايين النازحين واللاجئين، ومع ذلك، فإن الفارق الحاسم يكمن في بنية النظام الدولي الذي يتعامل مع هذه الأزمة.
ضمن إطار الاتحاد الأوروبي، يُفهم الانخراط الألماني في السودان كجزء من إدارة المخاطر: الهجرة، الاستقرار الإقليمي، وتأثيرات انهيار الدولة على محيطها، هذا لا ينفي البعد الإنساني، لكنه يعيد وضعه ضمن منظومة أوسع من الحسابات، وومع ذلك، يبقى عنصر يصعب تجاهله كلياً: أن هذه البلاد لم تكن دائماً على هامش هذه المنظومة، لقد كانت في لحظة تاريخية سابقة، جزءاً من شبكة دعمت تعافي المركز نفسه.
وهذا يكشف عن مفارقة بنيوية: مفادها أن تدفقات الدعم التي تُقدَّم اليوم من الشمال إلى الجنوب، سبق أن تحركت -ولو جزئياً -في الاتجاه المعاكس، دون أن تُترجم إلى توازن دائم في المكانة أو القدرة، وفي هذا السياق، قد يكون السؤال “لماذا تساعد ألمانيا السودان؟” أقل أهمية من سؤال آخر: لماذا تُنتج المساعدة الدولية نتائج مختلفة باختلاف السياق؟.
في أوروبا ما بعد الحرب، ارتبطت المساعدة بإعادة بناء مؤسسات الدولة واحتكارها للعنف وتنظيمها للاقتصاد، أما في السودان، فإن تعدد الفاعلين المسلحين، وهشاشة البنية المؤسسية، يجعل من أي دعم خارجي عرضة لأن يُعاد تدويره داخل نفس ديناميات الصراع التي يفترض أن يعالجها.
بهذا المعنى، لا تبدو المشكلة في غياب الدعم الدولي، بل في الشروط التي تحدد كيفية امتصاصه وإعادة توجيهه، الدعم ذاته يمكن أن يكون أداة للاستقرار أو عاملاً لإطالة الأزمة، تبعاً للبنية التي يستقر داخلها، وعليه، فإن قراءة الانخراط الألماني- بكل ما يحمله من أبعاد إنسانية وتاريخية ومصلحية – تظل ناقصة إذا لم تُربط بالسؤال الداخلي: ما الذي يجعل لحظة التدخل هذه مختلفة عن سابقاتها؟، فـ في نهاية المطاف، لا تُحسم نتائج المؤتمرات في قاعاتها، بل في طبيعة المجموعة السياسية التى تستقبل مخرجاتها.
وبالعودة لـ أرشيف عام 1946، حيث كانت الموانئ الألمانية تستقبل شحنات الزيوت والحبوب السودانية عبر UNRRA لسد رمق شعبها تحت الاحتلال، تضعنا أمام استحقاق يتجاوز السرديات السياسية المباشرة
فإذا كان الانخراط الألماني اليوم يُقرأ ضمن مفاهيم “إدارة المخاطر” أو حتى “الذاكرة الأخلاقية”، فإن الدلالة الأعمق تكمن في تحوّل الأدوار: ألمانيا التي وجدت نفسها في “الساعة صفر” استطاعت تحويل التدفقات الخارجية – مهما كان مصدرها – لـ عناصر ضمن مشروع مؤسسي لـ أعاد بناء الدولة.
في المقابل، يقف السودان اليوم أمام “ساعة صفر” خاصة، لكن في سياق مختلف: حيث تُستهلك المساعدات داخل بنية منقسمة، فتفقد قدرتها على التحول لـ رافعة، وتصبح جزءاً من توازنات الصراع بدل أن تكون أداة لتجاوزه.
وفي هذا الإطار، يظل السؤال مفتوحاً على أكثر من مستوى، فبين اعتبارات الاتحاد الأوروبي المرتبطة بالاستقرار الإقليمي، والهجرة، وأمن البحر الأحمر، وبين طبقات أعمق من الذاكرة التاريخية التي ربطت – ولو بشكل غير متكافئ – موارد الجنوب بتعافي الشمال، تتشكل حدود هذا الانخراط.
غير أن ما تكشفه تجربة ما بعد 1946 لا يتعلق بالدوافع بقدر ما يتعلق بالنتائج: المساعدة، في ذاتها، لا تنتج استقراراً، وحده وجود مشروع سياسي قادر على استيعابها هو ما يحولها لـ أساس دائم.
وبينما نجحت ألمانيا في الانتقال من وصاية مجلس مراقبة الحلفاء إلى موقع الفاعل الدولي المؤثر، لا يزال السودان يواجه معضلة تحويل لحظات الإجماع الدولي – مثل مؤتمر برلين – من فضاءات لإدارة الأزمة إلى نقاط بداية لإعادة تأسيس الدولة.
منذر مصطفى
باحث | معهد السياسات العامة – السودان
15 ابريل 2026




