بين الكفاءة والقطيع… ملامح وطنٍ يُبنى أو يُستباح

كتب : الأديب شقيفة
ليست الأوطان خرائط تُرسم، ولا شعارات تُرفع، بل عقولٌ تُصان، وكفاءاتٌ تُستثمر، وإنسانٌ يُمنح فرصته الكاملة ليكون جديراً باسمه ومكانه.
فحين تضع الدولةُ الكفاءةَ في موضعها الصحيح، فإنها لا تختار أشخاصاً فحسب، بل تختار مصيرها، وتكتب مستقبلها بلغةٍ لا تعرف المجاملة.
إن الاهتمام بالكفاءات ليس ترفاً إدارياً، بل هو جوهر الفعل التنموي، وروح الاستقرار الحقيقي.
فالمهندس حين يُمكَّن، يبني وطناً لا جداراً، والطبيب حين يُقدَّر، يُنقذ مجتمعاً لا مريضاً فقط، والمعلّم حين يُحترم، يُنشئ أجيالاً لا صفوفاً.
هكذا تتراكم القيم كما تتراكم الحجارة في بناءٍ راسخ، حتى يصبح الوطن فكرةً صلبة لا تهزّها الرياح.
لكن، وعلى الضفة الأخرى، تقف فكرةٌ أكثر ظلاماً… فكرة صناعة القطيع.
حين تتحوّل الدولة من راعيةٍ للكفاءة إلى صانعةٍ للاتباع، فإنها لا تُدير مجتمعاً، بل تُدجّنه.
تُفرغ العقول من أسئلتها، وتستبدل التفكير بالتلقين، والاختلاف بالاصطفاف، والوعي بالانقياد.
هناك، لا يُقاس الإنسان بما يعرف، بل بما يُردّد، ولا بما يُنجز، بل بما يُطيع.
وفي مثل هذا المناخ، لا يعود القانون ميزاناً للعدالة، بل أداةً للانتقاء؛ يحمي من ينسجم، ويقصي من يفكّر.
وحين يفقد القانون حياده، يفقد الوطن روحه، ويتحوّل إلى محميةٍ هشّة، تحرسها الأوهام لا المبادئ.
أما القطيع، فمصيره دائماً واحد:
أن يكون بلا مشروع، بلا بوصلة، بلا مبدأ وطني يحميه حين تتكالب عليه الأزمات.
لأن من لا يملك وعياً، لا يملك دفاعاً، ومن لا يملك مبدأ، لا يملك بقاء.
إن المفارقة العميقة، أن الأوطان لا تسقط حين تضعف مواردها، بل حين تضعف معاييرها.
حين يصبح الولاء بديلاً للكفاءة، والصوت العالي بديلاً للحجة، والحشد بديلاً للفكرة.
عندها، يبدأ الانحدار صامتاً، لكنه لا يتوقف.
ولذلك، فإن المشروع الحقيقي لأي نهضة لا يبدأ من القمة، بل من القاعدة:
من مدرسةٍ تُعلّم التفكير لا الحفظ،
ومن مؤسسةٍ تُكافئ الإنجاز لا الانتماء،
ومن مجتمعٍ يُدرك أن التنوع قوة، لا تهديد.
في النهاية، يبقى السؤال الحاسم:
هل نريد وطناً يقوده العارفون… أم يُساق فيه الجميع؟
فالاختيار بين الكفاءة والقطيع، ليس خياراً سياسياً عابراً، بل هو الحدّ الفاصل بين وطنٍ يُبنى، وآخر يُستباح…




